وجهات نظر

روبي وبيضة كيندر

ما حركته “روبي” فينا كان أبعد من الاشتهاء عند من امتلك الحساسية للتمييز بينها وأسماء مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي اللبنانيتن ونجلا التونسية وغيرهن ممن واكبوا انطلاقتها الأولى، فلدى ظهورها أول مرة نبهتنا إلى ما يمكن أن يهبه شبابنا العادي من إمكانيات غير عادية. روبي نفسها كانت وعدا متحققا لهذه الإمكانية الكامنة. الفتاة العادية التي فجرت حالة غير عادية، ومع أن الزمن لم يف بما وعدتنا به فهي لجيلنا بالفعل في “حتة تانية”، حتى لو دعتنا بصوتها فانتظرناها هناك ولم تأت.

الكلام عن روبي الحالة يستتبع استدعاء صانعها شريف صبري، والحديث عنه يستدرجنا للكلام عن صناعة الدعاية والإعلان، على اعتبار أن ما تقدمه روبي منتجا مثل أي منتج، وإن رأى البعض خصوصية له، والحديث عن صناعة الدعاية والإعلان يستلزم التعرض لفكرة المرآة التي تعكس رغبات وأذواق المجتمع.

في حوار متلفز  مع روبي جرى مؤخرا ذكرت أنه  في بداياتها عملت موديل بالإعلانات والكليبات، وأن المخرجين كانوا يفضلون الفتيات الشقراوات ذوات العيون الملونة، إلى أن صادفت شريف صبري فقدمها وهي الفتاة المراهقة وقتها على هيئة لم تدرك كنهها، وإن نفذت ما طلب منها.

فَعل صبري فِعل الكبار في تلك الصناعة، فهو لم يقف عند عتبة المرآة التي تعكس رغبات وأذواق المجتمع بل طمح إلى خلق ذوق جديد لدى الجمهور ليروج بعدها لذوق قد خلقه.

المرآة في هذا الوضع لا تعكس ما يرغبه الناس ويريدونه، بل يرون فيها ما يطمحون إليه ويرغبونه، بمعنى آخر المرآة أو المنتج هو من يصطنع الرغبة لدى الجمهور، اما المنطق المتحكم في هذا الوضع المعكوس فلا يكون بطبيعة الحال  الجودة أو عدمها بل ما يحمله المنتج من دلالة.

في هذه الحالة لا يعود لمقاييس روبي الجمالية أو لأنوثتها وصوتها القيمة الرئيسية، فنحن لم ننجذب لروبي بشدة وقتها بسبب أنها الأجمل أو الأكثر أنوثة وجاذبية، بل لأن الصناعة التي احترفها شريف صبري وأتقنها قدمتها على هذا الأساس، فهي قادرة على أن “تجعل الأشياء حقيقية بمجرد التأكيد على أنها كذلك”، إلى جانب بالطبع دلالة حملتها لنا انطلاقة روبي الأولى.

الأمر قريب الشبه بصورة استخرجها جاك لاكان من بيضة كيندر، حينما رصد أن الأطفال الذين يرغبون في الحصول عليها بالكاد يلتفتون إلى الشيكولاتة، فرغبتهم بالأساس تتعلق بالمفاجأة متمثلة فيما تفقصه البيضة من لعبة، أي أن الأمر يتعلق بدلالة يحملها المنتج (المفاجأة) أكثر من كونه يرتبط بحقيقته (الشيكولاتة) بعدما أمست ثانوية.

ما تقدم كان عن  روبي “ليه بيداري كدة” أما روبي “في حتة تانية” فمن استمع لألبومها ـ الذي جاء بعد انقطاع 14 سنة ـ وشاهدها تغني وترقص في الحفلات الصيفية، ربما يشاركني انطباع أنها تجهد النفس لتتطابق مع صورتها القديمة المصنوعة، في إشارة إلى مدى تبلغه صناعة الدعاية والإعلان من فاعلية تستنسخ واقعا ليجتهد الواقع في التشبه بالصورة “المصنوعة” المنعكسة عنه!، لكن مهما اجتهدت روبي في تمثل صورتها القديمة لن تبلغ ما بلغته قبل أكثر من عقد ونصف؛ لأن الدلالة غابت، لهذا مهما طال انتظارنا لصاحبتها فلن تأتي.

إقرأ/ ي أيضا : مزيكا الصحوة 2.. “أخاصمك آه” تهز وسط القاهرة المحتشم

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى