وجهات نظر

سد النهضة والحرب العادلة

 تدور علامات استفهام كثيرة حول الموقف المصري من سد النهضة الإثيوبي، خاصة وأن الدولة المصرية لن تفرط في أي جزء من أمنها المائي، فهي مسألة وجود ومصير، وتنطلق تلك الأسئلة من كون الدولة المصرية إلى الآن تنتهج أسلوب المفاوضات، وأوراق الضغط السلمية مع خطورة الموقف العالية، وعدم احتمال الرمادية في القرارات.

لكن الذي يدرس نهج الدولة المصرية الإقليمي والدولي منذ نشأتها، سيدرك الإجابة على تلك التساؤلات.

مصر تحترم القانون الدولي، وتعرف كيف تتعامل من خلاله مع قضاياها الإقليمية والدولية، وقد ناضلت من خلاله لاسترجاع كامل أراضي سيناء بعدما حررت الجزء الأكبر خلال حرب أكتوبر المجيدة، وتكللت جهودها بالنجاح حينما رُفع العلم المصري على طابا في عام 1982م.

ورغم إدراك مصر أن هناك مشاكل جمة تحكم السياق الدولي، وتعرقل إقرار العدالة فيه وإنفاذ القانون، وأن القوى الدولية تستخدم نفوذها دائما ضد تحقيق تلك العدالة، إلا أن الدولة المصرية تؤمن أنه يمكن من خلال المساحات المتاحة توفير مناخ جيد لاسترجاع الحقوق بطرق دبلوماسية تعزز الثقة في القانون الدولي، وتنشر روح التعاون المثمر بين دول العالم، وهذا لا يعني على الإطلاق عدم إيمان مصر بالقوة كسبيل شرعي للحفاظ على الحقوق واسترجاعها، وتعزيز الأمن القومي عند استنفاد الطرق السلمية والدبلوماسية والقانونية، لكنها تسير وفق خطوات راسخة مبنية على الأخلاقيات العامة، ومبدأ التعاون، وتحقيق المصلحة والبعد عن الطيش والتهور، فتستنفد كل الحلول المتاحة قبل أن تتجه للحرب لتعطي شرعية قانونية وأخلاقية لأفعالها على الصعيد الدولي، وتمنح لنفسها إذا اضطرت للحرب مبررًا يضع الخصم في الزاوية، ويحرمه من الغطاء الأخلاقي والقانوني.

وعلى عكس دولا كثيرة في المنطقة مؤخرا، عملت مصر بذلك النهج في كل الملفات الإقليمية والدولية التي تخص أمنها القومي، فلم تتدخل تدخلا فجا في أمور دول أخرى، ولم تنخرط في صراع مسلح لا يحمل مبرراته الشرعية والأخلاقية، ولم تساوم في ذات الوقت على مصالحها وأمنها القومي، فتحلت بضبط النفس إلى أقصى درجة، مع التحرك على جميع الأصعدة لتحقيق أهدافها، في حين فشلت تركيا وحلفاؤها في سوريا والعراق وليبيا فشلا ذريعا.

نجحت مصر عبر اللعب بالأوراق السلمية وخريطة التحالفات في ملفي ليبيا وغاز المتوسط، وأخضعت ببراعة الإرادة التركية ومن يقف خلفها لحدود الأمن القومي المصري وعدالة تحركه.

كان هذا مدخلا لا بد منه لتقييم الموقف المصري من قضية سد النهضة، لنفهم آلية عمل الدولة المصرية على الصعيد الإقليمي والدولي، وقبل أن نحلل معطيات ذلك الموقف، لا بد هنا أن نشير إلى الأساس الذي نبني عليه تحليلنا، فالبعض يغيب عنه منطق الحرب، ويرى أنها فقط تقوم على مبدأ القوة، وينكر ما يمكن أن يطلق عليه “أخلاقيات الحرب” أو “الحرب العادلة”، فدعونا نلقي نظرة سريعة على تطور هذا المفهوم وعلاقته بالسياق الدولي الذي تدور فيه الصراعات والمواقف الدولية.

 

اقرأ أيضا: نهاية سنوات التناغم: توتر العلاقات الأمريكية الإثيوبية.. وسد النهضة في الحسبان

مفهوم الحرب العادلة

منذ ظهور البشرية تطورت أشكال الحرب، ونمت الصراعات متعددة الأهداف والأشكال، وكان السؤال الفلسفي الأبرز حول الحرب يكمن في شرعيتها وعلاقاتها بالأخلاق، وتطور عبر هذا التفكير الأخلاقي الذي تزعمه كل من “أرسطو” و”سيسيرو” و”أوغستن” مفهوم جديد يسمى بـ “الحرب العادلة”.

وتشير بعض الدراسات إلى سبق مصر القديمة إلى هذا المفهوم ضمن ما ورد من نقوش في هذا الصدد، ويشمل ذلك المفهوم ثلاث مسارات رئيسية، هي العدالة في دوافع الحرب، والعدالة أثناء الحرب، والعدالة بعد الحرب، ويمكن إيجاز دوافع الحرب العادلة في الآتي:

1-   القضية العادلة: وتتضمن حق الدفاع عن النفس والمواطنين، وحق توفير الحاجات الأساسية.

2-   حسن النوايا: ويتضمن تصحيح النوايا والتجرد للقضية العادلة، دون تدخل الأطماع في قرار الحرب وما يعقبه من قرارات.

3-   استنفاد الخيارات: فيجب في هذا الصدد استنفاد كل الحلول السلمية والدبلوماسية المتاحة قبل اللجوء إلى الحرب كحل أخير.

4-   ضمان النتيجة: يجب أن تدرس الدولة كل العواقب والسيناريوهات قبل أن تقدم على قرار الحرب، وأن تضمن نتيجتها من مبدأ تغليب المصلحة.

5-   الموازنة بين مكاسب الحرب، وما سينتج عنها من ضحايا وآثار.

ويمكننا أيضا إيجاز مبادئ الحرب العادلة التي تشمل الدوافع والممارسات معا:

1-   لا يمكن شن حرب عادلة إلا كملاذ أخير. يجب استنفاد جميع الخيارات السلمية قبل تبرير استخدام القوة.

2-   الحرب تكون فقط إذا شنتها سلطة شرعية. حتى القضايا العادلة لا يمكن خدمتها من خلال الإجراءات التي يتخذها الأفراد أو الجماعات الذين لا يشكلون سلطة يقرها المجتمع.

3-   لا يمكن خوض حرب عادلة إلا لتصحيح ما عاناه من خطأ. على سبيل المثال ، يُنظر دائمًا إلى الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح على أنه سبب عادل (على الرغم من أن عدالة السبب ليست كافية – انظر النقطة رقم 4). علاوة على ذلك ، لا يمكن خوض حرب عادلة إلا بالنوايا “الصحيحة”: الهدف الوحيد المسموح به للحرب العادلة هو إصلاح الضرر.

4-   لا يمكن أن تكون الحرب عادلة إلا إذا تم خوضها مع وجود فرصة معقولة للنجاح. الوفيات والإصابات الناجمة عن سبب ميؤوس منه لا يمكن تبريرها من الناحية الأخلاقية.

5-   الهدف النهائي للحرب العادلة هو إعادة إحلال السلام. وبشكل أكثر تحديدًا ، يجب أن يكون السلام الذي نشأ بعد الحرب أفضل من السلام الذي كان من الممكن أن يسود لو لم يتم خوض الحرب.

6-   يجب أن يكون العنف المستخدم في الحرب متناسبًا مع الضرر الذي لحق به. يحظر على الدول استخدام القوة غير الضرورية لتحقيق الهدف المحدود المتمثل في معالجة الضرر الذي لحق به.

7-   يجب أن تميز الأسلحة المستخدمة في الحرب بين المقاتلين وغير المقاتلين. المدنيون ليسوا أهدافًا للحرب مطلقًا ، ويجب بذل كل جهد لتجنب قتل المدنيين. لا يمكن تبرير قتل المدنيين إلا إذا كانوا ضحايا لهجوم متعمد على هدف عسكري لا مفر منه.

الموقف المصري في قضية سد النهضة

يمكننا الآن أن نبدأ في تحليل الموقف المصري من قضية سد النهضة ونحن نضع في اعتبارنا دوافع وآلية عمل الدولة المصرية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وصلت التوترات بين مصر وإثيوبيا إلى نقطة الغليان في يوليو 2020، على إثر بدء ملء خزان سد النهضة، على خلفية سنوات من المحادثات غير المثمرة في محاولة لصياغة تفاهمات، وأشهر من المناقشات المتسارعة بين جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي ، والتي أثارت الدهشة حتى الآن.

بالنسبة لمصر فهذه قضية استراتيجية “وجودية” ذات معاني عملية ورمزية، مما يجعل من الصعب القبول بفكرة أن مصر ستخضع في نهاية الأمر للواقع الذي تحاول إثيوبيا من جانبها.

سد النهضة هو مشروع ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية بدأت إثيوبيا في بنائه في عام 2011 باستثمارات بمليارات الدولارات. في مناخ خلافي من دول حوض النيل، وعلى رأسها مصر والسودان.

هناك عدد من القضايا: على مستوى المبادئ – مسألة الحق التاريخي في مياه النيل وعواقبه القانونية؛ وعلى الصعيد العملي، الذي يهدد مصر بحرمانها من جزء كبير من حصتها المائية التي تمثل لها شريان الحياة والوجود، وتهدف مصر إلى إبطائه إلى 12 عامًا، بينما تهتم إثيوبيا بتسريع وتيرة ملئه إلى ثلاث أو أربع سنوات. كما تطالب مصر بقواعد لملء السد في السنوات المتوقفة والتزامات واضحة  من قبل إثيوبيا بعدم اتخاذ إجراءات أحادية من طرفها، فضلاً عن آلية ملزمة ومتفق عليها لحل النزاعات المستقبلية، والتي ستمنع إثيوبيا من ممارسة التفرد على إدارة مياه النيل.

 تجسد قضية السد المشحون المصالح المتضاربة حول استغلال الموارد المائية الحيوية للأمن القومي للبلدين. إثيوبيا مهتمة بسرعة بناء السد وملئه لأسباب اقتصادية وأسباب تتعلق بالبنية التحتية بشكل أساسي. من المفترض أن تحل مخرجات السد مشاكل الكهرباء وتحسين إمدادات مياه الشرب والري في البلاد.

من المتوقع أن يولد السد حوالي 6500 ميغاواط من الكهرباء سنويًا، ويسمح بتنظيم مياه النيل الأزرق لصالح الزراعة الإثيوبية، مما سيمكنها من مواجهة موجات الجفاف المتكررة في البلاد. لذلك فإن الحكومة الإثيوبية تلقي بظلالها على مخرجات السد، وتأمل أن تمكنها من تجاوز عقبات كبيرة في تنمية البلاد ، التي يبلغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة، ومن المتوقع أن تتجاوز 200 مليون بحلول عام 2050.

 مصر التي يبلغ عدد سكانها أيضًا أكثر من 100 مليون نسمة، تعاني من نقص حاد في المياه حتى قبل ملء السد. كما أنها في سبيل ذلك طرحت التعاون مع إثيوبيا  حتى تحققا المعادلة المطلوبة من تنمية وأمن مائي.

 في الوقت نفسه، تعمل مصر على خلق أدوات ضغط عربية وأفريقية على إثيوبيا. وأصدرت الجامعة العربية بيانا  دعت فيه إثيوبيا إلى الامتناع عن ملء السد من جانب واحد، مشيرة إلى أن “الأمن المائي لمصر والسودان جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي”. بالإضافة إلى ذلك ، تحاول مصر الاقتراب من جيران إثيوبيا بما في ذلك جنوب السودان والصومال، ووفقًا لتقارير مختلفة تشارك في أنشطة سرية تهدف إلى جعل إثيوبيا تنظر إلى المصالح المصرية بعين الاعتبار.

وتدعو مصر إلى تحويل أزمة السد إلى فرصة لإقامة شراكة إقليمية مع إثيوبيا والسودان وتعزيز  التعاون في حوض النيل بما يلبي تطلعات إثيوبيا لتسريع التنمية في مجالات الاقتصاد والطاقة والزراعة دون المساومة على مياه النيل.

 تتماشى هذه الرؤية مع محاولة مصر أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، وتتضمن أفكارًا  لدول المنطقة بطريقة تسمح ببيع الكهرباء المصرية إلى إثيوبيا.

 وفي مقال نشر في يونيو 2020 في صحيفة الأهرام المصرية، أوضح الدكتور محمد فايز فرحات، رئيس وحدة البحوث الآسيوية في المركز المصري للدراسات الاستراتيجية، عقيدة الرئيس السيسي السياسية في هذا الصدد:

قد تصبح الموارد الإقليمية موضوع تعاون وليس موضوع نزاع. ينعكس هذا الرأي بوضوح في موقف مصر حول سد النهضة الإثيوبي، والغاز في شرق البحر المتوسط. فيما يتعلق بالمسألة الأولى، لا يزال السيسي يعتقد أن السد يمكن أن يكون بمثابة فاتحة للتعاون الإقليمي، بشرط أن يلتزم الطرفان بعدم الانتهاك المتبادل. فيما يتعلق بالقضية الثانية، فقد نجح بالفعل في بناء شبكة تعاون إقليمي حول الغاز. وهكذا يتضح لنا أن الدولة المصرية وعلى رأسها القيادة السياسية تسعي بكل الطرق للنجاح في مسعاها للحفاظ على أمنها المائي وتعزيز حضورها الإقليمي وأمنها القومي، وهي تقدم في البداية النوايا الحسنة والطرق التفاوضية وتستنفد الحلول الممكنة مع التلويح بالقوة إن لزم الأمر. لتحقق معادلة القوة العادلة التي تسعي للسلام والتعاون من غير تهاون أو تفريط.

أ.د. طارق محمد عبد الغنى

أستاذ الميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى