زوايامختارات

رياح الصراع في إثيوبيا هل تنهي “بني شنقول” زواج السلطة والأمهرة؟

 

انفجرت الأوضاع في إثيوبيا مجددًا، بعيدًا -هذه المرة- عن إقليم تجراي، الذي يشهد حربا مفتوحة، منذ بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إذ قتل مسلحون أكثر من 100 مدني بإقليم “بني شنقول”، المحاذي للحدود السودانية (الخميس الماضي)، وشنت القوات النظامية الإثيوبية حملة تمشيط، قالت إنها “تستهدف من تسببوا في تلك المجزرة”، وأعلنت عن قضائها على نحو 40 مسلحًا، في حين شهدت منطقة “الفشقة” معارك عدة، تمكن فيها الجيش السوداني من الاستيلاء على المنطقة التي ظلت تحتلها إثيوبيا منذ عام 1992، فما أسباب هذه الأحداث الدامية في هذا الإقليم، الذي يتمدد على مساحة قدرها 50 كيلومترًا مربعًا، ويقع فيه “سد النهضة”.

بني شنقول بين السودان والحبشة

الأزمة، التي طفت على السطح في هذا الإقليم ليست جديدة، فتاريخيًّا ظلت هذه المنطقة موضع خلاف لأكثر من قرن ونيف من الزمن، وتشير الوثائق التاريخية إلى أن المنطقة ظلت تتبع السودان حتى بدايات القرن العشرين، وسلمها الإنجليز للإمبراطورية الحبشية عام 1902، إلا أن مقاتلي “البني شنقول” لم يرضخوا لسلطان ملوك الأحباش، وكانوا يعتبرون أنفسهم سودانيين منذ ذلك التاريخ حتى الآن، وقد شهدت المنطقة أول تمرد كحراك منظم في عام 1931، حمل مطالب أساسية تتمثل في:

1 – العودة بإقليمهم إلى الأراضي السودانية على أساس أن أراضيهم وشعبهم جزء لا يتجزأ من السودان، وقد رفضت الإمبراطورية الإثيوبية هذا المطلب، وواجهت الحراك بالقوة العسكرية.

2- المطالبة بحكم ذاتي في إطار الدولة الإثيوبية، وهذا المطلب أيضًا لم يجد القبول من نظام هيلي سيلاسي، ولاحقًا نظام منجستو، الذي قاد حملات عسكرية في الإقليم، الذي كان يسمى حينها بـ”المنطقة السادسة”.

لم يتوقف النشاط المسلح لعناصر البني شنقول، واستمر بين فترة وأخرى يأخذ أبعادًا مختلفة بين المطالبة بالانفصال عن إثيوبيا والعودة إلى السودان، أو التمتع بحكم ذاتي في إطار الدولة الإثيوبية مع الاعتراف بضمان الحقوق الثقافية والقومية وإيقاف عمليات الاستيطان والتغيير الديمجرافي للمنطقة.

ومع سقوط “نظام منجستو” في بداية تسعينات القرن الماضي، ووصول “الجبهة الشعبية لتحرير تجراي” لسُدة الحكم، حقَّق الدستور الفيدرالي القائم على المعيار الإثني، والذي أُقرَّ في عام 1995، جزءًا من مطالب مسلحي “بني شنقول”، من قبيل إعادة تسمية الإقليم بـ”إقليم بني شنقول”، عوضًا عن التسمية القديمة (المنطقة السادسة) لأن الدستور الفيدرالي ينص على تسمية الأقاليم باسم أكبر جماعة عرقية فيها، وتمثل إثنية “بني شنقول” بشقيها الـ”برتا” و”قموز” نحو 47% من السكان، وتمثل عرقية الأمهرة نحو 21% والأورمو 13% من مجموع سكان الإقليم، وتتقاسم أقليات أخرى النسب المتبقية.

ورغم أن نظام التجراي قد اعترف ببعض الحقوق القومية والثقافية لهذه الإثنية، فإن استحواذه على مفاصل السلطة والثروة، وتهميش الإقليم عن مشاريع التنمية الحقيقية التي تُغير حياة سكانه، فضلاً عن ابتلاع “سد النهضة” مناطق زراعية شاسعة دون تقديم تعويضات مناسبة لملاك الأرض، قد دفع بحراك “بني شنقول” مرة أخرى للظهور والاندفاع نحو الكفاح السري المسلح ضد السلطة المركزية في أديس أبابا.

العزف مع الوازا

رياح التغيير لم تهب على الإقليم

لم يكن انسحاب “جبهة تحرير تجراي” من السلطة تحت ضغوط الشارع الأورومي الثائر، ووصول آبي أحمد إلى المنصب الأول في الدولة، حاملاً في جعبته وعود التغيير الشامل، عهدًا جديدًا للإقليم بقدر ما مثّل استمرارًا للعهود السابقة، مع تغيرات استُحدثت في شروط اللعبة الإثنية، فصار الأورومو والأمهرة المستحوذين على السلطة المركزية، ما يعزز من نفوذهما في الإقليم (33% على حساب الأغلبية 47%) ليعود نضال بني شنقول إلى المربع الأول (ما قبل الفيدرالية).

يعني هذا أن رياح التغيير، التي وعد بها آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، لم تهب، أو أنها أتت لصالح الإثنيات الأخرى، خاصة الأورومو والأمهرة، كما أن أي احتجاج يخص “سد النهضة” صار عملاً مُجرَّمًا، وبمنزلة عمالة للخارج، ويشار هنا دومًا إلى مصر كفزّاعة لإخافة كل من يعترض على خسائر الإقليم من إقامة هذا المشروع، أو يطالب بتعويضات مجزية، الأمر الذي أدى بناشطي “بني شنقول –قومز” إلى خوض مواجهات متفرقة ضد الجهات النظامية من جهة، وضد مجموعات وأفراد يمثلون المصالح الأمهرية الأورومية من جهة أخرى، في حين تصنيف التنظيم الذي يمثل بني شنقول كـ”مجموعة إرهابية خارجة على القانون”، أسوة بمجموعات أخرى تقاتل الدولة في إقليم الأورومو (جبهة تحرير الأرومو – جناح شني).

 

من ناحية أخرى، أسهمت الحرب الأخيرة التي خاضها الجيش النظامي في تجراي –مدعومًا بالقوات الخاصة لإقليم الأمهرة الفيدرالي، فضلاً عن الميليشات القومية التابعة لذات الإقليم- في إثارة تجاذبات الإثنية في الأقاليم التي توجد فيها مجموعات عرقية مختلفة، علاوة على أنها انتهكت مبادئ الدستور الفيدرالي بسماحها بمشاركة قوات خاصة بإقليم ضد إقليم آخر، بالتحالف مع الجيش النظامي، ما أخلَّ بقيم المواطنة وعزز شعور الانتصار على أسس إثنية لدى الأمهرة، وفي المقابل خلق لدى المجموعات الأخرى حالات الثأر القومي ضدهم، وهذا ما يفسر النزوع  الكبير نحو العنف في إقليم بني شنقول.

إقليم بني شنقول-قمز

السودان الغائب الحاضر

من مفارقات معضلة بني شنقول خلال قرن ونيف من الزمن، أن السودان الرسمي ظل غائبًا تمامًا عن نضال ومطالب هذه المجموعة، التي طالما كافحت للعودة لسيادته، فلا هو طالب جدّيًّا باستعادة الإقليم الذي ظل ضمن خارطته حتى عام 1902، ولا دعّم نضال التنظيمات التابعة لـ”بني شنقول” كجزء من ممارسة الضغط على الحكومات الإثيوبية المتعاقبة لتحقيق مصالحه القومية، بل إن مطالب ترسيم الحدود التي يتدارسها الطرفان، الإثيوبي والسوداني -بين فترة وأخرى- تعتمد على الاتفاقيات الموقعة بين 1902 و1903، وهي الفترة التي أعقبت تنازل الإنجليز عن أجزاء شاسعة من الأراضي السودانية لصالح الخارطة الإثيوبية.

وليس بعيدًا عن إقليم بني شنقول، فهناك معارك متفرقة تجرى طوال الوقت في إقليم الأمهرة بين الجيش السوداني وعناصر تابعة لقوات الأمهرة المسلحة، منها القوات الخاصة التابعة للإقليم، وأخرى ميليشيات وعصابات قومية تعرف باسم “الشفتا”، في محاولة لاستعادة منطقة “الفشقة” التي حررها الجيش السوداني بعد 25 عامًا، ورغم محاولات إدارة آبي أحمد في إيقاف المواجهات من خلال التواصل الدبلوماسي مع الطرف السوداني، واستعادة الأوضاع لما قبل المواجهات الأخيرة، فإن كل المحاولات باءت بالفشل، بما في ذلك مباحثات نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي في الخرطوم، فالسودان يرفض الانسحاب من الفشقة أو إيقاف المواجهات، مطالبًا أديس أبابا بالاعتراف بسيادته على المنطقة، في حين فشل آبي أحمد في محاولته للسيطرة على القوات الأمهريّة المنتشية بالنصر في تجراي، والطامعة في إعادة ضم أراضي الفشقة الخصبة لإقليمها الذي استحوذ عليها لعقدين ونيف من الزمان.

الجيش الأثيوبي

إستراتيجيًّا وسياسيًّا يبدو آبي أحمد عاجزًا أمام السودان، فمن جهة لا يمكنه فتح جبهة جديدة في الغرب، في ظل حربه المستمرة في أقصى الشمال ضد تجراي، وهو أيضًا بحاجة ماسة إلى التعاون السوداني على المستوى الأمني والاستخباراتي وتأمين الحدود، لتحقيق النصر المكتمل في هذا الإقليم المحاذي للسودان أيضًا، ومن جهة أخرى يبدو عاجزًا عن كبح جماح ميليشيات الأمهرة وإيقاف غزواتها المعتمدة على حرب العصابات في الفشقة، كما أن الأوضاع الأمنية في أوروما وبني شنقول تشي بالكثير من التحديات الأمنية والعسكرية.

وعلى المستوى السياسي، فآبي أحمد يواجه ضغطًا مضاعفًا من الطبقة السياسية الناقمة على أدائه الضعيف، خاصة في ما يتعلق بإنفاذ القانون وإنهاء المظاهر المسلحة وفرض سلطة الدولة، فضلاً عن أنه يعاني أزمة شرعية خانقة، فلا تزال الاستحقاقات الانتخابية التي تأجلت بذريعة وباء كورونا في رحم الغيب.

وعلى المستويين الدبلوماسي والاقتصادي، تعيش إدارة آبي أحمد أصعب مرحلة منذ وصولها إلى قصر “آرت كيلو”، حيث الضغوط الدولية المتعاظمة بإنهاء فوري للحرب في تجراي، والعودة لحوار وطني يضم جبهة تجراي، وإجراء تحقيق دولي موسع حول اتهامات بوقوع جرائم حرب وتصفيات على أسس عرقية في الإقليم!

ونتيجة لذلك، فإن هناك مشاريع أوروبية وأمريكية بتجميد المعونات الاقتصادية التي تُقدّم لأديس أبابا سنويًّا لدعم الميزانية العامة، ما قد يضاعف الأزمة المالية والاقتصادية لإدارة آبي أحمد مع حلول العام الجديد.

 

 

محمود أبو بكر

صحفي وكاتب أريتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى