ثقافة وفن

ريز أحمد.. حياة صاخبة كـ”الميتال”

“إذا كنت تحاول التعبير عن نفسك بشكل أصيل، فإن القيام بذلك يُنظر إليه بطريقة ما على أنه قتال”.. الممثل البريطاني ريز أحمد

لا شيء يضاهي إحساس الخوف من فقدان السيطرة على حياتنا، حين يتسلل داخلنا ذلك الشعور نفقد الإيمان بأنفسنا، نشكك في حقيقة موهبتنا، ونتوه داخل مسار رحلتنا، لتصبح خسارة الذات أمرا لا مفر منه، وهي عوائق كثيرة كان على الممثل البريطاني ريز أحمد أن يتعامل معها بالتخلي عن السيطرة والتزام السكون.

لم يولد “أحمد” وفي فمه ملعقة من فضة، كما يقول، فحياته كانت مليئة بالعقبات التي وضعها المجتمع أمامه وفرضتها عليه عائلته، ولكن بعد أن وصل إلى منتصف مسيرته الفنية لا يزال يشكك في مفهومه الخاص عن السعادة، فالأشياء التي كان يطاردها منذ 15 عاما، كالشهرة وتصفيق المعجبين، باتت فارغة وسطحية، وصار ما يشغله الآن هو سؤال: لماذا يفعل ذلك ومن أجل منْ؟

من التنميط إلى الراب

في مساء الأول من ديسميبر  1982 وضعت سيدة باكستانية مهاجرة إلى بريطانيا طفلها الثالث ليسميه أبوه  “رضوان”.. الأسرة الكادحة تقطن في ويمبلي غرب لندن منذ هاجر الأب من باكستان في سبعينيات القرن الماضي ليعمل “سمسار شحن”، أما الأم فكانت تعمل في مكتب رعاية حكومية، لذلك تولت الجدة رعاية “رضوان” حتى وفاتها.

 ظل الطفل حائرا بين العديد من الثقافات منذ صغره، فهو باكستاني يتحدث الأردية مع أسرته المسلمة في المنزل، وبريطاني يرتدي زيا أنيقا في مدرسة “ميرشانت تايلور” المرموقة، التي لم يكن ليدخلها لولا حصوله على منحة مجانية.

في “ميرشانت تايلور” وجد “رضوان” نفسه مع مجموعة من الأطفال الآسيويين يغيرون الوجه الأبيض للتعليم الخاص في بريطانيا، لكنه لم يسلم هو ورفاقه من التعرض للعنصرية من جانب الطلاب والمعلمين الإنجليز.

يتذكر أن مدرسه كان يشرح نظرية التطور لداروين، ثم أخذ يتجول في الفصل إلى أن وقف بجواره ووصفه بالأسْوَد، لتتفجر حوله ضحكات التلاميذ.. لم يستطع ابن الحادية عشرة أن يتمالك أعصابه فقام بسحب كرسيه وحطم النافذة.

عقب عودته اليومية إلى البيت، كان رضوان يعيد تمثيل الأدوار العنيفة من الأفلام التي اعتاد أخوه الأكبر استئجارها من محل شرائط الفيديو.. فتارة يرى نفسه الضابط أليكس مورفي في فيلم “RoboCop“، وأخرى القاتل ذو المخالب فريدي في فيلم “Nightmare on Elm Street“.. لقد كانت تلك هي طريقته الوحيدة للانتقام من الأشرار داخل عقله.

مدرس اللغة الإنجليزية روزبليد في مدرسة “رضوان” استطاع احتواء طاقة الغضب الهائلة تلك داخله، عندما شجعه على الانضمام لمسرح المدرسة.. لقد رأى هذا اليهودي العجوز داخل رضوان الموهبة والشغف فاحتضنه وساعده على التحليق بخياله خارج حدود جسده المشحون بالانفعال: “لقد تغيرت حياتي، كان المسرح هو المساحة التي ساعدتني على تفريغ طاقتي السلبية”.

الهواية الجديدة لم تلقَ ترحيبا لدى والده الذي شدد على أن التعليم يأتي قبل أي شيء، فمع أخ كان في طريقه ليصبح طبيبا نفسيا وأخت تدرس القانون، ابتكر رضوان خطة احتياطية في حالة عدم نجاح التمثيل وتخرج من جامعة أكسفورد في الفلسفة والسياسة والاقتصاد.. فطالما كان والداه يشككان في قدرته على النجاح في مجال التمثيل.

ريز أحمد في فيلم الطريق جوانتانامو

في عام 2006، حصل رضوان على دوره الأول في فيلم مايكل وينتربوتوم The Road to Guantánamo وهو دراما وثائقية عن ثلاثة مواطنين بريطانيين احتُجزوا في معتقل جوانتانامو لأكثر من عامين.. أصبح اسمه “ريز”.

في أثناء عودته من مهرجان برلين السينمائي، حيث فاز الفيلم بجائزة الدب الفضي، اعتُقل ريز في مطار لوتون البريطاني واستجوبته السلطات حول آرائه في الإسلام وحرب العراق.. ربما من سخرية القدر أن ما قام به في الفيلم يُعاد تمثيله أمام عينيه في الواقع.. تركت هذه الحادثة داخله أثرا بالغا، وما زاد الوضع سوءا أن كل ما حصل عليه لاحقا هو دور الإرهابي.

في بداية عقده الثاني، تعثرت مسيرة ريز التمثيلية مرتين، الأولى حينما حاول الالتحاق بمدرسة شكسبير الملكية بلندن، محاولاً السير على خطى أسماء لامعة مثل هيلين ميرين وإيان ماكلين وجودي دينش، لكنه لم ينجح.

ديف باتل

وكانت الأخرى عندما رُشح لبطولة فيلم “Slumdog Millionaire“، وأفسد بنفسه الأمر تماما عندما مزق قميص المخرج داني بويل، بالخطأ، أثناء تجربة الأداء، ليذهب الدور بعدها للممثل ديف باتل.

التجارب الفاشلة هذه حملت معها فرصا أفضل لزير، فقام بكتابة أول أغنية راب بعنوان “Post 9/11 Blues” والتي استوحى كلماتها من حادثة توقيفه في المطار.. وتم حظرها من جميع وسائل البث في بريطانيا بسبب انتقادها اللاذع للعنصرية، لكنها سرعان من انتشرت من منافذ أخرى لتجذب أنظار المخرج كريس موريس، الذي منحه دور البطولة في فيلم “Four Lions” وهي كوميديا سوداء عن أربعة جهاديين أغبياء يحاولون التخطيط لعملية إرهابية.

يصف أحمد ثلاث مراحل يمر بها أي ممثل ملون: أولا لعب الأدوار النمطية كالإرهابي، ثم تصوير تلك الشخصية وهي تقوم بعمل تخريبي على أرض أجنبية ثانيا، والثالثة – وهي الأصعب –تجسيد شخصية لا ترتبط قصتها بالعرق أو اللون..  سرعان ما أدرك ريز أنه لا مستقبل له في بريطانيا، فغادر إلى أمريكا كي يبحث عن مكان له في المرحلة الثالثة.

ريز أحمد

في عام 2014، بينما كان يدشن ريز فرقة الراب “Swet Shop Boys” مع رفقائه في بريطانيا، استدعاه المخرج دان جيلروي، لتجربة أداء في فيلمه “Nightcrawler” للنجم جاك جيلنهال، وبعد أن هبطت طائرته في لوس أنجلوس اكتشف أن حسابه البنكي فارغ وأنه بات مفلسا.

ما أنقذه في تلك اللحظة أن جيلروي تحمس لجنونه وملامحه الغريبة ومنحه دور المتسول (ريك) من بين أكثر من 60 ممثلا.. كانت تلك نقطة تحول كبرى في مسيرته بفضل براعته في تجسيد الشخصية، حيث عاش لفترة طويلة مع المشردين في الشوارع من أجل إضفاء المصداقية على أدائه.

ريز أحمد في فيلم Jason Bourne

ابتسمت هوليوود لريز أخيرا.. انهالت عليه عقود الأفلام والمسلسلات من كبرى الاستديوهات.. في عام 2016، بلغ الممثل ذروة انتشاره بفضل عمله في سلسلة حرب النجوم ” Rogue One“، ثم شارك مات ديمون بطولة “Jason Bourne“، ولاحقا المسلسل القصير “The Night Of“، الذي انتزع عنه جائزة الإيمي من نجوم مخضرمين أمثال دي نيرو وجيفري راش وجون تورتورو، لينهي عامه الملحمي بإصدار ألبومه الغنائي الأول “كاشمير”، وتليه بعد ذلك سلسلة من الأعمال الضخمة في “Venom” و”The Sisters Brothers“.

ولكن بدلا من الاكتفاء بهذا الزخم كممثل مساعد مشهور، افتقد ريز العمل في الأفلام المستقلة التي طالما وجد نفسه فيها كممثل، فمهما أعطته هوليوود من أموال وشهرة فإنها لن تمنحه الصوت للتعبير عن ثقافته ومجتمعه.

اختار ريز الطريق الأصعب في مشواره حين قرر العمل على فيلمين هما “Sound of Metal” و”Mogul Mowgli“، وهي مشاريع تتطلب الوقت والمال وهو لا يملك هذه الرفاهية.. يتساءل ريز: “لماذا تفعل هذا في حين أنه يمكنك الحصول على الشهرة والمال وشراء منزل جديد؟ وبعد تفكير عميق وجدت الإجابة .. هذه هي فرصتي“.

قد يبدو للوهلة الأولى أن من سوء حظ ريز أن يصدر الفيلمين في عام واحد بسبب تضارب جداول الإنتاج، خاصة أنه يجسد خلالهما دور فنان يتعرض لعقبة جسدية تصده عن استكمال النجاح ليعيد التفكير في حياته، إلا أنه بفضل براعة وتنويع أدائه في الشخصيتين لم يحجز مكانا له وسط نجوم الصف الأول فحسب، بل بات على بعد خطوات قليلة من جائزة الأوسكار.

ربما حاول ريز إعادة تقييم مسيرته ليكتشف ما إذا كان يطارد الأشياء الصحيحة أم لا؟ من هو وما الذي يمنحه القيمة والاحترام؟ وعلى ما يبدو أنه حصل على الإجابة من خلال الفيلمين.

ريز أحمد في فيلم Sound of Metal

Sound of Metal“: في البدء كان الصمت

“كل معاناة الإنسانية تأتي من عدم القدرة على الجلوس بمفردهم في غرفة هادئة”.

بليز باسكال.. فيلسوف فرنسي

طالما كانت الحياة غادرة، قد تمنحنا الكثير فنشعر أننا امتلكنا العالم، ثم تعود وتسلب ما أعطت فنحاول استرجاعه مرة أخرى، ولكن ما العمل أمام واقع لا نستطيع تغييره؟.. في شريطه الروائي الأول “Sound of Metal”، يخبرنا مخرج الفيلم داريوس ماردير قصة مؤلمة عن الخسارة، يضعنا في مواجهة أنفسنا عندما تسلبنا الحياة طريقتنا في العيش وتخرج الأمور عن سيطرتنا.. يتساءل هل يجب أن نتعلم كيف نتأقلم مع الواقع حتى نحصل على راحة البال والسكينة؟ أم أن هذا التأقلم هو أكبر تنازل قد نقدمه في حياتنا على أوضاع لا ترضينا؟

داخل شاحنة متنقلة، يعيش عازف الدرامز “روبن” (ريز أحمد) مع حبيبته ومغنية فرقته “لو” (أوليفيا كلارك)، حياة تغمرها سعادة كبيرة رغم بساطتها، الرقص بين أحضان بعضهما على أنغام موسيقى الجاز، والسفر بطول البلاد وعرضها لإحياء الحفلات الموسيقية، آملين في إصدار ألبومهم الأول ومداعبة أحلام الشهرة، ولكن عندما يفقد “روبن” سمعه بشكل مفاجئ ينهار عالمه الجميل من حوله.

تبدأ افتتاحية الفيلم بمشهد يتناسب مع أجواء حفلات الميتال الصاخبة، نرى فتاة تغني كأنها تنازع الموت، ولاعب درامز يجلس نصف عارِ ويضرب بعنف على طبوله، مقدمة مناسبة للشخصيات تظهر مدى غضبهم الداخلي وهشاشتهم.. إنهما يبدوان كطيرين جريحين سقطا في عش واحد، كلاهما يهرب من ماضِ مؤلم ما زال مقيما على ذراع “لو” المغطاة بالندوب، و”روبن” الذي وشم صدره بعبارة “اقتلني أرجوك”.

لا ينخرط نص ماردير في علاقة “روبن” و”لو” أو موسيقى الميتال، إنه النقيض لقصة “whiplash”، لذلك ينقلنا سريعا للنقطة التالية عندما يتفاجأ “روبن” في إحدى حفلاته بسمعه يتلاشى تدريجيا، تنتابه حالة من الذعر والصدمة، خاصة بعدما يعلم أنه فقد 90% من سمعه، ينصحه الطبيب بالتوقف، لكنه يقرر الاستمرار ليخسر ما تبقى منه.

يرتكز الفيلم على مقولة باسكال الشهيرة بشكل أو آخر، فعلى الرغم من أن “روبن” تعافى من الإدمان منذ 4 سنوات، فإنه لم يفعل ذلك حقا، فقد استبدل الهيروين بإدمان شيء آخر: الموسيقى.

موسيقى الهيفي ميتال المليئة بالغضب والصخب هي تجسيد لروح “روبن” المضطربة، يستخدمها لإلهاء ذهنه في شيء يجعله بعيدا عن المخدرات، تماما مثلما يفعل مع “لو”، فهي بمثابة درع تضمن له عدم التعرض للانتكاسة مجددا.. الموسيقى وعلاقته بحبيبته ضمادات لجراحه، ولكن عندما تتمزق تلك الأربطة يصبح كحيوان جريح.. فمن يكون “روبن” بلا مخدرات ولا موسيقى ودون “لو”؟

روبن ولو في فيلم Sound of Metal

ما يفعله سيناريو الفيلم هو تصوير حياة “روبن” في يوم عادي ومن ثم دفْعه إلى حياة مختلفة داخل مجتمع منعزل لتأهيل الصم يديره محارب متقاعد يدعى “جو” (بول راسي)، يطلب منه شيئا واحدا: “تعلم الصمم”، لكن مصائب “روبن” تفوق قدرته على الاحتمال، فهو مشتت بين محاولة التكيف مع فقدان سمعه وتعلم لغة الإشارة للتواصل مع عالمه الجديد والفراغ الذي تركته “لو” والرغبة في استعادة حياته القديمة.

“روبن” لا يستطيع أن يركن لعقله، ولو فعل حتما سينهار، هو بحاجة لإبقاء عقله المشوش مشغولا، لذلك سرعان ما يلتقط المطرقة ويشغل نفسه في إصلاح سقف منزله، يثير هذا غضب “جو” بشدة، فالرجل مدمن متعافٍ أيضًا ويعلم حيلة بطلنا جيدا، فبدلا من ذلك يقترح عليه الكتابة كل صباح من أجل التنفيس عن غضبه، فقبل أن يقوم “روبن” بأي نشاط عليه أن يتعلم أولاً كيف يكون وحيدا مع نفسه.. مقولة باسكال تتحقق ثانيةً.

إذا فشل الفرد في تحديد مسار حياته، سيتولد بداخله الشعور بالغربة وعدم الانتماء لهذا العالم.. عالم النفس الألماني إريك إريكسون

عندما يبدأ “روبن” بالتأقلم وتعلّم لغة الإشارة تتعزز روابطه مع كل من حوله، وهو ما يزيد من شعوره بالارتياح، فيبدو أنه تغلب أخيرًا على خوفه من بدء حياة جديدة. إلا أنه في داخله لا يزال ينظر إلى الصمم على أنه إعاقة، لذلك يرفض هويته الجديدة لأنه يشعر أن حياته في هذا المكان صارت بلا معنى أو قيمة، إنه يريد استعادة سمعه وحياته القديمة مهما كلفه الثمن، فيتدبر المال اللازم ويجري العملية.

اعتماد داريوس ماردير على أشخاص صُمّ حقيقيين وعدم ترجمة المحادثات بلغة الإشارة إلى أخرى مكتوبة على الشاشة، منح الفيلم أصالة ومصداقية جعله بمثابة تكريم لمجتمع الصم وثقافتهم.

وأسهم أداء أحمـد، الذي خصص ثلاث ساعات يوميا على مدار عام كامل لتعلم لغة الإشارة والطبول، في إضافة بعد إنساني وواقعي للقصة، بداية من تقبل الصدمة لاستخدام لغة الإشارة، فقد كان قادرا على إثارة المشاعر التي يحلم بتجسيدها أي ممثل مخضرم.

لم تكن يداه هي الوحيدة التي تحكي القصة، فقد كان صوته ونظرات عينيه تفيض بالمشاعر مع كل مشهد.

تعاون ماردير مع مصمم الصوت نيكولاس بيكر في خلق عالمين مختلفين للجمهور باستخدام تأثير صوتي هجين: العالم الحقيقي الذي ينتج الأصوات الطبيعية وعالم “روبن” الذي ينتج أصواتا مشوهة وغير متناسقة.

خلال فترة التحضيرات استشار ماردير وبيكر الأشخاص الصم الذين ولدوا ولديهم القدرة على السمع، وبالتالي يمكنهم وصف ما قد تمر به الشخصية.. لذلك ابتكر مجموعة ميكروفونات دقيقة يمكن وضعها داخل فم أحمد لتسجيل أصوات داخلية كالبلع والمضغ وتنفسه، وحتى التقاط صوت إغلاق جفونه.

وتم تزويد أحمد نفسه بسماعة أذن تحاكي الرنين عالي الحدة في آذان “روبن” أثناء مشهد الحفلة الموسيقية.. هذا الأسلوب لم يساعد ريز على تقديم أداء مقنع لفاقد السمع وحسب، بل جعل المشاهد قريبا مما يدور في رأس “روبن” مع محاكاة لتجربة فقدان التوازن والضياع.

عندما يعود “روبن” إلى حياته السابقة، يزداد شعوره بخيبة الأمل والوحدة أيضا، فالعملية لم تعد له سمعه كما كان يظن، بل نتج عنها نسخة مشوهة ومزعجة من الأصوات، فخلال حفل عيد ميلاد والد “لو” حاول “روبن” الاختلاط وسط الناس لكنه شعر بالغربة والعزلة.. لم يعد ينتمي إلى هذا العالم، وأي محاولة للعودة إلى مكانه الأصلي هي علامة على العجز.

لم يعد بإمكان “روبن” تحمل الاستماع إلى الموسيقى، التي تطورت هي الأخرى من أصوات صاخبة إلى نغمات بيانو هادئة، ولا حتى تمييز صوت حبيبته وهي تغني “هذا الحب يقتلني مرة أخرى .. أنا ميت”.. تنعكس كلماتها على نظراته المليئة بالحزن والألم والوحشة.. أدرك “روبن” أن علاقته بالموسيقى وبـ”لو” تغيرت إلى الأبد.

في نهاية الفيلم، يدرك “روبن” أن السعادة ليست فيما لدينا، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء حولنا.. ربما يكون قد فقَد القدرة على سماع الأصوات من حوله، لكنه في الواقع اكتسب القدرة على سماع ذلك الصوت داخله الذي ظل يتجاهله طيلة حياته.

ريز أحمد في فيلم mogul mowgli

Mogul Mowgli“: اكتشاف الهوية على حافة الهاوية

من قال إننا نولد أحرارا؟.. منذ الصغر هناك من يختار لنا ماذا نأكل ونلبس ونتعلم، وما علينا سوى أن نؤدي دور الكومبارس الصامت في مسرحية الكبار تلك، فهم دائما على صواب.. وعندما نكبر نظن أننا قد غادرنا ذلك السجن الضيق وأصبحنا نسيطر على حياتنا دون رقيب أو شخص يملي علينا أفعالنا، لكننا سرعان ما نكتشف أننا ما زلنا عالقين في أماكننا، ورثنا الخوف من الاختيار أو مخالفة السائد، تُطْمَس هويتنا لدرجة أننا نصبح غرباء عن أنفسنا، لا نعرف ما الذي نحبه أو نكرهه أو حتى ما نريده.

في شريطه الروائي الأول “Mogul Mowgli“، يصور المخرج بسام طارق، التكلفة الباهظة التي ندفعها عندما نحاول الاقتراب من أنفسنا واكتشاف هويتنا الحقيقية.. لا تحاول قصته تقديم إجابات سهلة للمشاهد، لكنه يرينا عن قرب الوجه الحقيقي للخسارة إذا حاولنا بناء ذواتنا بعيدا عما نشأنا عليه أو تعلمناه.

بعد تقديمه أداءً ملفتا في فيلم “sound of Metal”، يعود أحمد بقصة جديدة عن فنان موسيقي يتعامل مع تغيّر جسدي غير متوقع.. هذه المرة، لم يكن التركيز على الإعاقة الجسدية التي يعاني منها، بل على الصراع الثقافي وكيف تؤثر نشأتنا وسط تقاليد وعادات معينة على حياتنا بالكامل.

تدور أحداث الفيلم حول “زيد” (زير أحمد)، مغني راب بريطاني باكستاني يعيش في نيويورك، يستعد لبدء جولة موسيقية في أوروبا ستساعده على تعزيز شعبيته، لكن كل ذلك يتحطم بعدما يصاب بمرض مناعة غامض يجعله غير قادر على الحركة في الوقت الذي يعود فيه إلى منزل عائلته القديم في لندن.

بسام طارق مع ريز أحمد

يفتتح طارق فيلمه بحفل غنائي يقيمه “زيد” في مدينة نيويورك، محاطا بجمهور كبير يلهث وراء كلماته القوية التي تتحدث عن العنصرية وصراعه مع الهوية.. إنها لحظة قوية تمثل ذروة نجاحه، لكنه على الرغم من ذلك يبدو غير سعيد، حيث يتملكه شعور بأن مسيرته الموسيقية تتراجع بسبب أصول عائلته الآسيوية المسلمة.

تحاول صديقته “بينا” (عائشة هارت) أن تقنعه بأنه بحاجة للنظر إلى نفسه بحثا عن حلول، وألّا يلقي اللوم على الآخرين، لكنه على ما يبدو غير قادر على بلوغ مثل هذا النضج بعد.

نلاحظ ذلك عندما تسأله: “بالنسبة لشخص يغني عن الوطن كثيرا، متى كانت آخر مرة رأيت فيها عائلتك؟”

عندما يعود إلى منزل والديه، يضطر “زيد” إلى الانخراط من جديد داخل الحياة التي حاول الهروب منها لسنوات كي يستقل بذاته ويحاول بناء هوية جديدة له بعيدا عن تقاليد أسرته، فنرى شجاره الدائم مع ابن عمه الذي ينتقده بسبب تغيير اسمه من “زهير” إلى “زيد”، وسؤاله عن معنى الحلال والحرام، وحوارات العائلة باللغة الإنجليزية والأردية، وشعوره بالغربة في المسجد، بعد أن بات مكانا غريبا عن نمط حياته الجديد.

سيناريو الفيلم الذي شارك أحمد في كتابته مع بسام طارق، يركز في الأساس على صراع الهوية والعرق: كيف تنشأ وسط ثقافة معينة وحين تحاول الانسلاخ عنها تجد نفسك لم تتحرك خطوة واحدة بسبب لون بشرتك أو اسمك، وكأنك تحمل زنزانتك الخاصة في أي مكان تذهب إليه.

ما شكَّل عنصر تفوق لهذه القصة هو استحضار أحمد للقطات من حياته الشخصية، بداية من أصوله الباكستانية وتجاربه المزعجة مع العنصرية التي مر بها في طفولته، وصولاً إلى قرار الاستقلال بهويته والعمل في هوليوود التي تهوي تمجيد الرجل الأبيض وتحتقر ما دونه.

عندما يدخل “زيد” المستشفى، لا يحاول بسام طارق أن يفصل بين علة مرضه وبحثه المستمر عن هويته، فيدمج سلسلة من المشاهد السريالية، التي غالبا ما يتم تقديمها في صورة كوابيس مزعجة أو هلوسات تنتاب “زيد” وهو في حالة يقظة.

تطارده صور من طفولته وتجارب والده المؤلمة خلال فترة تقسيم الهند، ومخاوفه من أفول نجمه كفنان صاعد.. يحارب “زيد” المرض الجسدي بينما يحاول التصالح مع هويته وعائلته ودينه ومهنته.. تصوير عن قرب لما يحدث عندما لم تعد تتعرف على نفسك.

تمثل علاقة “زيد” ووالده “بشير” (علي خان)، القلب النابض للقصة، فكلاهما نال حظه من الصدمات، والفشل أيضا: الأب حين هاجر إلى بريطانيا هربا من جحيم التقسيم وجد نفسه محاصرا وسط مجتمع تحكمه العنصرية، و”زيد” حين حاول الاستقلال بذاته فبات عالقا في مكان وسط، لم ينجح في الانفصال عن أصله ولم يتقبله مجتمعه الجديد بشكل كامل.. فجسده كما أخبرته الطبيبة “لا يستطيع التعرف على نفسه، لذا فهو يهاجم نفسه”.. إنها حالة كره ذاتي داخلي تعيشها الشخصية وتمزقها بسبب طمس هويتها.

من الأشياء الأكثر تميزا في الفيلم هو عنصر التصوير السينمائي، حيث اعتمد طارق نسب عرض للشاشة 4:3، واستخدام المشاهد المقربة (كلوز أب) للشعور بحالة الضيق وابزار المعاناة النفسية التي يقع فيها “زيد”.

أما الشيء الملفت فهو الاستخدام الذكي للمونتاج، خاصة في تسلسلات مشاهد الحلم والانتقالات السلسلة بين الواقع والخيال، حتى يوهمنا طارق مع الوقت أنهما شيء واحد، فضلا عن توظيفه المتقن للمشاهد الوثائقية من طفولة “ريز” في بداية الفيلم ما جعلته يضفي على العمل نفحة شخصية وصادقة من حياة البطل، لكنه في نفس الوقت لم ينغمس في السرد بشكل كبير، فلم يقدم للمشاهد الإجابات الكافية خاصة في تسلسلات مشاهد القطار وشخصية “توبا تيك سينج” الذي سيصبح ظهوره مزعجا في حياة “زيد” طوال الفيلم.

وبالحديث عن ريز أحمد، فالعمل يمثل قطعة ذاتية من حياته ما جعله، كأنه يأخذ من روحه ويضيف للشخصية. رحلة قوية من المعارك والاكتشافات نواجهها معه، من حضوره القوي على المسرح إلى براعته في تجسيد حالة الهلوسة والضمور الجسدي.. لم يجسد أحمد شخصية تم وضعها في محنة جسدية فحسب، بل تكافح على المستوى النفسي أيضا.. هذا الازدواج منحه تحولات عديدة في أدائه خاصة حالة الضعف التي تتسرب من بين أضلع شخصيته الصلبة.

لا يعيد الفيلم خلق قصة صعود أو هبوط لحياة مهاجر، إنه يرسم صورة معقدة للتضارب الموجود داخل أنفس هذه الأقليات.. يجسد العمل حالة الفوضى التي تأتي حينما يصبح الفرد ممزقا ما بين هويتين لا يستطيع التصالح مع أيّ منهما، ما جعل الفيلم تجربة جريئة عن هواجس المهاجرين نادرا ما نشاهدها في السينما.

لقد قضى ريز أحمد سنوات طويلة في بداية مشواره يحاول إرضاء توقعات الآخرين، تعلم في تلك الفترة أن بقاءه على قيد الحياة مرتبط بقدرته على تبديل أقنعة وجهه أمام الناس، لكنه الآن أصبح أكثر ثقة في حدسه وإيمانا بأفكاره الخاصة، لقد تعلم احتضان شخصيته الحقيقية. يقتبس ريز عن الممثل فينسنت كاسيل قوله “كممثل أصغر سنا، أنت تحاول الهروب من نفسك؛ كممثل أكبر سنًا، فأنت تعانق نفسك”.

هيثم مفيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى