زوايامختارات

رهان خاسر؟ جو بايدن ومستقبل القضية الفلسطينية

 

سياسيٌّ ديمقراطيٌّ مخضرم تمكّن من فرض وجوده على الساحة السياسية الأمريكية منذ سبعينات القرن الماضي، برز دعمه القوي لإسرائيل وعلاقاته العميقة بها وبرموزها منذ أيامه الأولى في مجلس الشيوخ الأمريكي. في المقابل، عمل نائبًا للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في الفترة من عام 2009 حتى 2017، ودعّم خلالها توجهات أوباما ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية غير المنحازة -ظاهريًّا- إلى إسرائيل.

وها هو يفوز في السباق الرئاسي الأمريكي ويحصد نحو 306 من أصوات المجمع الانتخابي، ليبدأ الجدل وسلسلة التوقعات حول مستقبل قضايا جوهرية في الشرق الأوسط بعد فوز جو بايدن، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

فهل ستكون سياسات بايدن تجاه القضية شبيهة بسياسات من سبقوه من رؤساء الولايات المتحدة ذوي الولاء غير المشروط لإسرائيل، أم أنه سيتبنى سياسات قادرة فعليًّا على تحريك المياه الراكدة فيها؟

“جو بايدن” الرئيس الأمريكي المنتخب

رؤية إدارة جو بايدن للقضية الفلسطينية

استعرض جو بايدن خلال حملته الرئاسية إستراتيجيته تجاه القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي ظهر بعض من ملامحها عبر تصريحاته هو وإدارة حملته الانتخابية وشخصيات من الحزب الديمقراطي الممثل عنه، والتي من الممكن تلخيصها في الآتي:

1- معارضة الضم “أحادي الجانب” لأجزاء من الضفة الغربية:

عارض جو بايدن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضم أحادي الجانب لأجزاء من الضفة الغربية، وأوضح في أكثر من سياق أنه لن يسمح بحدوث ذلك في حال فوزه، كما أعلن عن معارضته لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، انطلاقًا مما يُقر به الإجماع الدولي بأن المجتمعات اليهودية في الأراضي الفلسطينية تنتهك القانون الدولي.

بيد أن خطة الضم عُلِّقَت بالفعل مؤقتًا، منذ توقيع اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي اعتبره بايدن مؤشرًا جيدًا على استعداد نتنياهو للتراجع عن مخططه، لكن إقناعه بالتراجع -من وجهة نظر بايدن- سيكون بالطرائق الدبلوماسية لا بالتهديد والضغط بقطع المساعدات الأمريكية عن إسرائيل، مثلما دعا الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي.

2- حل الدولتين:

“إنه يؤمن بشدة أن حل الدولتين ضروري لضمان الطابع اليهودي والديمقراطي لإسرائيل، فضلاً عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين”.

دان شابيرو، السفير الأمريكي لدى إسرائيل خلال ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما.

كان بايدن وما زال داعمًا قويًّا لحل الدولتين، ويعتبر النشاط الاستيطاني الإسرائيلي العقبة الرئيسة أمام تحقيقه، فطالما دعا لإنشاء دولة فلسطينية قادرة على العيش بجانب إسرائيل، يمارس فيها الشعب الفلسطيني حريته في حكم نفسه بعيدًا عن أي أعمال أحادية الجانب تُضيّع حقهم في الاستقلال.

لذا من المتوقع أن يحث بايدن الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية على اتخاذ خطوات جدية بشأن إقامة دولتين قادرتين على العيش معًا وتجنب الضم أحادي الجانب للأراضي والنشاط الاستيطاني، وكذلك تجنب دعم التحريض والعنف بما يقوّض من آفاق السلام بين كلا الجانبين، وفق ما جاء على موقع حملته.

3- إعادة العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية:

تعهّد جو بايدن خلال حملته الرئاسية بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية بعد الانقطاع المُدمِّر في العلاقات، التي تسببت فيها الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها، حين ألغت برامج المساعدة التي تدعم بدورها التعاون الأمني الإسرائيلي-الفلسطيني والتنمية الاقتصادية والمساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة.

وتخطط إدارته لإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، التي كانت تخدم الجالية الفلسطينية لفترة طويلة، وكذلك إعادة بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والتي أغلقتها إدارة ترامب قبل عامين، كما تعهدت إدارته باتخاذ خطوات عاجلة وفورية لاستعادة المساعدات الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني.

في المقابل تعهّد بإقناع السلطة الفلسطينية بالتخلي عن سياستها في دفع رواتب للأفراد المسجونين على خلفية أعمال للمقاومة، الأمر الذي يوحي بأنه في حال عادت العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية ستوجد إملاءات ومساومات قد لا تكون في صالح القضية الفلسطينية مطلقًا، إذا ما استجابت السلطة الفلسطينية لها.

صورة تجمع محمود عباس وبايدن في الضفة الغربية (مارس/ آذار 2016)

مستقبل صفقة القرن بعد فوز بايدن

بسقوط ترامب، الراعي الرسمي لصفقة القرن والداعم الأول لها ولكل أعمال إسرائيل أحادية الجانب، فإن هناك فرصة للحديث مجددًا عن مستقبل الصفقة بعد فوز جو بايدن الديموقراطي في الانتخابات الأمريكية، وذلك في ضوء سيناريوهين:

الأول: إجراء تعديلات جوهرية على الصفقة

من المحتمل ألّا ينسحب بايدن رسميًّا من صفقة القرن، لكنه قد يُدخِل بعض التعديلات الجوهرية عليها، كأنْ يتجاهل بعضًا من عناصرها أو يستبدلها وفق رؤيته، فمثلاً من الوارد أن يتجاهل البند القائل بالسماح بضم الكتل الاستيطانية، وقد يتبنى بنودًا أخرى تشجع على التنمية الاقتصادية وتدعم الاستثمار الدولي في الأراضي الفلسطينية، وهو بذلك سيكون أمسك العصا من منتصفها، فلا يخسر علاقته الحميمية بإسرائيل، وفي الوقت ذاته لم يتخلَّ عن رؤيته لحل الصراع.

الثاني: استبدال خطة سلام جديدة بالصفقة

قد يلجأ بايدن، مُلتزمًا بقرارات الشرعية الدولية، إلى عدم تنفيذ صفقة القرن وإلغائها، لكنه في تلك الحالة سيكون مطالبًا بخلق بديل وحل للقضية الفلسطينية.

لذا قد يسعى بايدن للبحث عن مسار جديد لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعد التفاهم مع حكومة نتنياهو على التنازل عن فكرة ضم أجزاء من الضفة الغربية، على أمل استكمال المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل وحل القضايا العالقة بينهما.

ومن ثَمَّ فإنه قد يطرح خطة بديلة للسلام يقدم فيها حلاً للقضية الفلسطينية، مُختلِفًا عمّا جاء في صفقة القرن، تقوم بالأساس على حل الدولتين وفقًا للرؤية الأمريكية التقليدية لحل الصراع.

ترامب يوقع صفقة القرن

ما الذي يهدد تنفيذ تلك الرؤية؟

تبرز عدة أسباب تشكك في مدى جدية بايدن في تنفيذ إستراتيجيته تجاه القضية الفلسطينية، ولعل أهمها:

أولاً: العلاقات العميقة بين بايدن وإسرائيل

“لديه شعور عميق تجاه إسرائيل”..
مايكل أورين، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الأسبق
باراك أوباما..

يعد جو بايدن صديقًا حقيقيًّا مقربًا لإسرائيل، ومؤيِّدًا صريحًا لها، أسهم في ذلك كونه وُلد لأبوين كاثوليكيين داعمين بشدة للدولة اليهودية، وبدا عمق علاقته بإسرائيل حين زارها عام 1973 بعد أشهر فقط من انتخابه للمرة الأولى في مجلس الشيوخ الأمريكي.

وقد كان من المدافعين عن الدعم الأمريكي لإسرائيل حين قال في مجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو/ حزيران 1986، إنه “حان الوقت للتوقف عن الاعتذار عن دعمنا لإسرائيل، فهو أفضل استثمار نقوم به، فإن لم تكن هناك إسرائيل فكان سيتعين على الولايات المتحدة اختراع إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة”.

وقد سبق أن تعهد بايدن، في أثناء توليه منصب نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما، في خطاب ألقاه عام 2015، بأن الولايات المتحدة ملتزمة “بوعد مقدس لحماية وطن الشعب اليهودي”.

فضلاً عن ذلك، فإن بايدن ونتنياهو تجمعهما صداقة حميمية تتعدى 45 عامًا، وهو ما سبق أن أعلن عنه في مناظرة له في عام 2012 حين واجه انتقادات بشأن معاملة إدارة أوباما لإسرائيل، وحينها رد بأنه ونتنياهو صديقان منذ 39 عامًا.

وخلال حملته الرئاسية 2020، كان بايدن أحد المرشحين الديمقراطيين القلائل الذين قالوا إنهم لن يستخدموا المساعدات الأمريكية لإسرائيل كوسيلة للضغط عليها لتقديم تنازلات، وذلك حين قادت النائبة الديمقراطية، ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، خطابًا موقعًا من جانب عشرات المشرعين الديمقراطيين طالبوا فيه الولايات المتحدة بوقف التمويل العسكري الأمريكي لإسرائيل، المقدر بنحو 3.8 مليار دولار سنويًّا، إذا مضت إسرائيل قدمًا في خطة الضم.

بايدن ونتنياهو

ثانيًا: ضغط اللوبي اليهودي

تملك جماعات الضغط اليهودية الموجودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية القدرة على تطويع السياسة الأمريكية بما يصب في صالح إسرائيل، وذلك عبر توغلها في وسائل الإعلام الأمريكي، وهو ما يمكنها من خلق بيئة سياسية مؤيدة وداعمة لإسرائيل.

بالإضافة إلى هذا، قدرتها على التأثير على الكونجرس وسيطرتها على مراكز الأبحاث والدراسات، ذات التأثير الكبير في صنع القرار الأمريكي، الأمر الذي قد يسلب الرئيس الأمريكي الجديد القدرة على اتخاذ القرارات بمفرده، وبالأخص منها المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فمثلاً، قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، كان الكونجرس هو المسؤول عن إصداره وليس دونالد ترامب، لذا ليس بإمكان بايدن التراجع عن ذلك القرار بمجرد توليه الرئاسة.

ومن ثَمَّ فإن الحفاظ على أمن إسرائيل أولوية كبرى لدى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعيق أي محاولات قد تأتي لصالح حل القضية الفلسطينية، وإن كان ترامب قد أظهر تحيزه تجاه إسرائيل أكثر من أي رئيس سابق في مواقفه من قضايا مثيرة للجدل، كالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بسيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية.

كل من ترامب وبايدن أعلنا في أكثر من سياق عن التزامهما بأمن إسرائيل، فضلاً عن ذلك فإن بايدن لن تكون لديه الحرية المطلقة في التراجع عن كافة قرارات الإدارة الأمريكية السابقة، وذلك في ظل ضغط اللوبي اليهودي في الداخل على قراراته وسياساته تجاه القضية الفلسطينية كافة، إضافةً إلى ما قد يواجهه من معاداة أحزاب أكثر يمنيية وتطرفًا له داخل إسرائيل، الأمر الذي لن يجعله يجازف بالدخول في صدامات معها.

وبالتالي فمن غير المتوقع أن تتغير الرؤية الأمريكية كليًّا تجاه حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لكن ما هو محتمل أن يأتي التغيير مرتبطًا بسلوك الرئيس الجديد وإدارته، دون الخروج عن التوجه الإستراتيجي الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية والصراع.

إجمالاً، في الوقت الذي يتحمس فيه الفلسطينيون لفوز جو بايدن في السباق الرئاسي الأمريكي، على خلفية الوعود والتصريحات التي يعتبرونها بادرة أمل وفرصة للعودة مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات، فإنه من المستبعد أن تضر سياسات بايدن مصالح إسرائيل. فمن ناحية، بايدن ليست لديه صلاحية إلغاء القرارات الرئيسة التي اتخذها ترامب، ومن ناحية أخرى، تجمعه بإسرائيل ورموزها علاقات عميقة من الصعب المجازفة بها تحت أي ظرف.

 

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى