زوايامختارات

“سجّلْ أنا أمازيغي”.. ممنوعات بطاقة الهوية الليبية: اسمك أجنبي

 

“كأن شمسًا أشرقت بعد ليل لا ينقطع”.. هكذا يتذكر إيراهيم أشمامي، ابن مدينة نالوت الليبية، شعوره عندما رزقه الله بمولوده بعد طول انتظار، لكن الذكريات تأتي بحلوها ومرها، فلا ينسى كيف رفض موظفو مصلحة الأحوال المدنية تسجيل طفله بالاسم الذي اختاره له بحجة أنه “ليس عربيًّا”.

“إبراهيم”، الذي يفضل أن يدعوه الناس بالنطق الأمازيغي لاسمه “براهام”، يرى أنه لم يتغير جديد في ما يتعلق بمنح “أبسط حقوق الأمازيغ في ليبيا بعد أكثر من 9 أعوام على سقوط حكم معمر القذافي، وهو أن يُمنحوا الحق في تسمية أبنائهم بـ”الأمازيغية”.

ولا يزال قانون 24 لعام 2001، الخاص بالأحوال المدنية، ساريًا في ليبيا، وينص على “منع تداول الأسماء غير العربية”، وبمقتضاه  يحظر  تسجيل أي اسم “غير عربي” في السجلات المدنية، ما يعني أنهم لن يمنحوا شهادة ميلاد لاستكمال إجراءات المولود الجديد إذا خالفوا القانون.

مظاهرة للأمازيغ في ليبيا

كفاح لأجل الهوية

أمجد ساسي لا يرى مبررًا لهذا “التعنت”، فيقول إن أسماء الأنبياء نفسها ليست في الأساس عربية (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وغيرهم)، وإن ما خلق الأزمة في الأساس هي رؤية “عنصرية” كانت سائدة طوال السنوات الماضية في بلاده، حسب قوله، فلم يتحقق الكثير في ملف إدماج جميع الطوائف الاجتماعية والعرقية في ليبيا، منذ ثورة فبراير/ شباط 2011، إذ ظلت مسائل “بسيطة” دون حل إلى الآن، مثل عدم قدرة الأب والأم أن يختارا اسم وليدهما.

وفي حالات كثيرة يعيش شخص واحد باسمين، الأول مدون في بطاقة الهوية، والآخر هو الاسم الذي يربطه بعائلته وإرثه الثقافي، والذي يخلق بداخله دائمًا شعورًا بـ”المظلومية”.

هذا ما تشرحه عضوة‏ جمعية “بصمة” للثقافة الأمازيغية والناشطة في المجتمع المدني، أسلين تيميغيست، التي ترى أن الأمازيغ في مواجهة دائمة في بلادهم من أجل نيل حقهم في الاعتراف والعدالة، وترى “أسلين”، التي تفضل دائما الكتابة باللغة الأمازيغية، أن الأمازيغ “خاضوا حروبًا” خلال الفترة الماضية لنيل حقوقهم، وسيظلون كذلك حتى تحقيقها، ولن يتخلوا عن تراثهم وهويتهم، قائلة إنهم لن يقبلوا إلا بـ”دولة الحق والعدالة وتطبيق القانون”.

ويؤيدها في ذلك الناشط السياسي الليبي عثمان بن سعيد، الذي يعيش في القاهرة، ولا يعرفه أصدقاؤه المصريون إلا باسم “أوس”، وهو اختصار للنطق الأمازيغي لاسمه وهو “أوسمان”.

“أوس” يجد أن سلسلة ما تعرض له سكان ليبيا من معاناة على مدى القرون الماضية، ترجع إلى أفكار “الوحدوية” على أسس عرقية معينة، وهو أمر تسبب في معاناة العديد من العرقيات وتهميشها  في “الدول العربية” مثل الأمازيغ أو حتى الأكراد وغيرهم.

أعلام ليبيا وشعار الأمازيغ

“كلنا سواء”

رفض مصلحة السجل المدني تسجيل الأسماء الأمازيغيّة أثار غضب السلطات المحلية في المدن التي تسكنها غالبية من الأمازيغ وعلى رأسها بلدية نالوت، حيث يحاول المجلس البلدي الخاص بها حشد موقف موحد حيال الأمر مع المجالس الأخرى في المدن الواقعة غرب البلاد، وأشهرها الزنتان وزلطن وزليتن وغدامس وزوارة ويفْرِن وجَادُو وغات وأوباري وأوجلة.

وكشف المجلس إرساله ردًّا في 5 صفحات في أغسطس/ آب الماضي، على “موقف” المصلحة، أكد فيه على أن الأمر يمس مجموعة كبيرة من الشعب الليبي، مذكرًا بأهمية تطبيق الحريات العامة التي تؤمّنها القوانين والتشريعات والأعراف، ومنها حرية تسمية الأبناء واستخدام لغتها وثقافتها دون قيد أو شرط، وليس من اختصاص المصلحة التدخل في الأمر، وأشار المجلس إلى أنه ليس من اختصاص الإدارة القانونية في المصلحة صياغة أو مراجعة القوانين المتعلقة بالحريات، لافتًا إلى استناد الإدارة إلى مخاطبة من “مجمع اللغة العربية” يحظر فيها تسجيل الأسماء بلغات أخرى غير العربية.

ووصف المجلس التعنت في تسجيل الأسماء الأمازيغية بأنه “مدعاة للسخرية”، وإعادة لإحياء القوانين البالية العتيقة الموروثة من نظام القذافي، ومنها القانون رقم 24 للعام 2001، الذي يمنع استعمال غير اللغة العربية في جميع المعاملات، وتنص المادة الثالثة فيه على منع استخدام الأسماء غير العربية.

جامعة صبراتة

الأمر لا يقتصر على حرية الأفراد في تسمية أبنائهم، بل إنها كما يصفها بيان المجلس “حدث جلل ومصيبة حلت بفعالية التعايش والتعامل الندّي والمتساوي والسامي” في ليبيا، كما يصفها المجلس، الذي حذر من أن هذه التصرفات “تشق الصف وتبث الكراهية والفتنة والحقد والبغضاء”، بل ذهب إلى أنها “خطر يمس الأمن القومي” ويقوّض التعايش السلمي بين الليبيين.

ويضيف في هذه المسألة: “حماية السلم الأهلي واجب وطني في ظل دولة مدنية، ومفهوم المواطنة والشراكة المجتمعية ضمن التنوع الثقافي، كما أن هكذا قرارات ترمي إلى تشتيت البلاد عبر فتيل العرقية والطائفية، وإشعال نار الفتنة بين الأهالي وهيئة الأجواء الداخلية لمزيد من التدخل الخارجي في الشأن الليبي”.

“كلنا واحد”.. تلك الرسالة التي حاول إيصالها “بلدي” نالوت قائلاً إن المجتمع الليبي “متنوع عرقيًّا وثقافيًّا”، فهناك دعاة الدولة الوطنية والقوميون العرب والأصوليون الإسلاميون والأهالي من الأمازيغ والعرب والتبو والأتراك، ولكل منهم عاداته وثقافته وأسماؤه، وهذه حقوق تضمنتها القوانين والتشريعات واللوائح الوطنية والدولية، مختتما بالاستشهاد بآية من القرآن: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”.

“أمازيغ” وليس “بربر”

لكن الارتباط بين إطلاق وصف واسم “البربر” على “الأمازيغ” يُعد سببًا في شعورهم بـ”التغريب”. يقول أستاذ الآثار والتاريخ القديم في جامعة صبراتة، الأكاديمي الليبي محمد علي عيسى، إن الليبيين القدماء تبنوا اسم أمازيغ كاسم جامع لهم، ورفضوا اسم بربر لأنه من قبيل النعوت الدالة على الهمجية والتوحش، وبالتالي فالاسم الشائع، والذي لا ترفضه أي مجموعة من هذه المجموعات السكانية هو اسم الأمازيغ.

مدينة نالوت في جبل نفوسة التي تسكنه أكثرية من الأمازيغ

أول إشارة إلى قبائل “الأمازيغ” في ليبيا كانت من “هيرودوت”، وفق حديث عيسى إلى “ذات مصر”، الذي أوضح فيه أن المؤرخ الإغريقي عند حديثه عن القبائل الليبية المعاصرة له سمّاها بقبيلة “الماكسيس”، ولم تُذكر قبائل “مازيكس” أو “مازيغ” صريحة إلا بعد ذلك بأكثر من 900 سنة، إذ وردت إشارات كثيرة تحمل هذا الاسم بكل دقة.

ويوضح عيسى أن المصادر السابقة للعصر الإسلامي خالية من لفظ “بربر” كاسم علم، وإن وُجدت ألفاظ مشابهة مثل كلمة “بارباروس”، وتعنى الهمجية والتوحش، وكان الرومان ينعتون بها القبائل الليبية القديمة بسبب رفضها للاحتلال الروماني ومقاومتها له.

ويدلل بأن سكان منطقة المغرب القديم يُعرفون قبل الفتح الإسلامي للمنطقة باسم “البربر”، إذ احتفظوا بهذا الاسم وغرسوه في نفوسهم وعلموه للأجيال اللاحقة، مثل الأكراد والفرس والأتراك، الذين حافظوا على أسمائهم بسبب مضمونها العرقي رغم دخولهم الإسلام وانضوائهم تحت الدولة الإسلامية لقرون عديدة. ويؤكد عيسى على أنه لم يطلَق اسم “بربر” على الليبيين القدماء خلال العصور القديمة وبداية الفتح الإسلامي، بل كانوا يطلِقون على أنفسهم اسم “الأمازيغ” نسبة إلى مازيغ بن كنعان، ويستشف هذه الصفة من خلال الوفد الذي قابل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بعد فتح مصر، حين قدّموا أنفسهم أشاروا إلى أنهم أحفاد مازيغ بن كنعان، وأنهم أصحاب البلاد الواقعة بين خليج العرب، البحر الأحمر، والبحر المحيط، المحيط الأطلسي، ولم يذكروا له أنهم “بربر”.

ورغم عدم الاعتراف بهويتهم، فإن الثقافة الليبية تأثرت كثيرا بالأمازيغية، وفي نواحٍ كثيرة منها ألوان الغناء ومنه الذي يطلقون عليه اسم “ازكرار” ويسميه عرب ليبيا بـ”بوطويل”، فيتضمن قصصًا وروايات لأحداث تاريخية وأدعية دينية وطرائف وغزل وغيره، وهو تدوين للتاريخ بطريقة غير مباشرة، كما تقول الكاتبة الليبية آسيل عمران.

إضافة إلى ذلك، هناك الكثير من المصطلحات التي أصلها أمازيغي في اللهجة الليبية، كما تتخلل العادات الاجتماعية أيضًا ما هو مستمد من الثقافة الليبية، مثل الاحتفال في الأفراح والطقوس الأخرى الخاصة باستقبال شهر رمضان والأعياد الإسلامية، وحتى ما يخص المآتم.

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى