زوايامختارات

مشجعون ولاعبون.. كيف امتلأت كرة القدم بحاملي جوائز الأوسكار؟

 

لطالما كانت علاقة كرة القدم بالسينما علاقة خجلة، تدور في إطار ضيق، وكذلك علاقة السينما بغالب الرياضات. فالحدث الرئيس، وهو المباراة، لا تمكن إعادة تمثيله مرةً أخرى، وإن حدث، يصير المشهد كأنك تشاهد كارتون “الكابتن ماجد”، حيث ينطلق “ماجد” بالكرة كأنه يلعب بمفرده، واللاعبون يتساقطون أمامه كأنهم أقماع.

ولتجنب مثل هذه المشاهد الساذجة، ركزت السينما على البعد الإنساني المحيط بالمنافسة أو الرياضيين أنفسهم. ثم انفجرت مؤخرًا من زاوية أخرى، عبر الوثائقيات، لجذب الجمهور بأحداث ما وراء الكواليس، ولعل أبرزها كانت وثائقيات الأسطورتين: دييجو أرماندو مارادونا، ومايكل جوردان.

لكن في أثناء رحلة البحث عن الزوايا المشتركة بين كرة القدم والسينما، كانت هناك زاوية واضحة لم تكن بحاجة إلى أي مجهود، مجرد نظرة سريعة على الفائزين بجائزة الأوسكار، ومنها سنكتشف كيف امتلأت كرة القدم بحاملي جوائز الأوسكار!

“ليوناردو دي كابريو” في فيلم “The Revenant”

اندمج أكثر حتى تفوز

في عام 2018، كشفت قناة Vox على اليوتيوب  عن وجود نمط متكرر في الفوز بجائزة الأوسكار. وبتتبع ذلك النمط، وجدت أنه من أصل 132 جائزة منحت لأفضل ممثل وأفضل ممثلة منذ عام 1951، ذهبت 92 إلى ممثلين انتهجوا ما يسمى بمدرسة “التمثيل المنهجي” «Method Acting» على نحو جزئي أو كلي.

يمكننا تعريف “التمثيل المنهجي” على أنه أقصى نقطة اندماج بين الممثل وشخصيته، فيبذل مجهودًا جبارًا ليبدو لنا في النهاية كأنه لا يمثل. وكان للمخرج المسرحي الروسي قسطنطين ستانسلافسكي الفضل في ابتكار ذلك الأسلوب، ثم نشره في أمريكا الممثل والمخرج الأمريكي لي ستراسبرج، تحت اسم “تمثيل المنهج” في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي.

ومن أجل الوصول إلى الواقعية المطلقة، اعتقد ستانسلافسكي أن الممثلين بحاجة إلى استخدام تجاربهم الشخصية لتخيُّل شعور شخصياتهم، وإسقاط ذكرياتهم الخاصة ومشاعرهم على تصورهم للشخصية. لكن إن مُنِحتَ دور القاتل وأنت لم تقتل أحدًا من قبل، فلا تقلق، عليك أن تستمد تجاربك من الشعور بالغضب، أو أي شعور ومواقف أخرى تجدها ذات صلة.

Explore the themes that define @TheAcademy Award Best Picture nominated film #TheRevenant.https://t.co/Ij7iYrPQoo

— #TheRevenant (@RevenantMovie) January 21, 2016

قد تضطر في خضم ذلك إلى أكل قطعة كبد حية كما فعل ليوناردو دي كابريو في فيلم “The Revenant”، أو تعزل نفسك لأسابيع كما فعل هيث ليدجر عندما حاول الوصول إلى حالة “الجوكر” النفسية والعقلية المضطربة في فيلم “The Dark Knight”، وكذلك فعل دانيل داي لويس لأشهر قبل بدء تصوير فيلم “There will be blood”، وقبل أن تسأل، هل فازوا بالأوسكار؟ نعم فازوا جميعًا.

وبقدر التطرف الذي تبدو عليه تلك الحالة من الاندماج، فإنه مشابه تمامًا للواقع الذي يعيشه مُشجع كرة القدم. لكن هنا لا ينتهي الأمر كنهاية فيلم، بل قد يستمر للأبد، ما دام المشجع يحافظ على شغفه وتعلقه بفريقه.

الاندماج اللا واعي

يخبرنا عالم النفس آرثر آرون أن الاستجابة التي قد تراها عند رسم دماغ مشجع رياضي في أثناء نظره إلى فريقه أو لاعبه المفضل، شبيهة بتلك التي تظهر عندما تنظر الزوجة إلى صورة زوجها.

ثم تمتد العلاقة لتتجاوز الهتاف وشراء قميص النادي، لتصل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا يوضحها لنا إيريك سيمونز في كتابه “The Secret Lives of Sports Fans: The Science of Sports Obsession“؛ فهو يُجزم بأن تشجيع الفريق يُعَدُّ تعبيرًا للمشجع عن ذاته، ومن خلال العديد من الأوراق البحثية والمقابلات تبيّن له أن تأثير التشجيع يمتد ليشمل الذوق العام للمشجع، واللون المفضل، والأشخاص المحيطين به، وحتى التوجُّه السياسي كما الحال مع مشجعي برشلونة مثلاً.

وهنا يصل الاندماج إلى ذروته، كأن المشجع أشبه بممثل، لكن السيناريو الخاص بدوره 100 صفحة، جميعها كُتبت عليها كلمتان: “مساندة الكيان”. ومع تنوع رواد أسلوب “التمثيل المنهجي”، يُبدع كل مشجع في أداء دوره، مع الاتفاق على الإطار العام للدور.

يحتم علينا ذلك الإطار أن نتلاعب قليلاً بميزان الصواب والخطأ، ودعنا نتفق على هاتين الكلمتين عوضًا عن الحق والباطل، كي لا نعطي الأمور أكبر من حجمها. ثم يتطور الأداء المنهجي بلا وعي، لتبرير أي فعل، ومساندة أي شيء له علاقة بالنادي، وإن كان ذلك الشيء هو شخص اجتمع الجميع على فساده، وسوء أخلاقه، بمن فيهم ذلك المُشجع، لكن عندما اندمج، تناسى!

عليك أن تلاحظ أنك كلما التزمت بالسيناريو، ساهمت في ارتفاع مخزون التعصب الاحتياطي. ليأتي الدور هنا على المؤسسات التي تدير اللعبة لوضع القواعد التي تحرص على عدم تطور ذلك الاندماج إلى أفعال لا تُحمَد عقباها.

لكن من زاوية أخرى، يمكننا أن نضع منطقًا لائقًا لتفسير تلك الحالة التي يصل إليها المشجع، لكونه الطرف الوحيد في المنظومة الذي يعبر عن حبه وشغفه دون مقابل، وما  دام ملتزمًا بالقواعد فما المانع من أن يمنح نفسه بعض الصلاحيات التي تقوده في الأخير لإبداء رأيه في كل صغيرة وكبيرة بناديه، والدفاع عنه كلما لزم الأمر؟ في الأخير هو مشجع، لم يمنح نفسه صفة الحيادي أو صفة المحترف، لكن ماذا لو كان محترفًا وقرر الاندماج؟

رمضان صبحي بقميص الأهلي

أوسكار “ابن النادي”

يعتبر رمضان صبحي، لاعب نادي بيراميدز، أحدث نماذج المحترفين الذي قرروا العمل بالتمثيل المنهجي. وكان اندماج رمضان في أداء دوره يكفي لمنافسة أعتى الفائزين بالأوسكار، فقد بدأ صبحي منذ أن كان في سن العاشرة عندما ظهر في برنامج “بيبو 10”، الذي كان يقدمه محمود الخطيب على قناة مودرن سبورت.

أطل علينا رمضان بالقميص الأحمر، وفاز بمسابقة المهارات التي أقامها البرنامج، وتسلم الجائزة من الخطيب شخصيًّا. ثم انطلقت رحلته داخل قطاع الناشئين بالأهلي، حتى صعد للفريق الأول، لينال إعجاب الجماهير بمهاراته وشخصيته، وكذلك أدائه التمثيلي عبر عدد هائل من الاحتفالات الصاخبة التي يصاحبها تقبيل شعار القلعة الحمراء، بكل فخر وانتماء.

تقدم رمضان في السن، وازداد نضجه، لينقِل اندماجه إلى مرحلة أعلى، عبر إعلان “ابن النادي” الذي تحول إلى أيقونة في عالم الكوميكس، ثم المرور على كل الاستديوهات المتاحة لترديد الجملة الوحيدة المكتوبة بسيناريو شخصية رمضان: “لا أرى نفسي بقميص آخر غير قميص الأهلي”.

تمت المهمة بنجاح

رمضان صبحي في #بيراميدز! #RamadonaXPyramids pic.twitter.com/S0zYtAo5vu

— Pyramids FC (@pyramidsfc) September 7, 2020

رمضان في مرمى الهجوم

وبعد انتهاء الفيلم فجأة، تمكن رمضان من رؤية نفسه بقميص نادٍ بلا هوية كروية بعد، أو جمهور، وانبرى عدد كبير من اللاعبين القدامى والحاليين للدفاع عن قرار لاعب “هدرسفيلد تاون” السابق. وبمنتهى الدهاء حصروا الأمر في فكرة الموظف الذي ينهار أمام الأموال في عالم الاحتراف القاسي. بل وشككوا في انتماءاتهم قديمًا، مرجحين أن توافر مثل هذه الأموال، كان سيقطع عليهم شعارات الانتماء قبل أن يفكروا في ترديدها.

وحتى لا يتمكن هؤلاء من إلهائنا، إليك المشكلة؛ لرمضان وغيره كل الحق في تحديد وجهتهم، لكن التلاعب بمشاعر الجماهير ومحاولة استمالتهم بمثل هذه التصرفات هو المشكلة، لا يمكنك أن تبدأه في الوقت الذي تريد ثم تنهيه بضغطة زر. بل يمكن القول إن تشجيع مثل هذه النماذج، ما هو إلا دعوة لاستقبال المزيد من الممثلين الراغبين في نيل جائزة الأوسكار.

ليس هذا وحسب، بل إن الأمر يأخذ طابعًا تجاريًّا أيضًا، فيُعتقَد أن التمثيل المنهجي مفيد جدًّا في عملية التسويق. تخيل ردة فعلك وأنت تسمع للوهلة الأولى أن ليوناردو دي كابريو أكل قطعة لحم حي! وجود قصة خلف الكواليس يكفي لزيادة شعبية الأداء. وكذلك في كرة القدم، كلما بالغت في الاندماج، حصلت على شعبية أكبر، وكلما كان أداؤك محاطًا بمثل هذه الشعارات، زادت قيمته.

تخيل مشهد كرة القدم عندما يغزوها حاملو جائزة الأوسكار، على الأرجح سيكون مشهدًا مخيفًا لا يُحبَّذ الوصول إليه. إذًا ما العمل؟ هل يمكن أن نبحث عن نماذج أخرى من اللاعبين لنجعلهم في الواجهة عوضًا عن هؤلاء الممثلين؟

“أوسكار دوس سانتوس” نجم تشيلسي السابق

أوسكار بلا تمثيل

يذخر عالم الاحتراف الحقيقي بالعديد من القصص الملهمة، التي لم تبدأ بالتمثيل المنهجي، ولم تنتهِ كذلك بوضع المال كأولوية. ما بين اختيار الوفاء للقميص الواحد، وتفضيل مصلحة الأسرة، كما فعل برباتوف، نجم مانشستر يونايتد الأسبق، مثلاً عندما فضل فولهام على يوفنتوس.

لكن انتشار أمثال هؤلاء لن يحدث إلا في عالم مثالي؛ إنها محاولة بائسة للبحث عن التطرف لكن من الجانب المعاكس. وبالتالي، بات لزامًا علينا خفض طموحاتنا والبحث في ما هو متاح، وبالصدفة كان المتاح هو لاعب يحمل نفس اسم الجائزة “أوسكار”.

أوسكار دوس سانتوس هو نجم تشيلسي والمنتخب البرازيلي السابق، الذي يختصر معظم جماهير كرة القدم مسيرته في أمر واحد فقط: المال. فضّل لاعب الوسط الموهوب في يناير/كانون الثاني 2017 ترك الدوري الإنجليزي الممتاز، والانضمام إلى نادي شنجهاي الصيني. يمكن أن نسمي تلك الفترة في الصين فترة الانفتاح، حيث فتح الدوري ذراعيه لضم كل من يمكن ضمه من اللاعبين الكبار بأوروبا؛ تيفيز، هالك، روبينيو، لافيتزي، باولينيو، أكسيل فيتسل، وغيرهم.

This is really an excellent memory. It was an unforgettable day.  https://t.co/y5xY3bD9sF

— Oscar (@oscar8) September 19, 2020

تقريبًا، اتخذ أوسكار نفس قرار رمضان صبحي، لكن الفارق أن أوسكار لم يكن يمثل أي دور، وأعلن صراحة أنه ذهب من أجل المال وليس من أجل منظومة الاحتراف الصينية. ووفقًا لما نشرته مجلة “Forbes” في عام 2020، فإن دخل أوسكار قد تضاعف 4 مرات، ليتحصل سنويًّا على 27.5 مليون دولار.

“كل لاعب كرة قدم، وكل شخص في أي مهنة يسعى لكسب المزيد من المال من أجل أسرته. لقد نشأت في بيئة فقيرة بالبرازيل، لم نكن نملك شيئًا، وما وصلت إليه الآن هو ثمرة مجهودي. وبنفس الطريقة التي أتيت بها إلى هنا، أستطيع العودة مرة أخرى إلى أوروبا”.

تصريح سابق لـ “أوسكار” يبرر به اختياره الدوري الصيني

وضوح أوسكار وصراحته هما نقيض التمثيل المنهجي، وبما أنه لا يحق لنا التحكم في مسيرة اللاعبين ورغبتهم في جني المزيد من الأموال، فلا يمكننا سوى أن نطلب منهم عدم الاندماج في حب الكيان، أو استمالة جماهيره بشعارات لا طائل منها، باختصار: كن واضحًا مثل أوسكار، ولا تكن مثل حاملي الجوائز.

 

 

محمد بدوي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى