زوايا

ريمونتادا “ماكرون”.. ماذا بعد خطاب التهدئة الفرنسي؟

 

أمام صُندوق خشبي يتوسط باحة حرم جامعة السوربون، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ينعى صامويل باتي، أستاذ التاريخ الذي جُزّت رقبته على يد طالب روسي من أصل شيشاني، يُدعى عبد الله أنزوروف، الجمعة 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بكلمات تُدين أنصار الجماعات الإرهابية، قائلًا: “الإسلاميون يريدون الاستحواذ على مستقبلنا ويعرفون أنّهم لن يحصلوا على مرادهم بوجود أبطال مطمئني النفس مثل باتي”.

ربما لم يقُل ماكرون ما يزعج غير المنتمين لتيارات الإسلام السياسي، خلال مراسم التأبين الوطني لمدرس التاريخ، لكن تصريحاته تلك حُرفت عبر قنوات ومواقع إخبارية موالية لتركيا وقطر، ومن ثمّ إظهار الرئيس الفرنسي على اعتباره أساء للدين الإسلامي، ما يوجب مقاطعة بضائع بلاده واستبدال منمنتجات تركية بها، بحسب حملات انطلقت تستهدف ذلك.

بحلول السبت 31 أكتوبر/ تشرين الأول، أعلنت قناة الجزيرة القطرية عن حوار حصري مع الرئيس الفرنسي، مروجة للأمر على اعتباره تراجعًا واعتذارًا غير مباشر، في حين شهد اللقاء، الذي استمر قرابة 50 دقيقة، تأكيد ماكرون على أن حرية التعبير في بلاده لن تُمس، وذلك على خلفية أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد، التي نشرتها مجلة “شارلي إبدو”، ما يعني أن الكاريكتير المسيء سيستمر.

حوار ماكرون مع الجزيرة

لِمَ “الجزيرة”؟

سؤال شغل نطاقًا واسعًا من المتابعين لما يحدث بالداخل الفرنسي خلال الفترة الأخيرة، وتعرض البلاد لأكثر من هجوم إرهابي على يد متطرفين، وللإجابة عن هذا التساؤل نقلت شبكة دويتشه فيله الألمانية، عن مصادر مقربة من الرئيس الفرنسي، أن ماكرون اختار القناة القطرية وخصّها بمقابلة طويلة بسبب رغبته في توضيح رؤيته بطريقة هادئة، والتأكيد على أن تصريحاته حول محاربة الانعزالية الإسلامية تعرضت للتشويه، مبيّنة أن القضية تتعلق بـمواجهة الأكاذيب، بدلاً من السماح بانتشارها، إضافة إلى شرح أسس النموذج الجمهوري الفرنسي من خلال قناة ناطقة بالعربية.

وفي تفنيده لما يُروَّج بشأن استهداف الدين الإسلامي والمسلمين، قال ماكرون إن بلاده أول دولة ترجمت القرآن الكريم، كما سمحت ببناء المساجد والمنشآت التي تكفل للمسلمين حرية ممارسة شعائرهم، ساعيًا بذلك للتذكير بأن تصريحاته عن الانعزالية الإسلامية ورغبة الإسلامويين في الاستحواذ على المستقبل الفرنسي، جميعها تستهدف الإسلامويين أو المنتمين لتيارات الإسلام السياسي التي تقتل باسم الدين، منوهًا بأن أكثر الضحايا لهذا الإرهاب هم المسلمون.

“أتفهم مشاعر المسلمين إزاء الرسوم الكاريكاتورية”.. رسالة أخرى صنعت منها الجزيرة انتصارًا وهميًّا، وهو تراجع الرئيس الفرنسي أو تدخله لمنع هذه الرسوم، لكن عاد ماكرون ليؤكد على أن “العنف غير مبرر، والأمة الفرنسية بكاملها تقف مع مواطنينا فى وجه هجوم جماعات التطرف”، وأن هذه الصحف مستقلة ولا تملك حكومته التدخل في المحتوى الصادر عنها.

إذًا.. هل تغيرت تصريحات ماكرون في ظهوره عبر الجزيرة أم كانت عودة لدبلوماسيته المعهودة؟

الرئيس ماكرون في استضافة شيخ الأزهر

تأكيد مواقف سابقة

في وجهة نظر المحل السياسي اللبناني، فادي عكّوم، فإن الادعاء بعنصرية فرنسا تجاه المسلمين “اتهام باطل” إذا ما نظرنا إلى أوضاع المهاجرين العرب والمسلمين المقيمين بها، مشيرًا إلى أن ماكرون لم يقدم جديدًا في لقائه الأخير، لأنه أكد على المواقف ذاتها التي أعلنها من قبل، على سبيل المثال حرية التعبير، وأنه غير راض عن الرسومات المسيئة لكنه لن يتدخل لمنعها.

وفي حديثه إلى “ذات مصر” يبدي المحلل اللبناني استغرابه لظهور الرئيس الفرنسي عبر قناة الجزيرة، معللاً ذلك برغبة ماكرون في الحد من الهجوم الذي تقوده تركيا على فرنسا من خلال وسائل الإعلام الموالية لها، فقد وظفت أنقرة الرسوم المسيئة للانتقام من باريس، لأسباب سياسية في المقام الأول يليها الاقتصاد والرغبة في السيطرة على غاز شرق المتوسط.

المحل السياسي اللبناني، فادي عكّوم

ويبرز عكّوم عبثية الآراء التي تطالب ماكرون بالاعتذار، قائلاً: “لم يهاجم الإسلام، وحديثه كله عن التنظيمات المتطرفة، فإلى من يعتذر؟ وإن كان المقصود الرسوم المسيئة، فأي مواطن غربي لديه قناعات بحرية التعبير، وماكرون كمواطن فرنسي لا ينظر إلى الأمور بقناعاتنا الشرقية التي لا تطال الرموز الدينية مطلقًا، ومع ذلك فلا يستوى الرسم بالقتل”.

“قطع الرؤوس يسيء إلى النبي محمد والإسلام أكثر من الرسوم”.. من هذا المنطلق يؤكد المحلل اللبناني على أن رد الفعل الفرنسي طبيعي، خصوصًا أن الرئيس يمثل دولة لا تتهاون مع الإرهاب أو تعتذر لمرتكبيه، فـ”ماكرون” لا يملك قرار التراجع، نظرًا إلى تصاعد اليمين في بلاده واحتمالية رد فعل عكسي منهم حال التفريط في الأسس الجمهورية التي وضعتها فرنسا.

وعن أحوال المسلمين هناك، يشير عكّوم إلى أن فرنسا وضعها مختلف عن الدول الأوروبية الأخرى، لأنها استقطبت العرب منذ خمسينات القرن الماضي، وبعد أن كان للمسلمين مسجد واحد أصبح عدد المساجد قرابة 3000، وهو عدد قد لا يوجد في دول عربية مسلمة، مضيفًا أن المهاجرين يتمتعون بحقوق مثل المواطن الفرنسي، فقط كل ما عليهم احترام قانون البلاد.

إيمانويل ماكرون

هوس القتل

بدوره قال سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، إن قطر وتركيا تستخدمان التطرف كأداة لخدمة مصالحهما، فالدولتان استغلتا تصريحات الرئيس الفرنسي بتحريفها وشن حملة هجوم على الغرب، عبر قناة الجزيرة التي تعتبر “فرعًا من الإعلام التركي”، وتعمل في سياق توزيع الأدوار بين أنقرة والدوحة.

وبحسب صادق فإن ما يحدث في فرنسا “لا يمكن فصله عن أزمة الانتخابات المقبلة 2022، لذا فإن المرحلة الحالية بمثابة فترة إعداد لماكرون الذي يرغب في ولاية جديدة، وبالنسبة إلى الشعب الفرنسي فإن أي مهادنة مع المتطرفين غير مقبولة، خاصة أن الرئيس خصّ المتأسلمين وجماعات الإسلام السياسي وليس الإسلام.

ويضيف لـ”ذات مصر” أن الغاضبين من الرسوم المسيئة لا يدركون أن الإعلام في الغرب غير تابع، بل يوجد انفصال تام بين السلطة التنفيذية والإعلام، ما يعني أن صمت الرئيس عن الكاريكاتير المنشور على “شارلي إبدو” لا يعني موافقته على الإساءة، لكنه لا يملك أي صلاحيات للتدخل وتحديد ما يمر إلى القرّاء.

سعيد صادق

يستكمل: “لا بد من أن نعترف بأزمتنا؛ هل قتل فرج فودة ومحاولة ذبح نجيب محفوظ واغتيال الرئيس أنور السادات كانت نُصرة للنبي وانتقامًا من شارلي إبدو؟ بالطبع لا، ما يعني أن الجماعات الإرهابية والمتطرفين لديهم هوس بالقتل والعنف باسم الدين ويصدرون صورة سيئة عن الإسلام”.

وتنبأ أستاذ علم الاجتماع السياسي بتحول في الموقف الفرنسي تجاه المهاجرين غير النظاميين بعد مقابلة ماكرون الأخيرة، مشددًا على أن بعض منفذي الهجمات الإرهابية في فرنسا دخلوا أراضيها بأساليب غير شرعية، وينفذون تعلميات تنظيم داعش، ما يعني ضرورة تشديد إجراءات استقبال مهاجرين جدد، خاصة في ظل صراع تركي-أوروبي محتدم، تستخدم فيه أنقرة اللاجئين كورقة ضغط على الدول الأوروبية، وتهدد بالسماح لهم بالمرور إلى ألمانيا وفرنسا.

مناوشات

بعد ظهور ماكرون بقناة الجزيرة القطرية مساء السبت 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان أن باريس ستُعيد سفيرها لدى تركيا إلى أنقرة الأحد 1 نوفمبر/ تشرين الثاني، للحصول منها على “إيضاحات”، ويأتي ذلك بعد أسبوع على استدعائه إثر هجمات لفظية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان استهدفت نظيره الفرنسي.

ماكرون وأردوغان

ونقلت شبكة “فرانس 24” الفرنسية عن  لودريان قوله: “لقد طلبنا من سفيرنا العودة إلى أنقرة غدًا لمتابعة طلب الإيضاح والشرح هذا مع السلطات التركية بشأن التصريحات المشينة الأخيرة، وأيضًا بشأن عمل أنقرة المزعزع للاستقرار منذ أشهر عدة في ليبيا، وفي شرق المتوسط، وفي منطقة ناجورني كاراباخ”.

ولفت وزير الخارجية الفرنسي إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه طلب إيضاحات قوية، مضيفًا: “لا يمكننا أن نبقى في أجواء من سوء التفاهم والتصريحات المشينة”.

تأتي هذه التصريحات بعد ساعات من اتهام ماكرون للرئيس التركي بتبني موقف عدواني تجاه شركائه في حلف شمال الأطلسي، معتبرًا أن التوترات قد تنحسر في حال أظهر أردوغان الاحترام وتوقف عن “إطلاق أكاذيب”، مطالبًا أردوغان بأن يحترم فرنسا والاتحاد الأوروبي وقيَمهما، وألّا يُطلق ما سماه بـ”الأكاذيب” أو يتفوه بالإهانات.

 

دعاء سلامة

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى