"زاهر خليفة"

عود دمشقي يغرد في ألمانيا

منذ سنوات أخذت صناعة آلة العود تتراجع في سوريا كما تراجعت من قبل في مصر، لحساب التصنيع التجاري، ومصانع إنتاج الآلات المستنسخة، التي يدرك الخبير من نظرة واحدة أنها لم تنل من الجهد والإتقان والدقة ما يجب أن يُبذل عند بناء أهم آلات التخت الشرقي وأعرقها على الإطلاق. وفي هذه الأثناء برز اسم “زاهر خليفة”، باعتباره أحد صنّاع العود المتميزين، الذين يحرصون على إنتاج آلة تُرضي العازف والفنان في رنينها ومظهرها.

"زاهر خليفة" مع أعواده

ومن المستقر في عالم الفن أنه لا عزف جيد إلا بآلة جيدة، وجودة الآلة مرهونة بوجود الصانع المتقن المتأنق، الذي يهب الأخشاب من نفسه وروحه ووقته وجهده منذ لحظة البدء باختيار التصميم والشروع في بناء الصندوق الصوتي، إلى لحظة الميلاد وشد الأوتار وسماع الرنين الأول للمولود الجديد. لكن الأحداث في سوريا كان لها أثرها الكبير على مسيرة “زاهر” الفنية، وقد صمد الصانع الشاب نحو ثلاث سنوات، ثم اضطر للهجرة إلى ألمانيا، ليبدأ مرحلة جديدة مع صناعة العود في ظروف غير معتادة، وتحديات قرّر مواجهتها ليستمر مشروعه وتتواصل تجاربه التي تستهدف إنتاج آلة تجمع بين الشكل والمضمون، وتُذكّر بما كان عليه كبار الصناع في بلاد الشام، دون الانحباس الكامل فيما أبدعوه.

ميراث عريق

كان لورشة العائلة التي احترفت هذه الصناعة أبًا عن جد دور كبير في تأمين المناخ المناسب للتعليم، ومن خلال تواجد “زاهر” بالورشة اختار لنفسه مسارًا خاصًّا، يبتعد عن التصنيع التجاري، ويتعامل مع بناء الآلة باعتباره فنًّا موازيًا للعزف عليها، يقول: نظرتي للعود الشامي ووجود أكثر من ورشة في منطقتنا بحي جوبر الدمشقي كان له تأثير كبير، وكان لوالدي وعمي دور مهم في توجيهي وتعليمي، حتى سيطر على تفكيري هدف رئيسي هو المحافظة على صناعة العود الشامي، واستلهام تراث الرواد الأوائل لهذا الفن.

بدأ “زاهر خليفة” تعلم صناعة العود وهو طفل صغير في ورشة عائلته، وأنتج أول عود احترافي حمل اسمه عام ٢٠٠٧، ولم يتجاوز عمره ٢٢ عامًا، يُضيف: تعلمت المهنة على يد والدي وأعمامي في ورشتنا، دخلت كل ورش دمشق، واطّلعت على أكثر من أسلوب وطريقة في التصنيع.

عود من صناعة "زاهر خليفة"

ربما لا يعرف كثيرون الفروق بين آلة العود “التجارية” وبين غيرها من الأعواد الاحترافية، ويرى “زاهر خليفة” أن الأعواد التجارية تُصنع في الغالب من خامات رخيصة جدًّا، وقد تكون من أخشاب غير متوافقة، كما أنها تنتج بسرعة شديدة، لأن صانعها لا يستهدف منها إلا الربح فقط، وأرباحه مرهونة بعدد ما يُنتجه ويبيعه من آلات، كما أن كل عود منها يمر على عددٍ من الأيدي العاملة، فالقصعة تُبنى في ورشة، والسطحة تجهز في أخرى، والبنجق (بيت المفاتيح) يصنع منفردًا، ثم يتولى آخر عملية التجميع، وربما قام بها أكثر من حرفي، ثم يدخل العود مرحلة التشطيب والدهان، وتشد عليه أوتار رديئة، وهذا النوع من الأعواد لا يستغرق بناؤه أكثر من 48 ساعة. ومع زيادة الأيدي العاملة قد تنتج الورشة أو المصنع عشرة أعواد أو عشرين عودًا في اليوم، ومع الوقت وتغير درجات الحرارة تظهر عيوب التصنيع والاستعجال، أما آلة العود الاحترافية فهي عمل فني متكامل، يبدأ من اختيار الأخشاب المناسبة بعناية، وبناء القصعة وفق تصور مدروس، ومراعاة الدقة في القياسات، وسمك السطحة، وأسلوب التجسير، وصولًا إلى الزخرفة والتصديف وتنميق القمريات، وكل هذه المراحل يقوم بها صانع واحد، ليخرج العود بهيئة تعكس تفكير الصانع وأسلوبه، وغالبًا ما يُنتج صانع هذا النوع من الأعواد آلة أو آلتين فقط طوال شهر كامل، وهنا يكون الربح جزءًا من أهداف هذه العملية الفنية، وليس غرضًا أساسيًا وحيدًا.

حديث العود وصناعته يستدعي إلى الذهن ظاهرة آخذة في الاتساع، تتمثل في حرص العازفين المحترفين وبعض الباحثين والأكاديميين على اقتناء الأعواد القديمة، التي بناها كبار الصناع في مصر والشام، رغم ندرتها، وارتفاع أسعارها، لا لمتانتها وجمال زخارفها أو كونها “تحفة عتيقة” فقط، وإنما لأن هذه الأعواد تُعطي رنينًا صافيًا، وصوتًا يتسم بالدفء الشرقي الذي يبحث عنه كل عازف، ويهواه كل مستمع.

سألت “زاهر خليفة”: ما السر في تفوق أعواد القدماء؟ فقال: من النظرة الأولى للأعواد التي وصلتنا من صناعة “المعلمين الكبار” أمثال آل النحات في سوريا، أو إبراهيم خليل الجوهري وعبدالعزيز الليثي في مصر، نتأكد أن جهدًا كبيرًا بُذل لإنتاج آلة تتسم بمتانة فائقة، وجمال خارجي أخّاذ، وصوت صافٍ متوازن، وأعتقد أن أكثر هؤلاء الصناع امتلك معادلة دقيقة للقياسات والتجسير، مع خبرة في اختيار الأخشاب، لا من حيث نوعها فحسب، كأن تكون من الجوز أو البليساندر أو الماهوجني أو البلوط أو السيسيم، ولكن أيضًا من حيث عمر الأخشاب، ومدى جفافها، وطرائق التجفيف، وأظن أن مرور مئة سنة أو أكثر أو أقل على آلة صنعت بإتقان يساهم في تحسين صوتها واستخراج رنين مشبع من أوتارها.

عود من صناعة "زاهر"

يميل “زاهر خليفة” إلى آراء بعض المتخصصين الذين يرفضون قولبة آلة العود وتنميطها من خلال توحيد القياسات، أو الاتفاق على طريقة واحدة لبناء القصعة أو تركيب الزند، فقدامى الصناع الذين برزوا خلال القرنين الماضيين في سوريا ومصر أنتجوا أعوادًا بالغة الإتقان والجمال والصفاء الصوتي، رغم اختلاف أنواع الأخشاب التي استخدموها، والقياسات التي اعتمدوها. طبيعة العود الذي يمثل عنوان الكلاسيكية الآلية في عزف الموسيقى الشرقية لا تعرف هذه القولبة، لكن لا مانع -في رأي زاهر- من تنظيم حلقات النقاش وورش العمل لتبادل الخبرات بين الصناع، وللانتفاع بالدراسات ذات الطابع الأكاديمي، دون مصادرة على البصمة الشخصية لكل صانع، لأن فن صناعة العود في حقيقته فن فردي، يعكس بدرجة كبيرة رؤية الصانع وإبداعه.

من جوبر إلى أوروبا

ألقت الحرب في سوريا بظلال قاتمة على صناعة العود، ويقول “زاهر” إن الصناع السوريين واجهوا صعوبات في توفير المواد الخام اللازمة للصناعة من أوتار وأخشاب، كما تفاقمت مشكلات الشحن إلى مختلف دول العالم، فصانع الأعواد الفنية الاحترافية مرتفعة السعر لا يستغني عن الأسواق الخارجية. يُضيف “زاهر”: تعامل معي عدد كبير من العازفين، من دول عربية وأجنبية، وأرسلت أعوادي إلى فلسطين المحتلة ومصر وكل دول الخليج العربي، واليمن، ومعظم دول أوروبا، وأمريكا، وأستراليا، وكندا، وماليزيا؛ لكن سوء الأوضاع السياسية والأمنية اضطرني للهجرة، وبعد رحلة شاقة وصلت إلى بريمن بألمانيا، لأبدأ في مواجهة صعوبات جديدة، منها إجراءات تأسيس ورشة وتجهيزها بالمعدات اللازمة، وإشكالات اللغة والحركة والتنقل في بلد جديد، كما مثّل المناخ البارد وارتفاع مستويات الرطوبة تحديًا كبيرًا، لأنه يستلزم تجهيزات إضافية لحفظ الأخشاب وتخزينها، وحماية الآلة أثناء البناء وبعده، وبالطبع شرعت في التواصل مع صناع الآلات الموسيقية في ألمانيا، وزرت صناع التشيلو واللوت في مدن مختلفة. يضيف “زاهر”: من العقبات التي فاجأتني هنا ارتفاع تكاليف صنع العود كثيرًا، سواء في أثمان الأخشاب أو تكاليف الشحن، مما يحتم زيادة كبيرة في سعر الآلة، والصانع إن لم تتوفر له أسواق جيدة، مع قدرة على إنتاج آلة بسعر مقبول، لا يستطيع الاعتماد على المهنة باعتبارها مصدرًا وحيدًا للدخل.

أعواد "زاهر" في مؤتمر كاتارا

لكن رغم العقبات فإن “زاهر” يرى أن الإقامة في ألمانيا لها إيجابياتها، ومنها سهولة التسوق وشراء أي نوع من الأخشاب أو الأوتار أو مواد الزخرفة، وكذلك التشجيع والتقدير من قبل السلطات، والاحترام المجتمعي الكبير لصانع الآلة الموسيقية، وبما يختلف كثيرًا عن عالمنا العربي حيث الصانع مجرد حرفي، يمارس نشاطًا على هامش الاهتمام الشعبي.

منذ أن انطلق “زاهر خليفة” في رحلته الفنية مع تصنيع آلة العود، لم يتوقف عن التجارب والنظر في أعواد الصناع الكبار من القدماء، وفي مقدمتهم آل النحات، الذين حفروا لأسرتهم اسمًا خالدًا في تاريخ هذه الصناعة منذ نحو قرن ونصف، أفاد “زاهر” من تصاميمهم وأساليب زخارفهم، ودرس طرائقهم في تجسير سطحة العود، وحاكى أحيانًا بعض نماذجهم المهمة والمشتهرة. يرى “زاهر” أن “المعلم” عبده النحات هو أهم صانع في تاريخ سوريا والعالم العربي، فأعواده ما زالت تدل على عبقريته رغم مرور أكثر من قرن على إنتاجها.

شارك “زاهر” في عدة مؤتمرات ومهرجانات خاصة بآلة العود، في مقدمتها مهرجان كتارا “الوتر الخامس”، وشارك في أكثر من ورشة عمل عن تصنيع الآلة في العاصمة الألمانية برلين ومدينة كندر كيزي، وحضر المعرض السنوي العالمي للآلات الموسيقية في مدينة فرانك فورت، كما زار صناع الأعواد في مصر وتركيا، واطلع على أساليبهم في بناء الآلة، وأيضًا التقى ممثلي بعض شركات إنتاج أوتار العود، ومنها شركات إيطالية وألمانية وأمريكية، ليراكم خبرة يراها ضرورية لكل من يتصدى لصناعة العود باعتباره عملًا فنيًّا، لا نشاطًا تجاريًّا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search