روايات الحرب السورية

الحكاية قبل الإبداع

أكثر من 400 رواية سورية كان موضوعها الرئيس هو الحرب الدائرة على جغرافيا البلاد لمدة تسع سنوات.

الحرب مُغرية للكتابة لا شكّ، لكنها ليست ضامنة لنوعية السرد، ولا لمعمارية الرواية، فضجيج المعارك بين الكلمات، وانفجار الألغام بين الجُمَل، أو سقوط قذائف الهاون على اللغة، وتسلّل صليات صاروخية بين المقاطع، لا يكفل تعدد الأصوات في الرواية، وليس دليلا على الجودة، مثله مثل الوثائق والأخبار والحكايات المستقاة من أفواه أبطالها ورواتها، غير القادرة هي الأخرى على أن تكون بُرهانا قاطعا على حيوية السَّرد، وجماليات معماريته، وسلاسة تحريك الشخصيات.

الروائي “سومر شحادة” الحائز على جائزة الطيب صالح يرى أن أثر الحرب يختلف بين نص وآخر، لكن واحدة من سقطات الرواية السورية، في الفترة الأخيرة، وفق شحادة، هي التعاطي مع النص الروائي على أنّه وثيقة يُحتّم علينا إشهارها في وجه التاريخ.

يلفت سومر الانتباه إلى أن ذلك يحدث بسبب إدراك كون الثورة السورية ربما “لن تشغل سوى كلمات قليلة في كتاب التاريخ المدرسي عن عصيان مسلح فاشل. لكن هل هذه هي الحقيقة فعلا؟

من هنا، حسب سومر، ظهرت ورطة النص السوري، إذ حمّل الكثير من الروائيين السوريين نصوصهم صرخات وآلاما وصياحا في الساحات والخنادق وفي السجون. منهم من وثق تجربته، ومنهم من ابتكر تجربة من أجل توثيق آرائه، فصار النص عبارة بيان سياسي أو مرافعة في محكمة المستقبل. بهذا اختفى ما هو فني وخالد تحت ما هو سياسي وطارئ.

رواية الهجران، لسومر شحادة

يتفهم شحادة المسألة لكن في رأيه أن هذا الاتجاه جعل الرواية السورية غير مطلوبة، مع ذلك يبدي الروائي الشاب ألمه وحيرته متعجبا: كيف نبقى نزيهين إزاء معاناة شعبنا الكبيرة، وكيف نبقى، بالمقابل، نزيهين إزاء شروط الرواية التي تجتاز الحدث، ولماذا نعاني من الجمع بين الشرطين على هذا النحو الذي يتبّدى عصيا؟.. لربما كان الخلاف الشاسع في توصيف ما جرى في سوريا هو ما صنع هذه المسافة. وواحد من أشكال الحل أن نعبر بهموم السرد إلى ما هو إنساني لدى الضحية ولدى القاتل، وهذا، امتحان صعب!.

تتباعد رؤية الكاتب “باسم سليمان” مع شحادة بعض الشيء، ففي رأيه أن «الرّواية هي حكمة اللايقين» بتعبير ميلان كونديرا، وبما أن الرواية نشأت في زمن بدأت يقينياته بالتفكّك تاركة الإنسان نهبا لنسبية لا ترحم هشاشته الوجودية، فأمام هذا الواقع يعتقد صاحب “نوكيا” بأنه ليس بدعا أن تصبح الحرب في سوريا هي جوهر المضمون السردي لدى الروائيين السوريين.

لوحة للفنان السوري عبد الحميد فياض

يستشهد سليمان بكونديرا ثانية عندما قال إن الروائي حين يريد استعراض وضع تاريخي بوصفه إمكانية غير معروفة وكشفه للعالم، فإنه سيصفه كما هو، لكن ذلك لا يمنع من اعتبار الإخلاص للواقع التاريخي مسألة ثانوية بالنسبة لقيمة الرواية. إنّ الروائي ليس مؤرخا ولا نبيا: إنّه مستكشف وجود”.

من خلال هذا الطرح يحلّل مؤلف “تماما قبلة” موقف الروائي السوري، فيرى أن الأديب بدلا من أن يكون مستكشفا للحظة العنف الضاغطة على وجوده، ذهب باتجاه التأريخ، لذلك فأي مقارنة بين الرواية السورية قبل الحرب وبعدها ستكون لصالح النتاج السابق على الحرب، فعلى الرغم من الشهرة التي حظيت بها الرواية السورية خلال الأحداث والعدد الكبير من الإصدار الروائي الذي واكب سنوات الحرب، فإن القيمة الفنية انخفضت في المقابل!

لهذا السبب يؤكد باسم، على أن الرواية ينبغي أن تكون “سردية تأملية وليست إخبارية”، مستشهدا بتجربة الشاعرة “إيميلي ديكنسون” خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حيث لم تكتب قصيدة واحدة عن الحرب على الرغم من أنّ المقبرة كانت بجانب بيتها، فقد اعتزلت في غرفتها، وعندما انتهت الحرب نسي الناس أكثر كتّاب تلك الفترة وبقيت إيميلي وشعرها!.

يقول سليمان: «قد يكون حكما متعسفا بحقّ الرواية السورية في زمن الحرب إذا قسناها على تجربة ديكنسون فنحكم عليها بالنسيان، لكن على الروائي السوري أن ينتبه إلى أنه أصبح مؤدلجا ومسيّسا ومن أصحاب البيان رقم واحد، ممّا جعل رواية الحرب رقما في ببيوغرافيا تأريخية للرواية السورية هدفها التعداد وليس القيمة الفنية..
في رأي باسم أن رواية الحرب السورية تخلت في معظم نتاجها عن “حكمة اللايقين” التي تكلّم عنها كونديرا لصالح “يقينية سردية أشبه بالتاريخ الرسمي”.

الروائي السوري خليل الرز

لا يعطي الروائي “خليل الرز” الذي وصلت روايته الأخيرة “الحي الروسي” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية قيمة كبيرة لمسألة الحرب ومدى تأثيرها على الرواية، فبالنسبة إليه الحرب مجرد موضوع لا يضفي أي أهمية استثنائية، وإذا كان الروائيون يكتبون أحيانا عن الحرب، فلأنها جزء من الواقع الذي يستمدون منه عادة مادتهم الخام لا أكثر. 

الحرب في تصور الرز “حدث استثنائي في الحياة، لكنها ليست كذلك في الكتابة”، وما يهم كاتبنا، حين يمسك قلمه هو التجربة الجديدة التي يعيشها في استكمال عالمه الروائي، الذي بدأ قبل الحرب وسوف يستمر بعدها، وما يمكن أن يقدمه للقارئ من مهاراته الفنية بهدف الإمتاع، بالدرجة الأولى، ثم استدراج القارئ إلى تأمل علاقات ٍلم يألفها بين تفاصيل حياتية ظن أنه اعتاد عليها”.

يستدرك صاحب “البدل” بأن للحرب غوايتها، فتحت سطوة الأحداث والانفعال بها، قد تقود الكاتب إلى أسهل الطرق وأردئها في سرد روايته “عندها تغرق الصفحات بسيول الدماء ومشاهد الخراب واستعراض الأهوال التي تقع على رؤوس الأبطال، كما تظهر جليّةً، دون أيّ ذرة من شكّ، مواقفُ الكُتاب وآراؤهم الحاسمة في الصراع الدائر”، وهو في اعتقاد خليل أمر وقع فيه قسم كبير من الرواية السورية، “فقد كانت الحرب موسما غالّا لدى بعض الكُتاب وفرصة مناسبة لخوض تجربة الكتابة الروائية لدى البعض الآخر”.

لوحة للتشكيلي تمام عزام

وردا على سؤالنا، يرى خليل صويلح أنه يصعب على الروائي السوري اليوم أن يكتب نصّه من دون أن تباغته مفردات الحرب في منعطفٍ ما من السرد، فنحن «أسرى جحيم عمومي أطاح بكل طبقات الطمأنينة»، مبينا أن الروائي لا بد أن يصطدم بحاجزٍ أمني ما حتى في الأزقة الجانبية للشوارع، ما يربك خطواته وروحه وأحاسيسه، ما يخطف نصّه إلى فضاء مغلق وكتيم، ويجعله يرتاب من أي سرديات لا تضع معجم الحرب كمكوّن أساسي ضمن الوليمة السردية. 

وينبه صاحب “عزلة الحلزون” أن الخطر يكمن “في تلك النصوص التي تكتفي بحكاية ما، أو واقعة شهدها صاحبها في الجوار” لكنه يستدرك: أفهم أن زلزالا بهذا الحجم يحتاج إلى لغة موازية، لغة قلقة لا تعرف الاستقرار، أما أن تكتب عن الحرب بأدوات بلاغية قديمة فهذا تخييل صدئ يفسد الرواية.. هناك نحو 400 رواية سورية كُتبت عن الحرب!، لكن بالكاد نتذكّر بضع روايات وما عداها مجرد قبض ريح وركوب موجة.

يعتقد صويلح أن عيش الحرب وجها لوجه، وتوقع الموت في كل لحظة “سيتطلب سردا يواكب هذا الجنون، ويساير هذه البلاغة في صناعة القتل، فالمسألة ليست بامتلاك حكاية عن الحرب، إنما في كيفية تركيبها كرواية وتفكيك مفاصلها وتزييت عجلاتها بصرف النظر عن محتواها، فمن المؤكد أن قيمة الرسالة تتأتى من كيفية صياغتها ضمن بنية فنية متماسكة، تحمل مقومات التجدد والاستمرارية”.

خليل صويلح

يستكمل صاحب “جنة البرابرة” رؤيته بالتأكيد على أن “نصّ الحرب بالنسبة للروائي السوريّ اليوم، سيبقى وشما في الجبين لحقبة طويلة، نظرا للمخزون الثقيل الذي خلفته الحرب على الأجساد والأرواح معا، وعلى منوال مخلفات الحرب سنقع على نصوص مشابهة، بعكاز، أو ذراع مبتورة، أو حالة عمى مؤقت”.

مضيفا: هناك كثير من الحكواتيين أتوا الكتابة الروائية بسطوة مواقفهم السياسية دون أن يتمكنوا من أدوات الصنعة ومتطلبات السرد الروائي.

إضافة إلى ذلك فإن الخلل، كما يراه، خليل يتمثل في أن بعضهم لمجرد أن “امتلك حكاية عن عبور البحر باتجاه دول اللجوء ظن أنه روائي، وغالبا ما تكون هذه المدونات شبه شفوية، وتعمل على تمجيد الذات في المقام الأول باختراع بطولات وهمية للراوي/ الحكواتي.. هكذا سنقرأ عشرات الروايات لأسماء مجهولة، لم تكن يوما جزءا من المتن الروائي السوري، وتاليا، هي أقرب إلى المذكرات المشتهاة بقصد الاستثمار الإيديولوجي والسياسي المدفوع الثمن من جهات ومنظمات غامضة، أو صكوك براءة من تواريخ مثقلة بالعار الشخصي”.

من جانبه يقابل الكاتب والروائي “محمد حسين” سؤالنا عن أثر الحرب في الرواية بالدهشة، حيث يقول: ربما ليس من قبيل المصادفات البريئة أن تذهب إلى حجرك الصحي الكوروني بزوادة من كتابين عابرين للتاريخ والجغرافيا، وهما “الحرب والسلم” لتولستوي و”الحب في زمن الكوليرا” لماركيز ثم يهبط عليك سؤال ربما كان غير بريء، وهو هل أثّرت الحرب على الرواية؟ وكيف؟

يستكمل: للوهلة الأولى قد يبدو ذلك عفويا وبريئا، لكن هذه البراءة يتوارى وراءها نوع من الدراما التي تعصف بحياتنا بين الحين والآخر، ونصف من يقف خلفها بـ”القدر الأحمق الخطى”.

يوضح حسين أن على الأديب الانتظار حتى تصمت سردية الحرب “لتبدأ سردية أخرى بلغة الحياة، وقد يكون للأدب والرواية على وجه الخصوص الحصة الأكبر منها.. حتى ذلك الوقت لا يمكننا الحديث عن تأثير ما، فالحرب ما تزال قائمة وكذلك الرواية ما تزال في مخاضها الذي أعتقد أنه سيطول.. على المستوى الشخصي أجد لزاما عليَّ الحديث عن تجربتي ككاتب وروائي يعيش في بلد يعاني ويلات حرب طاحنة مستمرة منذ تسع سنوات، ولا أحد يعرف متى تنتهي”.

الروائي السوري محمد حسين

ويتساءل صاحب “الوحل” متعجبا: هل يمكن أن أغمض بصري وبصيرتي عما يجري حولي، وأكتب عن “رحلة الأرجوان في عالم الألوان” مثلا؟ بالتأكيد لا.. لا بد أن يبصر القارئ، فيما أكتبه، صورة الآه المكلومة في أبهى تجلياتها، الآه الجامعة التي تجعل منا بشرا نتقاسم الوجع”. 

ويتحفظ حسين في إبداء الرأي بمسألة جودة الرواية السورية في زمن الحرب الدائرة، مؤجلا الحكم عليها “ليس لأن عدد الروايات التي كُتبت عن الحرب قليل، أو لأن أصحابها ليسوا من كُتاب الصف الأول، بل لأن الحرب لا تزال مستمرة والفرصة ما تزال متاحة لقراءة الأجمل والأفضل، بعيدا عن المباشرة والتسطيح والأحكام المتسرعة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

بديع صنيج

كاتب سوري

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search