دراسات وتحليلات

روسيا والاتحاد الأوروبي: نهاية الشراكة الاستراتيجية

تشهد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا حالياً توترًا حادًا، تجلى أخيرا -وبشكل واضح- في الأزمة التي تخللت زيارة رئيس الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، إلى روسيا في فبراير 2021. حيث وصل بوريل إلى موسكو لمناقشة “العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا”، وخلال الزيارة طُرد ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين بتهمة المشاركة في الاحتجاجات -التي كانت قائمة حينئذ- ضد اعتقال زعيم المعارضة “أليكسي نافالني”.

هذا التدهور في العلاقات يأتي رغم سعي بوتين في بداية تنصيبه رئيسًا لروسيا -عام 2000- إلى إقامة شراكة استراتيجية بين روسيا والاتحاد الأوروبي، تشمل التجارة والاقتصاد والطاقة والتعليم والبحوث. وعلى الرغم من مضي بوتين في الاستفادة من هذه الشراكة، لكنه لم يتمكن من وقف التوتر على مستويات أخرى، من حيث تضارب المصالح، وصراع الطموحات الجيوسياسية، وعدم القدرة على التفاهم في القضايا الخلافية.

وفي هذا الإطار، وتسلط الدكتورة “نيفديتا كابور”، الباحثة في برنامج الدراسات الاستراتيجية، الضوء على العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في دراسة نُشرت على موقع Observer Research Foundation، ونستعرض أبرز ما جاء بها من خلال السطور التالية.

بوتين

تاريخ العلاقات وبداية التدهور

تتمتع روسيا وأوروبا بعلاقات تاريخية طويلة، كانت ضرورية للحفاظ على السلام والأمن والاستقرار الإقليمي، وازدادت أهمية هذه العلاقات بعد خروج الولايات المتحدة من معاهدتي الحد من انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى. ومن المعروف مدى تأثير روسيا والاتحاد الأوروبي على العديد من القضايا الإقليمية والعالمية بما في ذلك الطاقة، وتغير المناخ، والأمن، والهجرة. كما يربط بين الاتحاد الأوروبي وروسيا علاقات اقتصادية وثيقة.

وتشير الدراسة إلى أن أزمة أوكرانيا (2014) لم تكن بداية تدهور العلاقات الروسية-الأوروبية، ولكنها كانت نقطة الذروة، فالخلافات بين الطرفين بدأت في التراكم منذ منتصف العقد الأول من القرن الـ 21. وتضمنت قضايا توسع الاتحاد الأوروبي (من حيث ضم جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق)، ونزاعات الغاز الطبيعي بين روسيا وأوكرانيا، والهجمات الإلكترونية، و”الثورات الملونة”. لكن الأزمة الأوكرانية كانت نقطة الانعطاف في العلاقة.

ترى روسيا أن توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي حتى حدودها يضر بأمنها، وتعتبره تعديًا على مصالحها في الجوار، ومحاولة لكبح أنشطتها. ففي عام 2009، نظرت جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق إلى عضوية الاتحاد الأوروبي كوسيلة لتأمين التنمية الاقتصادية لديها، مع العمل كحاجز ضد أي جهود روسية محتملة لتوسيع نفوذها في المستقبل. وقد حذّر الخبراء في وقت مبكر من عام 2004، من أن تقدم أوكرانيا بطلب رسمي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي قد يجعل الأمور تصل إلى ذروتها. وبالفعل في عام 2014، تطور الصراع الأوكراني-الروسي، حين استولت القوات الروسية على القواعد العسكرية في شبه جزيرة القرم، وأعلنت موسكو رسمياً ضم القرم لها.

ونتيجة هذا، بدأ الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وتم تعليق الآليات الرئيسة للتفاعل بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، فلم تعد روسيا في مجموعة الدول الصناعية الثمانية الكبرى، كما فُرضت عليها عقوبات، ومنذ ذلك الحين، تم تجديد عقوبات الاتحاد الأوروبي عليها كل ستة أشهر. ردًا على ذلك تبنت روسيا سلسلة من العقوبات المضادة ضد الاتحاد الأوروبي. ولم تتمكن الخسائر الاقتصادية من إحداث تغيير في سياسة الجانبين.

هناك قوى أوروبية على دراية بتكلفة إبعاد روسيا عن أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا، لكنهما تضعا شرطًا لتخفيف العقوبات وهو تنفيذ اتفاقية مينسك، والتي تنص على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا وإعلان الهدنة بينهما. وعلى كل حال، تستمر كل من فرنسا وألمانيا في علاقتهما مع روسيا.

فقد دعا الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بناء وسائل أكثر واقعية للتعاون مع روسيا من أجل استقرار على المدى الطويل، وتابعت ألمانيا خط أنابيب الغاز الطبيعي “نورد ستريم” بغض النظر عن العقوبات الأمريكية والانقسام في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بضرورة المشروع.

رئيس الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل

كيف ترى روسيا الاتحادالوجهات  الأوروبي؟

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت روسيا التموضع كدولة فريدة في المسارح الإقليمية المختلفة، بينما نجد الاتحاد الأوروبي قد أخطأ في قراءة الموقف، إذ كان يعتقد أن الغرب قد انتصر في الحرب الباردة، وأن روسيا ستوافق على الخضوع ضمن إطار أوروبي أوسع، لكن روسيا ترى مكانها في القارة الأوروبية “طبيعيًا وشرعيًا”، وأن على الاتحاد الأوروبي الاعتراف بذلك.

وتعتبر روسيا أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك بعدًا استراتيجيًا رغم ثقله الاقتصادي، كما تعتقد أنه مجرد منصة للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، وأنه ليس جهة مستقلة في سياسته الخارجية، حيث يعتمد على الولايات المتحدة في قضايا أوكرانيا والتجارة والعقوبات.

ومع تولي إدارة جو بايدن زمام القيادة في الولايات المتحدة، من المتوقع أن ينخرط حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرة أخرى في تنسيق وثيق مع دول الاتحاد الأوروبي، إذ توقفت تلك العملية أثناء رئاسة دونالد ترامب. وعلى أي حال، ليس من المتوقع أن يبتعد الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة لبناء علاقات مع روسيا، وهذا بسبب ارتباطها الوثيق بحلف الأطلسي، ويعني هذا بدوره أن المأزق الحالي في العلاقات الروسية-الأمريكية سيؤثر بالمزيد من السلب على علاقة روسيا مع أوروبا.

من “الشراكة الاستراتيجية” إلى “فقدان الثقة”

وفقًا لمعظم المؤشرات، أصبحت العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي غير فعّالة، ولا يتوقع أي من الجانبين حدوث تحول كبير في مسارها، خاصةً في ضوء التحديات التي تواجه كلاهما على الصعيد الداخلي، فروسيا والاتحاد الأوروبي منخرطان بعمق في التطورات المحلية، إذ تحتاج روسيا إلى نموذج جديد للتنمية الاقتصادية، فهي تبحر في مستقبل سياسي صعب، بينما يتعامل الاتحاد الأوروبي مع أزمات مثل: خروج بريطانيا من الاتحاد، والمشاكل المؤسسية، والهجرة.

وفي نفس الوقت، فإن الاختلافات بين الطرفين على صعيد الأنظمة السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، دفعهما من مساحة “الشراكة الاستراتيجية”، إلى خانة “انعدام الثقة”.

لذا ترى الدراسة أنه إذا أرادت كل من روسيا والاتحاد الأوروبي إحياء علاقاتهما، فعليهما إنشاء إطار جديد يأخذ في الاعتبار مصالحهما، بدلاً من البرامج الطموحة واسعة النطاق التي كانت في الماضي. وينبغي كذلك توجيه الجهود نحو إنشاء وسائل تواصل منتظمة.

ويتطلب إنشاء مثل هذا الإطار الإجابة على أسئلة أكثر حيوية تتعلق بهوياتهم في نظام عالمي متغير، حيث لم يعد من الممكن الدفاع عن فكرة “أوروبا الكبرى” مع وجود روسيا كأحد أقطابها المركزية. كذلك فقد تحولت الجغرافيا السياسية والاقتصادية إلى آسيا، وتدهورت مشاركة روسيا مع الغرب، وبرزت آسيا باعتبارها الوجهة الطبيعية لإدارة السياسة الخارجية الروسية.

وتشير الدراسة إلى أن الظهور المحتمل للقطبية الثنائية (الولايات المتحدة والصين)، قد يزيد من الهوة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، بسبب توطيد الأخيرة لعلاقتها مع الصين، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي لزيادة التنسيق مع واشنطن.

وفي غياب أي تحسن في العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي على المدى القصير والمتوسط، قد يكون من المناسب التركيز على بناء علاقات ثنائية بين روسيا والدول الأوروبية بشكل فردي، وهذا بالفعل ما قامت به موسكو، حيث استهدفت السياسة الخارجية الروسية تحسين علاقتها مع دول بعينها، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ومع ذلك لن يكون الأمر سهلًا.

المصدر

منار حميدو

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى