زوايا

زناد واحد وضحايا كثيرون.. الذئاب المنفردة: إرهاب العباقرة والمجانين

الذئب المنفرد” عادةً شخص يعمل انطلاقًا من أيديولوجية ويخطط لعمله بعناية وقد يخفي نواياه بنجاح، وفي معظم الحالات المعروفة يستلهم رمزية تنظيم إرهابي ويتأثر بأدبياته. ووفقًا لدراسات غربية فإن الظاهرة تتويج لـ”عملية تغيير تراكمي“.

ويبرز في تواريخ عدد من الذئاب المنفردة التي تمت دراستها في الغرب: وجود مظلومية فردية أو جماعية، فضلًا عن التقارب مع جماعة متطرفة وعوامل تمكين مباشرة أو غير مباشرة لعل أشهرها أدلة تنشرها جماعات كالقاعدة وداعش لصنع القنابل والتخفي، وما إلى ذلك. ومن سماته أيضًا أنه، في حالات كثيرة، تصدر عنه إشارة معلنة إلى نية إلحاق الضرر، والمسرح الأهم الآن لإعلان مثل هذه النوايا منصات السوشيال ميديا.

وتختلف هذه السمات في الترتيب الذي تتحقق به بين حالة وأخرى، فحياة الفرد مهما كانت متشابكة ومعقدة، ثمة أوجه مشتركة في الخبرة عبر عشرات الحالات.

عنصر إرهابي

الأصوليون يرثون الثوريين الفوضويين

من الناحية التاريخية، فإن إرهاب الذئاب المنفردة ليس ظاهرة جديدة، ويمكن تقصي جذورها في التاريخ الحديث في فوضويي القرن التاسع عشر، وبعض الثوريين يعتبرونها جزءًا مهمًا من النشاط الثوري، وبعض أبرز المفكرين اللا سلطويين الأوروبيين دعوا لاستراتيجية: “الدعاية بالأفعال“، وحثوا الأفراد والمجموعات الصغيرة على قتل من يمثلون نظامًا اجتماعيًا قائمًا. وفي النصف الثاني من القرن العشرين كانت الظاهرة مرتبطةً بشكل خاص بالعنصريين البيض المناهضين للحكومة في أمريكا، وهو ما عرف بـ”المقاومة بلا قيادة“. وقد تم ترويجها واستخدامها من قبل مجموعات متنوعة: مسيحيون أصوليون، جهاديون، فوضويون.

11 سبتمبر نقطة تحول

كمسألة سياسية، يمكن أن يعود عصر إرهاب الذئاب المنفردة إلى 15 أغسطس 2011، عندما أعلن الرئيس باراك أوباما أن هجمات ينفذها ذئاب منفردة في أمريكا أكثر احتمالًا من ضربة كبرى منسقة مثل 11 سبتمبر، وقد علق على جريمة النرويجي أندرس بريفيك الذي قتل 77 شخصًا، بقوله إن “شخصًا ما بسلاح واحد قادر على تنفيذ مجازر واسعة النطاق“.

في صيف 2014 بدأت وكالات الاستخبارات الغربية في إطلاق إنذارات بشأن طموحات داعش لمهاجمة أهداف على جانبي الأطلنطي، وأعلن الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، أن داعش يشكل “تهديدًا مباشرًا” للغرب بسبب آلاف الأوروبيين الذين انضموا إليه، بالإضافة إلى عدد غير محدد من الأمريكيين، وهؤلاء يمكنهم نقل العنف إلى بلدانهم الأصلية. وألقى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي الضوء على تهديد داعش كمُلهم لإرهابيي الذئاب المنفردة الذين لم يحركهم تنظيم القاعدة قط. وقد صار واضحًا أن: الإنترنت والتطرف يغذيان الظاهرة، وكثف محللو المكتب تحقيقاتهم لمراقبة أنشطة الأمريكيين الذين عبروا عن وجهات نظر متطرفة في المنتديات عبر الإنترنت وكان الفشل فوريًا.

بحلول 2016 اكتسبت داعش موطئ قدم في 12 دولة، وبعد هجمات باريس وسان برناردينو وبروكسل، قدر مكتب التحقيقات الفيدرالي أن هناك 250 أمريكيًا تربطهم صلة بداعش أو شبكات إرهابية أخرى، وكان الحل في الفهم المتعمق لتطور إرهاب الذئاب المنفردة، والسياق الاجتماعي للظاهرة.

مع اتساع عدد جرائم الذئاب المنفردة صار هناك سيل تقارير بدأ بالأرقام والمعلومات قبل أن تبدأ مشروعات بحثية من ذوي التخصصات المختلفة لإخضاع المعلومات للتحليل. وبحسب تقرير لوزارة الأمن الداخلي (2009) فإن الذئاب المنفردة لليمين المتطرف تعد التهديد المحلي الأكثر خطورة في أمريكا، وهو ما عبر مدير وكالة المخابرات المركزية ليون بانيتا في 2010 بتأكيد أن الذئاب المنفردة “التهديد الرئيس لهذا البلد“.

وفيما يتصل بالانتقال من المعلومات إلى تحليلها، فإن الأساس التجريبي الأكثر شمولًا للدراسات عن الظاهرة هو: مسح للمعهد الوطني للعدالة بين: 2012 و2015، تضمن إنشاء قاعدة بيانات شاملة لجميع حالاتها المعروفة في أمريكا بين 1940 و2016. وقبل 2015 لا توجد تقارير لمكتب التحقيقات الفيدرالي متاحة للجمهور حول الظاهرة، أما الدراسات التجريبية للظاهرة فهي نادرة بالقدر نفسه.

عناصر داعش إرهابية

الأرقام تبوح بأسرارها

يمكن الإشارة إلى الحقائق التالية المستقاة من قاعدتي بيانات أمريكية وأوروبية متخصصة في الظاهرة:

  • بين 1955 و1977، 7٪ فقط من ضحايا الإرهاب قُتلوا على يد ذئاب منفردة.
  • بين 1978 و1999 ارتفعت النسبة إلى 26٪.
  • أغلبية القتلى، بعد 1978، من ضحاياها.
  • بين 1940 و2000، ارتكب 39 ذئبا منفردا 173 اعتداء، 60٪ منهم نفذوا هجومًا واحدًا، و40٪ نفذوا هجمات عدة.
  • منذ 11 سبتمبر حلت الأسلحة النارية عالية السرعة محل القنابل.
  • من بين 42 حالة بعد 11 سبتمبر استخدم ذئاب في هجماتهم الأسلحة النارية: 50٪ منهم أسلحة متعددة و32٪ استخدموا مسدسات و14٪ استخدموا بنادق هجومية.
  • خلال الفترة نفسها، تم تغيير الأهداف من المدنيين إلى الموظفين منفذي القانون والعسكريين.
  • ثلثهم كأنهم يقرؤون من سيناريو فيلم يمثل مرجعًا ويستنسخون نماذج سابقة.
  • المنفذون أصغر سنًا (متوسط العمر قبل 9/11 كان 38 سنة، مقارنة بـ31 بعدها).
  • المنفذ غالبًا ذكر (5 فقط من حالات ما قبل 11 سبتمبر نساء).
  • كشفت دراسة بين 2000 و2015 أن 35٪ من الذئاب المنفردة عانوا اضطرابًا عقليًا.
  • السمات الشخصية والسلوكية، وكذلك المظالم، تسهم في تحول البعض إلى ذئاب منفردة.
  • أغلبية الجناة “يتم تمكينها” من قبل آخرين: بالإلهام أو المساعدة غير المقصودة.
  • الانغماس في “ثقافة فرعية محاربة” عنصر حاسم في الحياة الأخلاقية لمن يصبح ذئبًا إرهابيًا منفردًا.
  • الجناة في معظم الحالات يعلنون نيتهم ارتكاب جريمة إرهابية.

وبين سبعينيات القرن العشرين واليوم، ارتفع إجمالي هجمات الذئاب المنفردة في أمريكا 45٪، وبشكل مذهل بنسبة 412٪ في البلدان الأخرى.

الذئب المنفرد قد يتأثر بمصادر خارجية كالكتب والتغطية الإعلامية لحالات مماثلة سابقة، وبين 1940 و2016 هناك 123 حالة تؤكد ذلك.

إرهابيون

سمات ثابتة وأخرى سائلة

مع ازدياد خبرة الأجهزة الأمنية والمؤسسات البحثية في الغرب، ازدادت القناعة بأهمية فهم التطرف على نحو أوسع، أي على أنه عملية معقدة ديناميكية متعددة الأبعاد، ومتدرجة، ويمكن تعريفه بأنه “تبنٍّ أو ترويج معتقد متطرف لغرض على أساس أيديولوجي عنيف للتغيير السياسي أو الديني أو الاجتماعي”، والتطرف العنيف بشكل عام يزدهر في بيئة مواتية تتميز بإحساس مشترك منتشر على نطاق واسع بالظلم والإقصاء والإذلال (الحقيقي أو المتوهم) بين جماهير يدعي الإرهابيون أنهم يمثلونها، والتعرض لأيديولوجيات تبرر الإرهاب كعنصر أساسي في التحول إلى ذئب منفرد.

وعادةً، يتطرف شخص في جماعة متدينين عاديين بسبب “ضغوط مجموعة الأقران” ليتبني وجهات نظر متشددة، بينما يستغرق تحول الفرد للتطرف دون مثل هذه الضغوط وقتًا أطول. والمكان المنطقي لبدء دراسة التطرف، أين موضع (أو مكان) التطرف؟ ودون تطرف لن يكون هناك إرهاب.. وتشير الدراسات إلى ما يلي:

  • 13٪ من الذئاب المنفردة تطرفوا كليًا أو جزئيًا من خلال تجاربهم العسكرية.
  • بعد 11 سبتمبر، أصبح 7٪ من الذئاب المنفردة متطرفين خلف القضبان.
  • نحو 10٪ من الذئاب المنفردة قبل 11 سبتمبر تطرفوا داخل عائلاتهم.

ويفترض عالم الإرهاب جيرولد بوست أن الأيديولوجيا تنتقل في كثير من الأحيان من جيل إلى جيل، وبعد 11 سبتمبر، انخفضت نسبة الذئاب التي تطرفت داخل عائلاتها إلى 4٪.

وتشير دراسة أجريت على 462 انتحاريًا إسلاميًا إلى أن 17٪ منهم كانوا عاطلين أو من طبقات دنيا، وكشفت دراسة تقارن 119 إرهابيًا منفردًا مع عينة مطابقة من إرهابيين منتمين لجماعات أن احتمالات وجود ذئب منفرد يصنف مريضًا عقليًا أعلى بـ13 ضعفًا.

و”الذئاب المنفردة غالبًا تبتكر أيديولوجيات خاصة تجمع بين الثأر الشخصي والديني أو المظالم السياسية“، وربما يكون هذا المزيج أكثر من أي عامل آخر من المظالم الشخصية والسياسية التي تميز الذئاب المنفردة عن أعضاء التنظيمات الإرهابية الكبيرة، وفي الوقت نفسه، اكتُشف أن الذئاب المنفردة تبحث عن اتجاه أيديولوجي من خلال أماكن أخرى غير المنظمات، أي عبر شبكات المجهولين في العالم الافتراضي.

التحول من التقارب مع الجماعات المتطرفة إلى القرابة مع المتعاطفين المجهولين عبر الإنترنت واحدة من أكثر التحولات أهمية في تاريخ الإرهاب، لأنه وسع قاعدة الدعم. ويشكل التقارب مع جماعة متطرفة سمة متغيرة، وقد كانت موجودة في 63٪ من حالات ما قبل 11 سبتمبر، ثم انخفضت إلى 48٪ بعد 11 سبتمبر.

وقد نفذ الاتحاد الأوروبي مشروعًا بحثيًا بين 2006 و2009 لفهم الإرهاب، بالإضافة إلى مجموعة دراسات لإرهاب الذئاب المنفردة في 15 دولة (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بولندا، هولندا، الدنمارك، السويد، التشيك، البرتغال، روسيا، استراليا، كندا، وأمريكا)، بين 1968 و2010. وكشفت الدراسة أن 88 من الذئاب المنفردة نفذوا (على الأقل) 198 هجومًا، من إجمالي 11235 حادثة إرهابية.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجاوز إجمالي الهجمات الإرهابية التي نفذها الذئاب المنفردة خارج أمريكا  عدد هجماتهم داخلها لأول مرة، وقد شكلت هجمات الإسلاميين خلال هذه الفترة في هذه الدول 15٪.

ذئاب منفردة – تعبيرية

مُستلهمو داعش

بحسب تقرير صادر في الذكرى العاشرة لـ11 سبتمبر، فإن من المستحيل معرفة ما يفكر فيه كل شخص يحتمل أن يرتكب عملًا إرهابيًا و”بالتالي، فإن التطرف الذاتي يشكل تهديدًا خطيرًا ناشئًا“. وتتغاضى الدراسات عادةً عن تأثير وسائل الإعلام والثقافة الشعبية، مع أنها يمكن أن تزوّد الجاني بمصدر معلومات للتخطيط لهجوم، ويمكن أن تزوده كذلك بالأيديولوجية والتكتيكات الإرهابية.

وورقة القاعدة في شبه الجزيرة العربية: “اصنع قنبلة في مطبخ أمك” كانت مصدر إلهام لعدة مؤامرات لذئاب منفردين بأمريكا منذ ذلك 2011. وفي أواخر 2014 نشر داعش دليلًا إرشاديًا للذئاب المنفردة وآخر لتزويد أنصارها المحتملين بطرق للاختفاء عند الشروع في تخطيط عملية. وتشير الأدلة إلى أنه، قبل هجومهم على سان برناردينو، بحث المنفذون على الإنترنت عن دعاية جهادية وإلهام، وفورًا قبل العملية أقسم أحدهم يمين ولاء لقائد داعش.

والذئب المنفرد قد يؤثر أيضًا في الثقافة الشعبية في شكل من أشكال “التغذية الراجعة“، أي أن يؤثر فيها كما يتأثر بها. ومن أهم أشكال هذه التغذية الراجعة الفيديوهات المنتجة بحرفية. وعندما يتم تحويل القضايا السياسية إلى أعمال عنف، يتحول بعض الذئاب المنفردة إلى قدوة للآخرين ممن يحتمل أن يصبحوا فيما بعد ذئابًا منفردة.

والتحقيقات المباشرة مهمة جدًا في دراسة الظاهرة، ومن أهم نماذجها (تحقيق سيغمان) مع 172 سلفيًا جهاديًا بين التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين، وبعضهم كانوا أعضاء في القاعدة، و(تحقيق إدوين باكر) مع 242 جهاديًا في الاتحاد الأوروبي، و4 دراسات لجماعات إرهابية محلية بأمريكا على 130 إرهابيًا.

مصادر

  • Ramón Spaaij (School of Social Sciences, La Trobe University, Melbourne, VIC, Australia), Understanding Lone Wolf Terrorism, Global Patterns, Motivations and Prevention, Springer, New York, 2012.
  • Mark S. Hamm and Ramón Spaaij, The Age of Lone Wolf Terrorism, Columbia University Press, New York 2017
  • Analysis of Weak Signals for Detecting Lone Wolf Terrorists

Joel Brynielsson, Andreas Horndahl, Fredrik Johansson, Lisa Kaati, Christian M˚artenson, Pontus Svenson, Swedish Defence Research Agency, (FOI), Stockholm, Sweden, 2012 European Intelligence and Security Informatics Conference.

ممدوح الشيخ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى