رمسيس راح فين؟

نوستالجيا صاحب الميدان!

جلس “قناوي” على حافة النافورة إلى جوار “هنُّومة” معترفًا بحبه ومغويًا إياها بالذهب. لم يلتفت لهما المارة في الميدان الفسيح ولم يزعجهما أحد بالنظرات، وحده تمثال رمسيس في منتصف الميدان يقف خلفهما مراقبًا وشاهدًا على حب “قناوي” لمعشوقته التي تمشي أمامه في دلال يغوي الجميع.

ذلك المشهد هو واحد من المشاهد التي لا تُنسى في فيلم “باب الحديد” للمخرج يوسف شاهين، وواحد من المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرة المخرج عمرو بيومي عندما قرر استعادته علاقته الشخصية بتمثال رمسيس الثاني.

"قناوي" (يوسف شاهين) و"هنومة" (هند رستم) في فيلم "باب الحديد" من إنتاج عام 1958
تصوير الذكريات

نظن واهمين أن التاريخ يبدأ وينتهي فقط في الكتب، وحكايات الأجداد والأسلاف التي تتناقلها الشفاه عبر الأجيال، لكن للتاريخ طرقًا أخرى يتسرب منها إلينا، يحاوطنا ويصبح جزءًا من ذاكرتنا وحياتنا اليومية، نألفه دون أن ندري وندونه في خيالنا إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لاستعادته.

في فيلمه التسجيلي “رمسيس راح فين؟” الحائز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان الإسماعيلية في دورته الواحدة والعشرين، قرر المخرج عمرو بيومي أن يدوّن ذكرياته عبر الكاميرا.

فبين زحام الذكريات وتفاصيل الحياة العادية، اختار عمرو بيومي أن يتنقل بنا من طفولته بحي السكاكيني بوسط مدينة القاهرة إلى ميدان رمسيس، وتحديدًا على عتبات تمثال رمسيس الذي مر برحلة طويلة من التنقلات منذ اكتشافه عام 1955 إلى أن استقر في قلب ميدان نهضة مصر (سابقًا) ميدان رمسيس حاليًّا، وحتى مغادرته للميدان في أغسطس/آب 2006.

رحلة شخصية إلى التمثال تتوازى مع علاقة المخرج بأبيه، علاقة تتبلور فيها السلطوية الأبوية على “عمرو” في طفولته وصباه. سلطة لم يفارقه أثرها حتى وقت صناعته للفيلم.

  وَأَتى الدَهرُ تائِبًا بِعَظيمٍ            مِن عَظيمٍ آباؤُهُ عُظَماءُ ..

 مَن كَرَمسيسَ في المُلوكِ حَديثًا وَلِرَمسيسٍ المُلوكُ فِداءُ ..

 بايَعَتهُ القُلوبُ في صُلبِ سيتي   يَومَ أَن شاقَها إِلَيهِ الرَجاءُ ..

  وَاِستَعدَّ العُبّادُ لِلمَولِدِ الأَكـ         ــبَرِ وَاِزَّيَّنَت لَهُ الغَبراءُ..

(قصيدة همت الفلك واحتواها الماء، أحمد شوقي)

تمثال رمسيس بميدان نهضة مصر - أرشيفية
رمسيس: الملك والميدان

عُرف بـ”رمسيس الأكبر” وحكم مصر في حياة أبيه الملك “سيتي الأول” في عمر الخامسة والعشرين واستمر في حكمه للبلاد 67 عامًا، لكن ما تبقى لنا من فتات حكايته هو التمثال الذي نُحت له، واكتُشِف بقرية “ميت رهينة” بالجيزة.

حينها قررت السلطات في حكم الراحل جمال عبد الناصر نقل التمثال إلى جوار محطة السكة الحديد بأهم ميادين مصر، بإشراف المهندس صادق نجيب عام 1955، ليتغير اسم الميدان من “نهضة مصر” ويصبح – حتى يومنا هذا- “ميدان رمسيس”.

استقبل المصريون التمثال بالاحتفال في الشوارع، واحتفت به صفحات الجرائد بالمانشتات والرسوم الكاريكاتورية، وزُيِّن قلب الميدان بالورود والأشجار ونافورة كبيرة كي تضفي البهجة على الضيف الجديد.

تمر السنوات، ويكبر عمرو بيومي وتشتد قامته من الطفولة إلى المراهقة وصولاً إلى قراره بالسفر إلى الخارج، ونتابع علاقته الطيبة بأمه والشائكة بأبيه، علاقة بسلطة الأب لا تختلف كثيرًا عن سلطة الفرعون على شعبه منذ حكم رمسيس الثاني.

بعد صدمة رحيل عبد الناصر “الأب الكبير” يمر موكب جنازته من التحرير إلى ميدان رمسيس، ويسدل الستار على عهد ليبدأ آخر جديد، يأتي السادات ومن بعده مبارك؛ آباء جدد يضعون أطرًا جديدة لسلطوية أخرى على أبنائه من المواطنين.

وبين الخطوط المتوازية في دراما الفيلم، تتقاطع السبل وتلتقي عند رمسيس: التمثال والميدان، باتساعه وشموخه، لتتشكل أمامنا لغة الفيلم وطريقة السرد التي تمزج روابط الأب بالابن، الحاكم بالمحكومين، الشخصي بالعام، البيت بالميدان الكبير، والزمن بعقارب الساعة.

عمرو بيومي مخرج الفيلم
موكب الذاكرة

تتبدل ملامح القاهرة من أواخر السبعينات مرورًا بالثمانينات والتسعينات.. الزحام الشديد، الجو الخانق، الغبار والدخان يحلقان في سماء المدينة التي تضيق شوارعها وتختنق أنفاسها شيئًا فشيئًا. يتغير شكل الميدان، تُردم النافورة وتُبنَى في الأعلى الكباري الجديدة كي تستوعب زحام المدينة وتشوه شكل الشوارع.

ورمسيس جزء من الحكاية الكبرى للمدينة، شاهد عليها ومتورط فيها، إلى أن جاء القرار في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بنقل تمثال رمسيس من الميدان، ليعود من جديد إلى الجيزة حيث اكتُشِف.

روايتان مختلفتان

في حكايتين مختلفتين، أجاب الفيلم عن سؤال “لماذا نُقل رمسيس؟” فالدكتور عماد أبوغازي علل سبب النقل بالرغبة في الحفاظ على التمثال، الذي بدأ يفقد بريقه، بعيدًا عن زحام الميدان والتلوث واهتزازات المترو من أسفله، لينتقل إلى مكان آخر يليق به.

أما الحكاية الثانية فيرويها المهندس أحمد حسين، المشرف على عملية النقل الأخيرة للتمثال، ويقول بوضوح إن القرار جاء من الحاكم نفسه، “أمر مباشر من السلطة التي لم يرضها أن تكون محطة مترو مبارك بالأسفل وبالأعلى يقف تمثال رمسيس في شموخ”.

كلتا الروايتين منطقية وتشكل بُعدًا هامًّا في مصير التمثال الذي كتب عليه الارتحال منذ اكتشافه وحتى هذا اليوم.

عملية نقل التمثال 25 أغسطس/آب 2006

لا يهتم الملوك إلا بصراعاتهم الفوقية، لكن المشاعر الصادقة تكمن حقًّا في الأسفل، في قلب الشارع، حيث يعيش المواطنون البسطاء الذين تأثروا برحيل التمثال، الذي بغيابه تبدل شكل الميدان وضاعت بوصلتهم في المدينة الواسعة التي تبتلعهم في زحامها.

يرتبط ميدان رمسيس بمشاعر الغربة والتيه، هناك في محطة السكة الحديد تودع القاهرة المسافرين وتستقبل الوافدين من شمال مصر وجنوبها، مفتاح الوصول وبوابة الترحال، لكن رمسيس هناك يعيد المسافرين إلى جذورهم من جديد، يذكرهم بمصريتهم، أصبح وجهًا مألوفًا وأضحى شموخه معتادًا، سلطته حاضرة ولا وحشة في وجوده، لكن أحدًا لم يحسب أن الغربة ستتضاعف عندما يعرف المسافرون أن رمسيس راحل.. إلى أين؟ لا أحد يدري. ولماذا؟ لا أحد يعرف بالتحديد.

في الجزء الأخير من الفيلم نتتبع موكب الرحيل الأخير لتمثال واحد من أهم ملوك مصر، يزفه أبناء مصر الحديثة في موكب وداع كرنفالي، النساء في الشرفات يزغردن والرجال في الشوارع يرقصون ويهللون، والصغار يأكلون الآيس كريم المثلج ليلطفوا من حرارة أغسطس/آب الخانقة، ويراقبون التمثال الضخم في رهبة وفرح غير مفهومين.  

رحل رمسيس من ميدانه الكبير، ولم يتبق منه سوى الاسم والذكرى ومواكب الاحتفال.

تمثال رمسيس بالمتحف المصري الكبير

يقف أمام الكاميرا أحد المارة بميدان رمسيس، ويتحدث مع صانع الفيلم قائلاً: “الموقَف شكله وحِش من غيره، كان عامل لنا حِس، كل ما أنزل مصر أبص عليه، أروح له فين بقى؟ هيبقى فين مش عارف!”

من عنوانه يسأل الفيلم “راح فين؟” لكنه يتركنا دون إجابة، في العام 2006 أُلقي التمثال بعيدًا إلى أن توضع خطة جديدة لمكان يستقر فيه، لكنه الآن يبدأ عهدًا جديدًا، يقف في شموخه المعتاد بمدخل المتحف المصري الكبير على بعد أميال من أهرامات الجيزة، تتعامد الشمس على وجهه، ويستقبل الزائرين والوافدين الجدد ومن سألوا قديمًا عن مكان رحيله.

ربما لا يعرف الكثير من الأجيال الجديدة حكاية هذا التمثال، لكن الفيلم يضعنا أمام رحلة طويلة توثق مسيرة التمثال التي تمنحه تكريمًا يستحقه، وتشتبك على نحو حميمي مع الرحلة الشخصية لصانع الفيلم، اشتباكًا لا يختلف كثيرًا عن حكاياتنا الشخصية وعلاقتنا بشوارع القاهرة وميادينها، وسلطتها علينا، تلك السلطة المتُعبة الجميلة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

آية طنطاوي

كاتبة سينمائية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram