زواج قسري بأمر القبيلة.. فتيات يفقدن الميراث والحبيب

كانت في العاشرة من عمرها، عندما حاولت شقيقتها الانتحار رفضا لإجبارها على الزواج من ابن خالها، وإبعادها عن جارها الذي أحبته وطرده والدها عندما تقدم لطلب يدها فقط لأنه “ليس من قبيلة الأشراف”. لم تكن شقيقة (آية) – (اسم مستعار) – الحالة الوحيدة التي تتعرض لهذا المصير، فقد كانت الفتاة في صغرها وبداية شبابها شاهدة على إجبار فتيات عائلتها على الزواج بنفس الطريقة، لكنها لم تتخيل يوما أنها ستواجه نفس المصير عندما يحين موعد زواجها.

عند بلوغ (آية) سن العشرين، تعرفت على صديق لشقيقها، واتفقا على التقدم لخطبتها، لكن جاءه الرد مُبكرا بـ”علقة ساخنة” تلقى خلالها تهديدا بالقتل حال الاقتراب من “بنت القبيلة” أو منزلها. وبعد أسبوعين فقط أُجبرت الفتاة على الزواج من ابن عمها. وتقول (آية) لـ”ذات مصر”: “لو لم أتزوج ابن عمي لكنت في عداد الموتى اليوم”.

انتقلت (آية) من نار عائلتها إلى جحيم زوجها الذي حرمها من زيارة أهلها بعد معرفته بارتباطها بصديق شقيقها، وتحولت هذه الحكاية القديمة إلى مبرر لضرب الفتاة والاعتداء عليها من زوجها ومن عائلته.

تروى (آية) جانبا من معاناتها قائلة: “كان يتناوب على ضربي هو ووالدته، وكلما شكوت لوالدي يعنفني قائلا: معنديش بنات تغضب ولا تسيب بيت جوزها، فكنت أنتظر وأتحمل حتى حين”. وفي ليلة من ليالي الضرب المُبرح الذى كان ينتظر (آية) بين الحين والآخر كادت أن تلفظ أنفاسها بين يدي زوجها، فهربت وهى غارقة في دمائها من منزل زوجها إلى خالها الذي أصر على طلاقها إشفاقا لحالها وإنقاذا لها.

لم يكن ذلك نهاية المطاف، وبحسب (آية) لم يكن الطلاق سهلا بل كان بداية لإعادة تدوير المتاعب، فقد عادت الفتاة لمنزل الوالد “القاسي” مرة أخرى، فتعرضت للحبس بالشهور في المنزل، واستمر هذا الحال 3 سنوات، حتى رق لها قلب شقيقها فساعدها على الهرب دون علم والدها والزواج بصديقه الذى تقدم لخطبتها مرة ثانية ورفضه والدها

اليوم، تبلغ (آية) من العمر 27 عاما، وتعيش هي وزوجها وأبناؤها في محافظة قنا البعيدة عن مسقط رأسها، ولا يعرف لها أحد طريقا سوى شقيقها ووالدتها اللذين يتواصلان معها بحرص بالغ كل فترة للاطمئنان عليها فقط، أما والدها فقد وزع الميراث على إخوتها وحرمها من نصيبها، ولا يمكنها الظهور مجددا بين الأسرة للمطالبة بميراثها”.

(آية) وأختها وفتيات العائلة لم يستطعن اختيار شريك حياتهن لأنهن ينتمين إلى قبائل الأشراف التي ينتسب أفرادها إلى نسل النبي (محمد) وفق تعريفهم لأنفسهم، ومن التقاليد الموروثة بينهم حظر زواج فتيات الأشراف من خارج القبيلة، حفاظا على “الدم النقي”.

يرفض نقيب الأشراف، السيد الشريف، الحديث مع “ذات مصر” في هذه القضية الحرجة، بينما أكدت “قبيلة الأشراف بقنا” ، في بيان سابق، أن أبناءها يسيرون على نهج أجدادهم بعدم التزاوج خارج القبيلة، وأنهم يتبعون زواج الكفاءة في تزويج بناتهم، وأضافوا أن جمهور علماء المسلمين اتفق على اعتبار الكفاءة في النسب شرطا لازما للزواج.

سالم عبدالجليل

لكن الشيخ سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، يرى أن إجبار الفتيات على الزواج أمر خاطئ حتى وإن كان “شيخ قبيلة”، لكن منعها من الزواج من غير شريف ليس خطا، لأنها في النهاية عادات قبلية يجب احترامها.

يقول شيخ الأوقاف ذلك بينما “الرضا” عن إتمام الزواج شرط أساسي حدده القانون المصري لصحة عقد القران حسب قانون الأحوال الشخصية رقم ٥٩ لسنة ١٩٥٣.

 

أجرى “ذات مصر” استبيانًا، شمل عينة 21 فتاةٍ من قبيلة الأشراف، جاءت تفاصيله كالآتي:

 

الاستبيان ذاته، أظهر أن 89.5% من الفتيات تم إجبارهن على الزواج من داخل القبيلة، و88.9 أبدوا رفضهن الزواج، ما ترتب عليه ضرب وتهديد وحبس بالمنزل وحرمان من الميراث.

ناقشنا المحامية الحقوقية هبة عادل، رئيس مجلس الأمناء في مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، في قضية إجبار بنات القبيلة على الزواج من رجالها، فقالت إن العادات والأعراف الاجتماعية تكون أحيانا أقوى من القانون، وفي كثير من الأحيان تتحصل الفتيات والنساء على أحكام قضائية ولكن لا يستطعن تنفيذها بسبب طبيعة المجتمع القبلي.

وتضيف أن عدم الاستقلال المادي للسيدات والفتيات في المجتمعات المغلقة، هو السبب الأساسي لخضوعه للقرارات الذكورية، فمن يملك قوته يملك قراره.

زواجي حرم أخوتي من الميراث

(سميرة)- (اسم مستعار) حاولت أن تحصن نفسها مما تعتبره “تخلف القبيلة” بالتعليم الجيد وعدم الانصياع لقرار عمها الذى تولى شئونها بعد وفاة أبيها وهي في الخامسة من عمرها.

وبخلاف فتيات العائلة المكتفيات بالمراحل الأولى للتعليم، واصلت (سميرة) دراستها حتى التحقت بكلية الصيدلة، وهنا تقدم لها ابن عمها لخطبتها فرفضته، لأنه لم يحصل على مؤهل تعليمي، وأثناء الدراسة الجامعية، تعرفت على شاب في السنة الأخيرة من الدراسة، فتقدم لها، لكن عمه رفضه وطالبه بالابتعاد عنها.

(سميرة) تقول عن حكايتها: “رغم إن أمي أيضا من الأشراف، لكن لم يعجبها الوضع وكانت تعلم أن عمى لن يتركني أتزوج من أريد، وأن مصير فتيات العائلة ينتظرها”، ثم فكرت الأم في حيلة تنقذ بها ابنتها فتواصلت مع “طالب الجامعة” وقبلته زوجًا لابنتها واتفقا على إتمام الزواج والسفر إلى بلد عربي بعيدًا عن العائلة.

ولم يكن حرمان (سميرة) من الميراث عقابًا كافيا لها من وجهة نظر عمها، فبعدما علم بما دبرته هي ووالدتها حرم إخوتها من الميراث، ووزع نصيبهم على أعمامهم.

 تقول “سميرة”. وتضيف “أخاف على أمي وإخوتي مما قد يفعله بهم عمي، وأشعر أحيانا أنني كنت أنانية لأنني سبب حرمانهم من الميراث”.

قصة (سميرة) انعكست في نتائج دراسة للباحث بكلية الآداب بقنا، حمزة عبد المطلب عام 2016، بعنوان “الزواج الداخلي في مجتمعات قبلية بصعيد مصر”، شملت البحث عبر 3 قبائل، هم: الأشراف والهوارة والأمارة.

أكدت الدراسة، أن الفتيات اللاتي يتزوجن خارج قبيلتهن لا يتحصلن على الميراث، إضافةً إلى نبذهن ومحاولة قتلهن، ووثق الباحث عملية خطف لرجل من الأشراف قام بها ضد ابنة عمه لنيتها من الزواج من رجل خارج القبيلة.

ومن أبرز أسباب الزواج الداخلي في القبيلة، وفقا للدراسة التي أعدها “عبد المطلب” أن بعض الأسر تهدف إلى تركيز الثروة وعد بعثرتها، وأيضا ظنًا منهم أن زواج الأقارب يكون أكثر ضمانًا وتجنبًا للطلاق.

وأضافت الدراسة أن هناك آثار كثيرة للزواج الداخلي أو القبلي، منها آثار اجتماعية مثل زيادة العنف وجرائم القتل وأخرى صحية مثل ولادة أطفال مصابة المنغولية وأنيميا البحر المتوسط، والصرع وتشوهات خلقية وعيوب في النطق.

من الصعب تحديد نسب آل البيت

ناصر رضوان، مؤسس ائتلاف آل البيت، يقول لـ”ذات مصر”: في العصر الحالي لا نستطيع إثبات الانتساب لآل البيت بسهولة، ولذلك نكاد لا نجد منهم إلا نسبة قليلة جدًا من بين الملايين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى آل البيت.

 ويضيف: كل من هب ودب يذهب لنقابة الأشراف ليستخرج “كارنيه”، يعطونه له ما دام ُيسدد بعض الرسوم، رغم أن النسب النبوي الشريف لا يثبت بهذه البساطة لكل مدعٍ.

أما عن الكفاءة في الزواج فهي ـ حتى إن صح النسب إلى البيت ـ ليست شرطا لصحته إذ يجوز للعربي أن ينكح من العجم، والعجم أن ينكح من العرب وينكح من الموالي.

وعن حرمان الفتيات الآتي يتزوجن من خارج القبيلة من الميراث، يقول: هذا ظلم وتعد، وافتراء على دين الله، فلا يجوز حرمان الأبناء أو البنات من الإرث لهذه الأسباب، ولا يجوز افتعال أحكام شرعية لنسب دون نسب بدون دليل شرعي من القرآن والسنة.

المحامي رضا الدنبوقي

وجهة نظر حقوقية في هذه القضية يقدمها المحامي الحقوقي، ورئيس مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، رضا الدنبوقي قائلًا: إن الأشراف بهذه الطريقة للحفاظ على عادة الزواج القبلي تعتبر جريمة ترتكب تحت بند الحفاظ على العادات والتقاليد والشرف في مجتمعهم، إضافةً إلى أن المجتمع القبلي مجتمع أبوي وسلطوي، المُتحكم به هو الذكر، باعتباره واصيا على النساء، لذا لا يسنح للفتيات اختيار شكل حياتهن.

ويضيف “الدنبوقي” أن الزواج القبلي يخالف نص المادة 53 من الدستور، والتي تمنع التمييز بناء على النوع الاجتماعي، وأيضا مُخالف للاتفاقيات الخاصة بالاختيار والحق في الزواج.

 ويشير إلى أن زواج القبائل يؤدي إلى كوارث كبيرة، ففي محافظة قنا، رصد المجلس القومي للأمومة والطفولة 150 حالة انتحار في عام 2018 فقط بسبب زواج القبائل.

وفقا لـ”الدنبوقي”، فإن الغرض الأساسي من الزواج القبلي، هو الحفاظ على الأملاك وضمان عدم انتقالها خارج الأسرة، ومن ترفض الزواج يتم تهديدها بالقتل أو يحكم عليها وعلى عائلتها بالتهجير أو ما يعرف بـ”التغريبة”، أو يحكم عليها بعدم خروجها مرة أخرى من منزلها، أو يتم تزويجها مجبرة وعدم زيارة أهلها حتى الممات.

ويؤكد “الدنبوقي”، أن الدولة للأسف على علم بما يحدث داخل عائلات الأشراف، ولكنها لا تأخذ موقفا إيجابيا للحفاظ على حقوق النساء، وعلى أجسادهن وحقهن في الاختيار، لذا يجب تطبيق القوانين بصرامة على المخالفين.

 

ارتفاع نسبة الطلاق والعنوسة

الفصول الأولى من قصة (عزيزة) لا تختلف عن فتيات الأشراف اللاتي تربين على قواعد صارمة يضعها الأهل، ولا يجب أن تتخطاها الفتاة بأي شكل.

طُلقت (عزيزة) بعد زواجها من ابن عمها بفترة قصيرة، نظرًا لانعدام التفاهم، وبعد 3 سنوات تقدم إليها شاب من خارج قبيلة الأشراف، ووافق عليه والدها، لكن الخبر شاع بين أبناء العائلة فهددوا الوالد بحرمانه من الميراث، فتراجعت “عزيزة” عن الموافقة حتى لا يحرم أبيها من إرثه، وحرمت نفسها من الزواج حتى اليوم.

أما (إسراء) (22 عامًا) فهى فتاة أخرى من الأشراف، تدرس الصيدلة، تقول لـ”ذات مصر”، إن نسبة العنوسة في قبيلتهم مرتفعة جدًا، لأن معظم الفتيات حاصلات على مؤهلات عالية، على عكس الذكور، وبسبب رفض الأهل زواج الفتيات خارج القبيلة ترتفع نسبة العنوسة.

السيد عوض علي عيسى، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بقنا، يقول لـ”ذات مصر”، إن قبائل الأشراف مازالت مُتمسكة بعاداتها في الزواج، رغم انفتاح بقية القبائل على الزواج من بعضهما.

ويضيف: في حالة قررت الفتاة والأهل الزواج خارج العائلة، فإن الأب إما يتعرض لمضايقات والحرمان من الميراث، أو يُهجَر من بلدته ويذهب للعيش ببناته في مكان بعيد، وفي أحيان كثيرة يصل الأمر إلى القتل والاختطاف.

 

(آية وسميرة وعزيزة وإسراء) 4 فتيات عشن بين عائلات متنوعة في ظروف اجتماعية مختلفة، لكن يجمعهن قبيلة واحدة وهي (الأشراف) التي حكمت تقاليدها عليهن بعدم تطبيق حقوقهن المشروعة، من أجل الحفاظ على “دمهم النقي” وممتلكاتهم، حرموهن من الاختيار وأجبروهن على العيش في مجتمع سلطوي تحكمه قرارتهم الذكورية.

هناك كثيرات غير الفتيات الأربع لهن قصص أشد قسوة، لكن السلطة الذكورية لقبيلتهن تعلو فوق صراخهن، فتكتمه في بيوت مغلقة فلا يسمع صداه أحد.

بمشاركة

فيديوجرافيك

طه حسين

غُلاف

أحمد بيكا

قصــة

إيمان مُنير

صحافية مصرية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram