زوايا

سحور بكورال جماعي.. رمضان في السودان: لا للزواج نعم للعبادة

“شهر الصيام هلّ يا ناس الله.. يا صايم يرعاك الله ويا فاطر يهديك الله.. قوم اتسحر.. خاف الله”.. بهذا الموّال المتسامح يجوب الصوفي أزقة الحواري في الليلة السابقة لأول أيام رمضان في السودان مذكرًا بحلول الشهر، منبهًا بالسحور.

رمضان في السودان.. الإفطار في الشارع

رغم الأزمة الاقتصادية الحادة فإن شوارع العاصمة السودانية، الخرطوم، وبقية المدن والأرياف، ما زالت محتشدة بالإفطارات الجماعية كما دأب السودانيون، متمسكين بما يعتقدون أنها تمثل قيمًا تُعرف بهم.

وتمثل الشوارع زينة رمضان في السودان، مفروشةً بالسجاد، يأتيها الصائمون، كل حامل “صينية” من الأطعمة والمشروبات، وشوق التجمع.

تفطر النساء في بيوتهن، بينما الرجال والأطفال يتناولون إفطارهم في الشارع 30 يومًا تقريبًا، بصحبة الجيران والغرباء والعابرين من أبناء السبيل والفقراء.

اقرأ أيضًا: حقيقة صوم رمضان بين المفكرين والفلاسفة

كلما مررت بشارع في السودان، بقرية أو مدينة، ستجد إفطار منصوبًا.. تفضّل مباشرة وإن لم تعرف أحدًا فيه.

علاقات حول المائدة

هكذا تنشأ علاقات اجتماعية حول مائدة الإفطار الرمضاني في السودان.. هذه العلاقات “تفرز مجتمعًا متماسكًا ومتكافلًا”، كما تقول الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم، التي توضح لـ”ذات مصر” أن “وجود الجيران مع بعضهم لساعات يوميًا خلال الشهر يجعلهم يعيدون اكتشاف بعضهم”.

أمّا المائدة التي تجمع هؤلاء، فتتكون عادة من أطباق شعبية خاصة بالسائد سودانيًا، أشهرها التقليّة والنعيمية، إضافة إلى مشروبات مثل حلو مر وقونقليز والكركديه.

طبق التقلية السوداني
طبق التقلية السوداني

لا تمنع إيجابيات هذه الطقوس الرمضانية في السودان من بعض لمحاتٍ سلبية، تعتبرها الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم غير أصيلة في المجتمع السوداني، على رأسها ظاهرة الإسراف، ومع ذلك تلقي مواقع التواصل الاجتماعي الضوء على هذه الظاهرة، وتطلق مبادرات للحد من الإسراف، أو الاستفادة بالفائض في حملات تطوعية للتبرع والكفالة.

مسحراتية وليس مسحراتي

ليست ثمة اختلافات كبيرة بين طقوس السحور في السودان وغيره من الدول، فالمسحراتي ما يزال موجودًا، وإن انحسر دوره وتقلصت مساحة حركته في الريف أو أحزمة الأحياء الفقيرة حول المدن.

ما يميز السودان في هذا الصدد أن المسحراتي يأخذ طابعًا كوراليًا جماعيًا، حيث يُشكل صبية الحي فِرقًا تتكون من أربعة أو خمسة أشخاص، يؤدون أناشيد جماعية وهم يضربون على الطبل وينفخون المزامير لحثّ الناس على القيام للسحور.

لا تتجاوز أعمار معظم المسحراتية العشرين.. وتشيع على ألسنتهم مدائح نبوية ومواويل موروثة، مثل: “يا صايم وحّد الدايم”.

كما طور المسحراتية في أدائهم وأدخلوا آلات موسيقية مثل الساكسفون، وطوروا كذلك في كلمات مواويلهم ونداءاتهم، فصنعوا من كلمات تقليدية مسجوعة، جملًا لحنية كاملة، مثل: “شهر الصيام هلَّ يا ناس الله.. في كتاب الله يا ناس الله”.

وعندما تحل العشر الأواخر من شهر رمضان، تنشد فرق المسحراتية نشيد الوداع: “شهر الصيام أوحشتنا.. بعد ما عودتنا”.

وهكذا يبدو دور المسحراتي السوداني جماعيا، فالغناء جماعي والرقص جماعي، كما الإفطار جماعي.

من ذلك يستنتج الباحث في التراث الشعبي السوداني، عباس الأمين، أن السمة الغالبة للمجتمع السوداني هي الجماعية، لذا لن يكون المسحراتي استثناءً، بل إن استثناءه في السودان أنه جماعي.

رمضان في السودان بلا مناسبات

تشهد ليالي رمضان في السودان نشاطًا للفعاليات الثقافية والرياضية والترفيهية.. تمتلئ الأندية والمقاهي بلعب الورق والشطرنج، وتلتئم المنتديات الأدبية بجلسات السمر والغناء.

في المقابل، يخلو رمضان في السودان من المناسبات الاجتماعية، وعلى رأسها الزواج، وفقًا للباحثة الاجتماعية سامية الجاك، يعود ذلك لاعتقاد عرفي بأن المناسبات الاجتماعية المعتادة، مثل الزواج والختان أيضًا كطقس احتفالي، لا تتناسب مع ماهيّة رمضان كشهر للعبادة، حتى لو طُبع بالسمر وأنشطة الترفيه الأخرى.

رمضان في السودان
تسمى الجمعة الأخيرة في رمضان بالسودان بـ”الرحمتات”

وتظهر سمة “شهر العبادة” في العشر الأواخر من رمضان، خاصة ليلة 27، التي يعتقد غالبية المسلمين أنها “ليلة القدر”.. فتمتلئ المساجد حتى مطلع الفجر ويسود صوت القرآن والدعاء.. يتكثّف شهر رمضان، أو ما يعنيه في العقل الجمعي السوداني كشهر للعبادة في ليلة 27.

اقرأ أيضًا: أصل الحكاية.. فانوس رمضان

ثم يكون يوم الجمعة الأخير في رمضان سوودانيا متميزًا بإحياء ذكرى الموتى، ليعرف هذا اليوم بيوم “الرحتمات”.

وفي هذا اليوم يذبحون الذبائح ويقيمون الولائم للعامة، وهي غير تلك المخصصة للفقراء، بل يدعون إليها الجميع بمن فيهم الميسورون، ثم ينخرط الجميع بعد هذا الإفطار (إفطار الرحمتات) في الدعاء وإنشاد الابتهالات.

لكن لماذا “الرحمتات”؟

تذهب الباحثة سامية الجاك إلى أن هذه الكلمة مشتقة من “الرحمة تأتي”.. مضيفة: “في الأيام الأخيرة من الشهر الكريم تتحول البيوت السودانية إلى خلايا نشطة، إذ تبدأ الاستعدادات الخاصة لتحضير حلوى العيد، وتنشغل النساء في عمل الكعك والبسكويت، وغالبا ما يتم صنعها منزليا بشكل جماعي”.

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى