دراسات وتحليلات

روسيا وأوكرانيا.. هل يتحول التصعيد السياسي إلى نزاع مسلح؟

خلال الأشهر الأخيرة، تدهور الوضع للغاية بين روسيا وأوكرانيا في منطقة دونباس، وهي منطقة حساسة ذات تحديات كثيرة للعديد من القوى العالمية.

حدثت تحركات كبيرة للقوات والمعدّات العسكرية الروسية قرب الحدود مع أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة، قرب منطقة دونباس، التي تحكمها ما يُسمى بالميليشيات “الموالية لروسيا”.

قال المتحدث باسم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوكالة فرانس برس إنّ روسيا لديها الآن 41 ألف جندي على الحدود الشرقية لأوكرانيا و42 ألفا في شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا في 2014.

بالإضافة إلى هذه القوات الكبيرة، تم الإبلاغ عن وجود معدات عسكرية ثقيلة، بما في ذلك صواريخ أرض-جو، ورغم أن التوترات بالمنطقة تكررت منذ عام 2014 بين البلدين، فإن هذه المرة بالنسبة لبعض المحللين أكثر خطورة.

انفصاليو شرق أوكرانيا

أسباب التصعيد بين روسيا وأوكرانيا

العلاقات بين القوات المسلحة الأوكرانية وميليشيات المتمردين أخذت في التدهور منذ بداية 2021، فمنذ يناير الماضي تم قتل 28 جنديًا أوكرانيًا، بينما بلغ عدد القتلى من الجنود الأوكرانيين بالمنطقة طوال 2020 نحو 50 فردا.

من الصعب حاليا معرفة الأسباب الحقيقية وراء هذا النزوح للقوات الروسية، فالبعض يلقي باللوم على حكومة كييف بسبب موقفها “المعادي لروسيا”.

في الواقع، يجد الرئيس “زيلينسكي” نفسه في مواجهة صعوبات داخلية:

فالإدارة الصعبة لوباء “كوفيد-19″، والأزمة الاقتصادية المتصاعدة، ومعارضة الأحزاب القومية، كل هذا تسبّب بسقوطه في استطلاعات الرأي.

وكان رد الحكومة هو اتخاذ منعطف قومي، واستهداف روسيا ورجال الأعمال المعروفين بقربهم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

فعلى سبيل المثال، أغلقت سلطات كييف العديد من وسائل الإعلام التي يملكها رجل الأعمال الموالي لروسيا، فيكتور ميدفيدتشوك.

أمّا بالنسبة لروسيا، يمكننا أيضًا استحضار بعض الأسباب السياسية الداخلية التي يمكن أن تفسر مناورات جيشها على الحدود، حيث نقرأ في مجلة فورين بوليسي:

“تراجعت شعبية الرئيس الروسي بوتين بشكل مطرد إلى أدنى مستوى لها، فلا يزال الكرملين يتصارع مع الوباء، وفي يناير اندلعت احتجاجات حاشدة في  البلاد بعد اعتقال زعيم المعارضة أليكسي نافالني، الذي أضرب عن الطعام لطلب العلاج مع تدهور صحته”.

بيد أنّ تقديم الأمر كـ”تهديد للأمن القومي الروسي من جانب الغرب” (أوكرانيا وحلفائها في الناتو)، هو وسيلة لحشد وطني خلف بوتين.

هكذا يمكن تفسير تصريحات بعض المسؤولين الروس، فضلًا عن تأكيد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف أن تحركات القوات الروسية لا “تُهدِّد أي دولة”، لكن روسيا يمكن أن تضطر إلى التدخل في دونباس إذا حدثت “كارثة إنسانية مماثلة لكارثة سريبرينيتشا”، في إشارة إلى الإبادة الجماعية ضد السكان البوسنيين التي ارتكبتها القوات الصربية عام 1995.

والأكثر تهديدًا كان ديمتري كوزاك، ممثل الكرملين لتنفيذ اتفاقيات مينسك، بعدما أعلن أن الهجوم على دونباس سيؤدي إلى رد فعل روسي يمثّل “بداية نهاية أوكرانيا”.

رد الفعل الأوروبي

من جهتهما، دعا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة “بوتين” إلى وقف تحركات قواته، حتى أن الصحافة زعمت أن الولايات المتحدة تدرس نشر سفينة حربية في البحر الأسود لإظهار دعمها لأوكرانيا، ولكن لم يتم تأكيد هذه المعلومات أو رفضها بالكامل.

واحدة من القوى الكبرى الأكثر عرضة للخطر في هذا الوضع هي ألمانيا.. فقد اتصلت أنجيلا ميركل بـ”بوتين” في محاولة لثنيه عن مواصلة تحركاته العسكرية.

في الواقع، يشترك البلدان في مصلحة استكمال بناء خط أنابيب “نورد ستريم 2”، الذي سيسمح لألمانيا ليس فقط بالوصول المباشر للغاز الروسي، ولكن أيضًا لتصبح منطقة العبور الرئيسية لهذا الغاز.

هذا المشروع تنتقده واشنطن وحلفاؤها في أوروبا الشرقية بشدة، بما في ذلك بولندا وأوكرانيا نفسها.. بهذا المعنى، تريد ألمانيا منع أي “حادث” في أوكرانيا ربما يدفع بدوره الولايات المتحدة إلى اتخاذ عقوبات إضافية ضد روسيا، ما يؤدي إلى إبطاء عمل مشروع الغاز.

في خضم هذه الاحتكاكات والخطابات العدائية، دعا الرئيس الأوكراني إلى تسريع عملية اندماج بلاده في الناتو، وهو استفزاز واضح لروسيا.

خريطة روسيا وأكورانيا

روسيا لن تغزو أوكرانيا

في عام 2008، قال “بوتين” للرئيس الأمريكي حينها جورج دبليو بوش إنّ أوكرانيا “ليست حتى دولة”.. قبلها بعشر سنوات، حذر “يلتسين” “كلينتون” من أنه لا يستطيع الموافقة على عضوية أوكرانيا في الناتو، وفي فبراير 2008، قال السفير الأمريكي لدى روسيا، وليام بيرنز، لرؤسائه في واشنطن:

“دخول أوكرانيا إلى الناتو أهم خط أحمر للنخبة الروسية، وليس فقط لبوتين”.

كتب “جيمس جولدجير”، أستاذ العلاقات الدولية، إن موسكو تعتبر اندماج أوكرانيا في الناتو تحديًا استراتيجيًا للقوى الغربية.

ومنذ تفكك الاتحاد السوفييتي وعودة الرأسمالية إلى أوروبا الشرقية، تعتبر روسيا أوكرانيا “منطقة عازلة” لا غنى عنها لدفاعها ضد هجوم محتمل من قبل القوى الغربية.

وهذا يعني أن أوكرانيا مستقلة رسميًا ولكنها في الواقع غير مستقلة تمامًا وداخل منطقة النفوذ الروسية، ولهذا السبب، لا تهتم روسيا بغزو مباشر لأوكرانيا في هذا الوقت، فبالنسبة لها من الناحية الاستراتيجية لا يتعلق الأمر بدمج أوكرانيا في أراضيها الوطنية ولكن استخدامها كـ”درع” ضد الغرب.

لكل هذه الأسباب يمكن الافتراض أنّ روسيا لا تسعى حاليًا إلى مواجهة مباشرة وغزو أوكرانيا.. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نضيف أنّ الشعب الروسي يُعبِّر بشكل متزايد عن سأم “المغامرات العسكرية” في الخارج.

قوات الجيش الأوكراني
قوات الجيش الأوكراني

على الجانب الأوكراني، ورغم خطاب “زيلينسكي” وإجراءاته القومية، لا يبدو أن الحكومة لديها أي مصلحة في بدء صراع مع روسيا والمتمردين الموالين لها في الجزء الشرقي من البلاد أيضًا، فالمكاسب السياسية لمثل هذا الصراع، من كلا الجانبين، هي بالفعل موضع شك.

ومع ذلك، لا يمكننا استبعاد احتمال حدوث تصعيد خارج نطاق السيطرة أو وقوع حادث ما.

ولكن، من المحتمل أيضًا أن يتطلع “بوتين” إلى إرسال رسالة دولية، بما في ذلك إلى الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، والذي يُجسِّد -حاليًا- سياسة أكثر عدائية تجاه روسيا.

ويمكن أن يكون تحرك القوات عبر الحدود الأوكرانية بمثابة تحذير للولايات المتحدة ضد أي محاولة للمضي قدمًا نحو انضمام أوكرانيا إلى الناتو.

أمّا بالنسبة لحق أوكرانيا في تقرير المصير، فهو يعني معارضة أي تدخل مباشر أو غير مباشر، ليس فقط من روسيا ولكن أيضًا من القوى الغربية، فلا يمكن أو تُولد “أوكرانيا مستقلة” على يد تيارات سياسية موالية للقوات الغربية أو مؤيدة لروسيا بشكل علني.

المصدر: (اضغط)

اقرأ أيضًا:

روسيا والاتحاد الأوروبي: نهاية الشراكة الاستراتيجية

فَرَضيّة “ألكسندر دوجين”: هل تشكل روسيا تحالفًا مع الإسلام السياسي؟

روسيا تُعيد صياغة حضورها: قدم في ليبيا.. وعيون على إفريقيا!

عمرو جمال صدقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى