سياسة

“اللي يجرب يجرب”.. خيارات مصر مع الملء الثاني لسد النهضة

“بقول للناس كلها محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر، واللي عاوز يجرب يجرب، إحنا مش بنهدد حد وعمرنا ما هددنا وحوارنا رشيد جدًا وصبور جدًا، لكن محدش هيقدر ياخد نقطة مياه من مصر”، بهذه الكلمات خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، اليوم، متناولًا أزمة سد النهضة الإثيوبي، خلال مؤتمر صحفي في قناة السويس، على خلفية نجاح جهود تعويم السفينة الجانحة.

وأضاف الرئيس المصري: “محدش يتصور إنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا، عمري ما اتكلمت كده ومبهددش حد، مياه مصر لا مساس بها، والمساس بها خط أحمر، وهيبقى رد فعلنا في حالة المساس بها أمر هيأثر على استقرار المنطقة بالكامل”.

الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد

مستمرون في ملء السد!

أتت كلمات السيسي بعد تحرك دراماتيكي في قضية السد الإثيوبي، حيث أبلغت أديس أبابا الولايات المتحدة الأمريكية بالمضي قدمًا في عملية الملء الثاني للسد، فقال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، إن بلاده أبلغت المبعوث الأمريكي للسودان، دونالد بوث، بمضي إثيوبيا في الملء الثاني، وأنها جزء من عملية بناء سد النهضة.

أوضح مفتي خلال مؤتمر صحفي، أن نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية، دمقي مكونين، أجرى محادثات وصفها بـ”الناجحة” مع المبعوث الأمريكي، تناولت فرص مساهمة الولايات المتحدة في دفع عملية مفاوضات سد النهضة المتعثرة، وفقًا لإعلان المبادئ الموقع بين البلدان الثلاث.

ووفقًا لما نقلته شبكة سكاي نيوز، فإن مكونين أطلع كذلك المبعوث الأمريكي على حاجة إثيوبيا في الاستفادة من مواردها للتنمية، وأن أكثر من 60% من الإثيوبيين لا يحصلون على الكهرباء، مشيرًا إلى تأكيدات مكونين التزام بلاده بالقوانين الدولية المنظمة للأنهار العابرة للدول، وعدم إلحاق أي ضرر بدول المصب من بناء سد النهضة.

وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية على أن “حل الخلافات يجب أن يكون بالمفاوضات، وأي تغيير في آليات المفاوضات يجب أن يكون حسب إعلان المبادئ”.

اتفاق قانوني ملزم

قبل أسبوع، كان الرئيس عبدالفتاح السيسي، أكد على ضرورة التوصل “في أقرب وقت ممكن” لاتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة، “بعيدًا عن أي منهج أحادي يسعى إلى فرض الأمر الواقع وتجاهل الحقوق الأساسية للشعوب”، كما قال.

وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره البوروندي، إيفاريست ندايشيمي، أشار السيسي إلى التعاون القائم بين البلدين في مجال الموارد المائية والري، والجهود المشتركة لتعظيم الاستفادة المستدامة من موارد نهر النيل، مؤكدًا على رؤية مصر “لجعل نهر النيل مصدرًا للتعاون والتنمية، كشريان حياة لجميع شعوب دول حوض النيل”.

وقبل أسبوع، قال وزير الري المصري محمد عبدالعاطي، إن القاهرة لن تقبل الإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا في سد النهضة.

وأضاف عبدالعاطي، في تصريحات صحفية، أن سد النهضة الإثيوبي، وتأثيره على مياه نهر النيل، يُعتبر أحد التحديات الكبرى التي تواجه مصر حاليًا، خاصة في ظل الإجراءات الأحادية التي يقوم بها الجانب الإثيوبي، مشيرًا إلى إجراءات أديس أبابا المتمثلة في ملء وتشغيل سد النهضة، مؤكدًا أن ما ينتج عن هذه الإجراءات من تداعيات سلبية ضخمة “لن تقبلها الدولة المصرية”.

نفس التداعيات السلبية التي تقع على مصر بسبب ملء وتشغيل السد، ينتظرها السودان أيضًا، فما الحلول أمام بلدي المصب إذا ما بدأت إثيوبيا في المرحلة الثانية لملء السد؟

صلاح حليمة: التوجه نحو مجلس الأمن

وفقًا للسفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، يشهد الوقت الحاضر تحركًا دوليًا من خلال الموقف المصري والموقف السوداني، في ما يتعلق بالوساطة الرباعية، كما أن هناك تحركات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

“أعتقد أنهم أجروا اتصالات مع مصر والسودان وإثيوبيا في محاولة لحلحلة الموقف، والتوصل لاتفاق قانوني ملزم قبل بدء عملية الملء”، يقول حليمة، معتقدًا أن كل هذه الجهود كانت بضغوط دولية أو رباعية، أو بالتحرك الثنائي الأوروبي الأمريكي.

يأمل حليمة أن تأتي هذه التحركات بنتائج إيجابية لتفادي الأضرار المتوقعة من بدء عملية الملء الثاني المخالفة لاتفاق المبادئ المشتق من القانون الدولي.

إذًا، بهذه الطريقة “تواصل إثيوبيا مخالفة إعلان المبادئ ببدء ملء المرحلة الثانية، وتخالفه في المادة العاشرة، لأن الوساطة أحد الآليات الواردة في المادة العاشرة من إعلان المبادئ الموقع عليه من رؤساء الدول الثلاثة”، وفقًا لحليمة.

وعن الحلول البديلة، يشير حليمة، في حديثه لـ”ذات مصر”، إلى اللجوء إلى مجلس الأمن من قبل مصر والسودان، باعتبار الضرر الواقع عليهما. ويلفت حليمة أيضًا إلى إمكانية اعتبار التحركات الأحادية من إثيوبيا بمثابة “عدوان”، يمكن اللجوء فيه للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المعني بحق الدفاع الشرعي عن النفس.

لكن لماذا لم تلجأ مصر للآن إلى مجلس الأمن؟ يجيب صلاح حليمة: “لا يزال لدينا أمل بأن تُقبل الوساطة، وأن تعدل إثيوبيا من موقفها، وأن تتفهم أن التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع، فيه مخالفة لإعلان المبادئ، وفيه مخالفة للمواثيق والاتفاقيات الدولية”.

يضيف حليمة: “التحرك نحو مجلس الأمن قرار سيادي، سواء لمصر أو السودان. لكن أعتقد أن هناك توافق في الرأي بينهما بشأن ضرورة تجنب أي ضرر جسيم، وتجنب رفض التصرفات الأحادية، وفرض الأمر الواقع. في هذه الحالة أعتقد أنه لا بد أن يكون هناك تفكير للدفاع عن النفس وتجنب هذه الأضرار بكافة الوسائل والطرق”.

محمد عبدالكريم: حسم التحرك العسكري المصري في يونيو

وهناك توقع لا يزال قائمًا، يتمثل في التوصل لاتفاق ملزم قبل موعد الملء الثاني. هذا التوقع، وفقًا لمحمد عبدالكريم، الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، يرتبط بعدم قدرة نظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، على تحمل مزيد من الضغوط الداخلية، خاصة في إقليمي أوروميا وأوجادين، وصعوبة نكوص القوات المسلحة السودانية عن استكمال حملتها لاستعادة أراضيها المحتلة من قبل جماعات الأمهرا المسلحة شبه النظامية، والمدعومة بشكل غير مباشر من قوات الجيش الإثيوبي الفيدرالي.

لكن ماذا قد يحدث إلى لم يتحقق ذلك؟ يتوقع عبدالكريم وصول القاهرة آنذاك لـ”نقطة ضرورة حسم موقفها وتعويض التسويف الإثيوبي المستمر في هذا الملف، لاسيما مع ما يبدو من عدم وجود الدعم الكافي من بعض الدول الخليجية لمواقف القاهرة، وفض الأخيرة ارتباطها مع أدوار القوى الخليجية في القرن الأفريقي”.

لذا، يعول عبدالكريم، إذ ذاك على تدخل قوي للقاهرة في الملف كخيار أخير فقط، مع تمسك القاهرة بالمسار الدبلوماسي الذي يتوقع أن يحقق اختراقًا في الأسابيع المقبلة، مع ارتهان ذلك بثبات الموقف السوداني الأخير.

الانتخابات الإثيوبية المرتقبة في الخامس من يونيو القادم، “ورقة مشروطية إثيوبية مهمة لنظام آبي أحمد”، وفقًا لعبدالكريم، موضحًا: “سيعول آبي أحمد على تجاوز الانتخابات، ثم إعادة ترتيب ملفاته الإقليمية، وهو مسار لا يتوقع تحققه على النحو الذي تخطط له أديس أبابا لاعتبارات تزايد الرفض الداخلي لهذه الانتخابات على النحو الذي يروج له آبي أحمد وحزبه”.

وعلى الرغم من صعوبة إقدام القاهرة على تحرك عسكري لمواجهة تهديد سد النهضة، فإنه قد يكون الحل الوحيد المتاح أمامها. هذا الحل، بحسب عبدالكريم، سيحسم الموقف منه وفق مؤشرات ما بعد الخامس من يونيو.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى