سياسة

سد النهضة على طاولة مجلس الأمن.. مصر لم تخسر بعد

في تطور جديد تابعه العالم بشأن أزمة سد النهضة، خاصة بعد إعلان إثيوبيا البدء في عملية الملء الثاني بشكل أحادي؛ عقد مجلس الأمن الدولي، يوم الخميس الماضي، جلسة للوصول إلى قرار بهدف فض النزاع.

وعلى الرغم من انتهاء الجلسة دون صدور أي قرار بشأن الأزمة، لا تزال القضية على طاولة المجلس فيما يبدو لجوءًا أخيرًا لحل الأزمة قبل تصعيد محتمل في القضية.

مشروع تونسي

في إطار تلك التحركات، قدمت تونس مشروع قرار يدعو إثيوبيا إلى التوقف عن ملء خزان السد. وبحسب وكالة فرانس برس، اقترح المشروع التونسي أن يطالب مجلس الأمن كل من إثيوبيا ومصر والسودان، استئناف المفاوضات بناءً على طلب رئيس الاتحاد الأفريقي والأمين العام للأمم المتحدة، من أجل الوصول إلى اتفاقية ملزمة لملء السد وإدارته خلال ستة أشهر، على أن تتوقف عمليات الملء خلال هذه الفترة.

وفقًا للمشروع، فإن الاتفاقية يجب أن تضمن قدرة إثيوبيا على إنتاج الطاقة الكهرومائية من السد، دون التسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالأمن المائي لدولتي المصب السودان ومصر.

اقرأ أيضًا: حوار| أستاذ جيولوجي: أكثر من 10 عوامل تنذر بانهيار سد النهضة

ودعا مشروع القرار الدول الثلاث إلى تجنب أي إعلان أو إجراء من المحتمل أن يعرض عملية التفاوض للخطر، مطالبًا إثيوبيا الامتناع عن الاستمرار في عملية الملء من جانب واحد.

جلسة أولى بلا قرار

في الجلسة التي عقدت أمس الأول الخميس، لم يصدر أي قرار بشأن مشروع القرار التونسي، إلا أن وفود باقي الدول الأعضاء في مجلس الأمن شددوا على دعمهم للوساطة الأفريقية في الأزمة.

سد النهضة الإثيوبي
عمليات إنشاء سد النهضة الإثيوبي

وأعلنت الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وعددها 15 دولة، ضرورة إعادة المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي من أجل الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يلبي احتياجات الدول الثلاث، ويهدف إلى تخفيف التصعيد الذي يؤثر على المنطقة.

من جانبه، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمته أمام مجلس الأمن، إن “مصر تواجه خطرًا وجوديًا بسبب السد”، مؤكدًا أن القاهرة “ستضطر لحماية حقها في البقاء” حال إصرار إثيوبيا على موقفها بخصوص السد.

عودة غير مجدية للتفاوض

يصف طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، ما حدث في مجلس الأمن بأنه دعوة إلى التفاوض، ما اعتبره فهمي “أمر غير مجدي”، معللًا: “الاتحاد الأفريقي استوفى مفاوضاته دون نتائج”، مضيفًا: “رئيس الاتحاد، وهي الكونغو، لم تطرح أي رؤية جديدة، بالتالي يحتاج الأمر إلى بعض الوقت، هل العودة للاتحاد الأفريقي هو الخيار أم لا؟”.

واستطر فهمي في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”: “هناك احتمال آخر بتحرك الإدارة الأمريكية بالتعاون مع دول أوروبية لوساطة جديدة، إلا أن هذا الأمر لا يزال غير واضحًا”.

الدكتور طارق فهمي

وأضاف فهمي: “حتى الآن ليس هناك أي مستجدات يمكن أن يبنى عليها الموقف المصري تجاه ما جرى، والحديث عن أي مفاوضات جديدة يجب أن يشتمل على عدة نقاط أبرزها الإطار الزمني المحدد، ودور جديد للوسطاء”، مشيرًا إلى أن الجميع أبدى نواياه بلعب دور الوسيط، لكن ليس تحت مظلة مجلس الأمن، بالتالي يبقى الوسطاء بمجهود فردي وليس جماعي.

تخويف إثيوبي لمجلس الأمن

وقال أستاذ العلوم السياسية، إن إثيوبيا قامت بتخويف دول مجلس الأمن لأن هناك أزمة شبيهة بينهم تعرف باسم الأنهار والمجاري المائية، حيث إن المندوب الإثيوبي أشار إلى أن ذلك من الحتمل أن يحدث لديهم.

بدوره علّق محمود سلامة، الباحث بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، بنفيه أن تكون “جولة مجلس الأمن هذه قد وصلت إلى نهايتها”.

وفي حين ذهب البعض إلى أن سيناريو العام الماضي يتكرر من جديد، وأن كلمات مندوبي الدول الأعضاء أنهت الجلسة بلا فائز أو خاسر، يرى سلامة أن هناك اختلافًا جوهريًا عما حدث العام الماضي، يتمثل في تقديم تونس مشروع قرار يتضمن وقف الملء الثاني لخزان السد.

الباحث محمود سلامة
الباحث محمود سلامة

وفي اتصال هاتفي لـ”ذات مصر”، قال سلامة: “اتفقت معظم كلمات مندوبي الدول الأعضاء على نقطة واحدة أو أكثر من النقاط التي تضمنها مشروع القرار التونسي، بل عرضت بعض الدول تقديم المساعدة وتبادل الخبرة في إدارة الأنهار الدولية، أو استغلال تواجد مندوبي الدول الثلاث أطراف الأزمة في نيويورك لعقد جلسة من المفاوضات القصيرة وتقريب وجهات النظر كي لا يكون هناك حاجة للتصويت على مشروع القرار”.

غير أنه عاد ليؤكد أن هذه الجهود قد لا تمثل فارقًا إذا استمرت إثيوبيا في رفضها لطرح القضية أمام مجلس الأمن باعتبارها تمثل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

الأمر لم ينته بعد

وأكد سلامة أن الأمر لم ينتهِ بانتهاء كلمات مندوبي الدول في مجلس الأمن، موضحًا: “لا تزال هناك لقاءات في أروقة مجلس الأمن تستمر حتى الإثنين القادم أو أبعد من ذلك”.

وفي حال تأكد الفريق العربي من دعم تسع دول على الأقل لمشروع القرار التونسي، فسوف تقدم تونس طلبًا للتصويت عليه، على أن تتم عملية التصويت بحلول الجمعة القادمة.

يدفع ذلك للتساؤل: ما هي فرص تمرير القرار؟ يجيب سلامة أنه بالاستناد إلى التحركات المصرية السودانية التي سبقت الجلسة، ونصوص كلمات الدول الأعضاء، وكذا المؤتمرات الصحفية التي تلت الجلسة، يتضح ما يلي:

  • تمكنت مصر من عرض رؤيتها لأبعاد الأزمة وطرق التعامل معها لمعظم مندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن قبل انعقاد الجلسة.
  • باتت مخاطر التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي في ملء خزان السد، وضاحة تمامًا بعد كلمة المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والتي أكدت تأثير التغيرات المناخية على مدى حدة الفيضانات والجفاف في حوض النهر حتى عام 2040.
  • أدركت الدول الأعضاء في مجلس الأمن مدى خطورة نشوب صراع حول المياه في منطقة القرن الأفريقي، وأكدت على ضرورة تجنب وقوع ذلك.
  • شدد وزير الخارجية سامح شكري على ضرورة أن يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته من خلال “الدبلوماسية الوقائية”، والتي تشير في مضمونها إلى اتخاذ مجلس الأمن ما يلزم من إجراءات لمنع نشوب صراع، أو منع الخطوات التي من شأنها أن تهدد حياة الشعبين المصري والسوداني، وإلا يكون المجلس قد تخلى عن مسؤولياته، وهو ما يجعل كل الخيارات مفتوحة.
  • شددت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، على وحدة الصف المصري السوداني في مواجهة محاولات إثيوبيا التفريق بينهما، وأن مخاوف الدولتين مختلفة في درجاتها ولكن الموقف واحد.
  • بالرغم من إصرار إثيوبيا على التعامل مع قضية سد النهضة على أنها قضية تنمية محلية، إلا أن انعقاد مجلس الأمن للمرة الثانية بشأنها أكد اقتناع المجتمع بأنها قضية تتعلق بالسلم والأمن وليست تنموية فقط.

3 سيناريوهات رئيسية

وعليه يطرح سلامة ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة:

  1. ألا تتمكن مصر والسودان وتونس من الوصول إلى تسع دول داعمة للقرار، ولا يتم طرحه للتصويت من الأساس.
  2. أن يُطرح مشروع القرار للتصويت ويتم تمريره.
  3. أن تستخدم إحدى الدول دائمة العضوية حق النقض (فيتو) لوقف تمرير القرار إذا ما وافقت عليه تسع دول.
مجلس الأمن

اقرأ أيضًا: رهانات آبي أحمد في الانتخابات الإثيوبية.. سد النهضة للاستهلاك المحلي

واختتم سلامة تعليقه قائلًا، إن هناك فرصة لتمرير القرار التونسي بنهاية الأسبوع القادم، خاصة أن القرار “يراعي مخاوف الدول المعنية، بما فيها إثيوبيا نفسها”.

وأشار الباحث في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إلى أن مشروع القرار التونسي، يضمن توليد الكهرباء كما تستهدف إثيوبيا، كما أنه لا يتضمن أي عمل عقابي أو يمس سيادة أي من الدول الثلاث.

مشروع القرار أيضًا، ووفقًا لسلامة، يؤكد مبدأ الحلول الأفريقية لقضايا القارة، من خلال استمرار المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي كما جاء في كلمات عدد من مندوبي الدول الأعضاء. لكنه في الوقت نفسه يحث الأطراف الدولية الأخرى على لعب دور أكبر في التوصل لاتفاق.

في النهاية، يبقى كل ذلك مرهونًا بالتحركات المستمرة داخل أروقة مجلس الأمن خلال الأسبوع القادم، وكذلك بمدى جدية الدول الكبرى في أن تضطلع بدورها لوقف التهديدات، ومنع نشوب صراع في المنطقة “قد لا يتحمل العالم تبعاته”، كما قال سلامة.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى