بعد التصعيد دوليًا

الخيارات المطروحة أمام مصر في أزمة سد النهضة

في اللحظة الراهنة تعيش الدولة المصرية جملة من التحديات الخارجية، سواء كان من الناحية الغربية ممثلة في ليبيا والصراع الدائر هناك، أو من الناحية الجنوبية وتحديدًا التهديدات القائمة من قبل إثيوبيا تجاه نهر النيل.

وإزاء تلك الأحداث، تسعى مصر بكل ما أوتيت من قوة للحيلولة دون المساس بأمنها القومي بشتى تنويعاته وخاصة المائي، وهو ما جعل الجانب المصري رغم تبنيه خطابًا هادئًا يراعي الأطر الدبلوماسية وينأى بنفسه عن التصعيد اللفظي وخطابات التشنج التي لجأت إليها إثيوبيا في ظل تعنتها المتواصل الذي برز بقوة في الآونة الأخيرة.

وعلى الرغم مما صرح به وزير الخارجية المصري “سامح شكري” مؤخرًا من أن الموقف التفاوضي الأخير لإثيوبيا لا يبشر بنتائج إيجابية؛ إلا أن مصر لا تزال حتى اللحظة متمسكة بالخيار التفاوضي، وتُبدي مرونة كبيرة في تعاطيها مع هذا الملف، واضعةً نصب عينها “إعلان المبادئ”، وهو ما خلق تضامنًا غربيًّا لافتًا مع الموقف المصري، خاصة من قبل الولايات المتحدة بالإضافة إلى الصين، الأمر الذي دفع مصر للجوء إلى مجلس الأمن الدولي لوقف الغطرسة الإثيوبية.

وتُشكل السودان ورقة هامة في سياق الصراع القائم مع الجانب الإثيوبي، إذ يقف كل من الجانبين المصري والسوداني في خندق واحد، ويضعان مصلحة شعبيهما وأمنهما المائي فوق كل شيء، خاصة مع إعلان إثيوبيا أحادي الجانب البدء في ملء السد تزامنًا مع حلول شهر يوليو المقبل الذي يتزامن مع موسم الأمطار في إثيوبيا.

“ذات مصر” أجرى حوارًا مع الأكاديمي المصري وكبير الخبراء في الشأن الإفريقي “حمدي عبدالرحمن”، حول جملة من القضايا والإشكالات التي تكتنف مشهد السد الإثيوبي، وأين تقف مصر في اللحظة الراهنة؟.. وإلى نص الحوار:

خريطة موقع السد
لماذا فشل الثلاثي (مصر، والسودان، وإثيوبيا) في التوصل إلى اتفاق حول سد النهضة؟

بعد انهيار المفاوضات التي تمت برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي في أواخر فبراير الماضي، تقدم السودان بمبادرة مهمة للعودة إلى مائدة التفاوض وحسم الجزء اليسير المتبقي بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وذلك من أجل تخفيف حدة التصعيد في لغة الخطاب الإعلامي والسياسي بين كلٍّ من أديس أبابا والقاهرة.

لقد كان الموقف المصري، كما تم التعبير عنه في رسالة وجهتها القاهرة لمجلس الأمن الدولي في أوائل مايو، حاسمًا، حيث تم النظر إلى خطة إثيوبيا لبدء ملء خزان السد خلال بدء موسم الأمطار في يوليو باتفاق أو بدون اتفاق على أنه “يشكل تهديدًا خطيرًا لسلام وأمن المنطقة”، وشددت مصر على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل بين الدول الثلاث.

وسارت الخرطوم على الدرب نفسه، ورفضت في 12 مايو التوقيع على “اتفاق جزئي” للمرحلة الأولى من ملء السد والذي اقترحته أديس أبابا.

وفي مؤتمر بالفيديو كونفرانس، في 21 مايو، وافق رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”، ورئيس الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك”، على استئناف المفاوضات الثلاثية على المستوى الفني بين وزراء المياه.

ورحّبت مصر على الفور بهذه الخطوة، وبالفعل عقد وزير المياه السوداني “ياسر عباس”، في 25 مايو، اجتماعات منفصلة مع وزيري ري كل من مصر وإثيوبيا لمناقشة ترتيبات استئناف المفاوضات، بيد أن هذه الجولة الأخيرة باءت هي الأخرى بالفشل.

بعد الاطلاع على تصريحات وزراء الري في الدول الثلاث، يتضح أنه لا يوجد اتفاق على الإطار التفاوضي، ولو في حده الأدنى، ولذلك جاءت التصريحات متناقضة وكأن كل وفد يفاوض نفسه.

أكدت مصر على فشل المفاوضات، حيث لم يتحقق تقدم يذكر في كافة الجوانب بسبب رفض إثيوبيا الطابع الملزم لأي اتفاقٍ يتم التوصل إليه، كما أنها تتحدث عن قواعد إرشادية للملء الأول والتشغيل السنوي للسد، وإمكانية تعديلها بإرادتها المنفردة في أي وقت.

كما رفضت إثيوبيا الالتزام بأي إجراءات للتخفيف من الجفاف، والنقطة الأخيرة تمثلت في رفضها وجود آلية دائمة للتحكيم، ومع ذلك ظل باب المفاوضات مفتوحًا من خلال إحالة الملف لرؤساء الوزارة في الدول الثلاث. وعليه، وجدت مصر نفسها تعود للمربع التفاوضي الأول، ولكن هذه المرة بصحبة السودان التي ترفض قيام إثيوبيا بالملء الأول دون اتفاق.

سد النهضة الإثيوبي
ما الخيارات المطروحة أمام المفاوض المصري، أو هل هناك سيناريوهات للخروج من الأزمة؟

لا يزال الخيار التفاوضي من خلال التوفيق بين مصالح الأطراف الثلاثة هو الأفضل، وهناك أطراف دولية كثيرة -مثل: الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وحتى مجلس الأمن القومي الأمريكي- تدفع في هذا الاتجاه، لكن الأمر بحاجة إلى إرادة سياسية من الدول الثلاث، حيث يمكن التغلب على كافة المشكلات الفنية.

ومع ذلك، توجد أمام المفاوض المصري خيارات أخرى تتمثل في: ممارسة مزيد من التصعيد بتدويل النزاع فضلًا عن خيار مجلس الأمن، باعتبار أن التصرف المنفرد لإثيوبيا يهدد السلم والأمن في الإقليم.

في هذه الحالة قد يسعى المجلس إلى التوفيق والتدخل وفقًا لنصوص الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، بيد أنه لا يستطيع اتخاذ قرار ملزم إلا من خلال إعمال نصوص الفصل السابع، وهذه عملية معقدة بسبب وجود الدول الخمس الأعضاء في المجلس، واختلاف الأجندات والمصالح للدول الكبرى.

وفي اعتقادي فإن هذا الخيار غير حاسم ويستغرق وقتًا، وإنما يكون اللجوء إليه لممارسة مزيد من الضغوط على المفاوض الإثيوبي، والعودة مرة أخرى إلى مائدة المفاوضات.

ويُمكن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، بشرط موافقة إثيوبيا على إحالة الملف للتحكيم الدولي وفقًا لقاعدة القبول الاختياري للاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية.

ومع ذلك، يمثل القانون الدولي بشأن ما يُسمى “الموارد المشتركة” إشكالية كبرى، حيث تتطلب اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية من كل دولة تشترك في حوض تصريف نهر دولي المشاركة في استخدامه وتطويره وحمايته، ولكن هناك منطقة رمادية، تترك الاتفاقية لكل دولة الحق في التفاوض بشأن ما تعتبره عادلًا ومعقولًا.

بالإضافة إلى ذلك، تواجه محكمة العدل الدولية، وهي الأداة القانونية الوحيدة في النظام الدولي بخصوص هذه المسألة، تحديات كبيرة على النحو الوارد في ميثاق الأمم المتحدة. فمؤخرًا، حكمت المحكمة لصالح كلٍّ من فيتنام وتايوان والفلبين وإندونيسيا وبروناي وماليزيا ضد الصين، ولكن ظلّ الحكم حبرًا على ورق، حيث رفضته الصين بشدة.

كما تنظر المحكمة حاليًّا النزاع البحري بين كينيا والصومال، ولكن التوقعات ضعيفة، وأزمة سد النهضة لن تكون مختلفة في هذا السياق: مضيعة للوقت وفرض لحقائق مادية على الأرض.

وكما هو معروف فإن فشل الحلول السياسية والقضائية يفتح الطريق أمام مسار آخر معقد وبالغ التكلفة لكافة أطراف النزاع وقد ينتهي بالسيناريو الأسوأ وهو الخيار العسكري، والخيار الأخير على الرغم من كلفته الباهظة إلا أنه مؤقت، حيث يمكن عودة بناء السد مرة أخرى وإغلاق أي نافذة للحوار مع تبعات ذلك السلبية على مجمل العلاقات مع دول الإقليم في القارة الإفريقية.

ومع ذلك فإن كل الخيارات تصبح متاحة أمام صانع القرار في حالة الدفاع عن الأمن القومي، ولا سيما إذا كانت المسألة وجودية تتعلق بمصير أمة كما في حالة مياه النيل.

المسار السلمي الوحيد والمقبول يتمثل في ضرورة الاعتراف بمخاوف الأطراف الأخرى. لقد اعترفت مصر والسودان بحاجة إثيوبيا الملحة لتوليد الكهرباء من أجل مشروعاتها التنموية المحلية، ونحن بحاجة إلى إرادة سياسية لإحراز اختراق مهم يؤدي إلى التوصل لصفقة عادلة.

ينبغي أن تقدم أديس أبابا مقترحات تفصيلية حول إجراءات التخفيف السنوي من الجفاف في مختلف الظروف الهيدرولوجية، أو تأخذ بعين الاعتبار مخاوف دولتي المصب، بما في ذلك كيفية إدارة فترة سنوات الجفاف الممتد.

وعلى الرغم من أن إثيوبيا رفضت في الماضي فكرة تقديم تعهدات مسبقة تأخذ في الاعتبار ظروف السدود والخزانات في السودان ومصر؛ إلا أنها تقول إنها على استعداد للانخراط في تنسيق سنوي لتحديد كيفية تلبية احتياجات تلك السدود خلال فترة التدفق الأقل من المتوسط.

كما ينبغي كذلك وجود درجة من المرونة بسبب تغير المناخ، وتزايد الاحتياجات المائية ومشاريع التنمية، وعليه يجب على أديس أبابا الاتفاق على آلية للتنسيق وتبادل المعلومات. إضافة إلى ذلك، يمكن لإثيوبيا زيادة الكمية التي تتعهد بإطلاقها في سنوات الجفاف، وتكون أيضًا على استعداد لتقليل سعة الخزان إلى حجم أقل خلال سنوات الجفاف الممتدة قياسًا بحجم سعته في السنوات السابقة.

رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد
إلى أي حد تذهب القيادة السياسية الإثيوبية نحو توظيف مشروع السد لحل مشكلاتها الداخلية؟

الداخل الإثيوبي بالغ التعقيد والتشابك، ويواجه اليوم أزمة دستورية خانقة بعد تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا لها أغسطس المقبل، واعترضت أحزاب المعارضة الرئيسية على قرار التأجيل، ولا سيما الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي التي أعلنت أنها سوف تمضي قدمًا في إجراء الانتخابات الإقليمية لديها في موعدها المقرر، بل وتعالت أصوات القوميين المتطرفين الذين يطالبون بانفصال الإقليم.

ومع ذلك، يظل موضوع السد مشروعًا وطنيًّا يوحد الفرقاء السياسيين، بل إنه يُستخدم ويُوظف سياسيًّا من جانب النخب الحاكمة في المركز والأقاليم. وعليه، لا يختلف موقف “آبي أحمد” عن موقف منافسه “جوهر محمد” في إقليم الأورومو من قضية سد النهضة، وبالتالي يمكن حدوث اختراق بعد التحلل من عبء الانتخابات في حال فوز “آبي أحمد” في الانتخابات القادمة التي قد تعقد في العام المقبل.

هل يمكن أن يؤدي ممولو السد، في حال التواصل معهم، دورًا إيجابيًّا كوسطاء بين مصر وإثيوبيا للوصول إلى مقاربات حول ملف سد النهضة؟

على الرغم من نجاح الحملة الحكومية الإثيوبية لجمع التبرعات وشراء السندات الخاصة ببناء السد، فإن مساهمة الإثيوبيين في الداخل والمهجر تظل محدودة بسبب طبيعة المناخ السياسي في إثيوبيا، وتقدم الحكومة الصينية نسبة كبيرة من التمويل الدولي للبنية التحتية للطاقة الكهرومائية، والصين تحتفظ بعلاقة متميزة مع كل من إثيوبيا ومصر، وهو ما يعني إمكانية التواصل معها لتيسير التوصل لاتفاق .

ما فرص الدول العربية التي تربطها علاقة جيدة مع إثيوبيا في دعم مصر في موضوع سد النهضة؟

قد تكون تلك الدول، إذا توافرت الإرادة السياسية، إحدى أوراق الضغط على الجانب الإثيوبي، وقد لجأت مصر إلى الدعم السياسي العربي وحصلت عليه، بيد أن الدعم العربي سلاح ذو حدين، حيث تلجأ إثيوبيا إلى استخدام الدعاية المضادة من خلال رفع شعار حلول “إفريقية لمشكلات إفريقية” وهو الشعار الذي استندت إليه في رفض وساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي، والتأكيد على أهمية وجود وسيط إفريقي.

مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي
ما تقييم مصر لموقف الاتحاد الإفريقي من الأزمة؟

لا يتلاءم غياب الاتحاد الإفريقي في مفاوضات النهضة مع أجندة 2063 التي تهدف إلى تحقيق الرخاء الجماعي والتنمية المستدامة في إفريقيا.

ففي مارس 2019، شجع مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الدول الأعضاء على إيجاد حلول سلمية، لكن المجلس فشل منذ ذلك الحين في مناقشة النزاع. وبعد فشل مباحثات واشنطن، أصدر المفوض العام للاتحاد الإفريقي “موسى فقي” بيانًا يحثّ الأطراف الثلاثة على استئناف المفاوضات الفنية وعرض وساطة الاتحاد، ويُظهر ذلك عدم تصميم الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء فيه على التدخل بشكل حاسم في هذا النزاع رغم شعار “الحلول إفريقية لمشاكل إفريقيا”.

ومع ذلك فإنه وفقًا لتقدير الحكومة المصرية فإن الاتحاد الإفريقي ليس لديه تاريخ في التوسط في القضايا الحساسة، وأن السياسة المتبعة في مجلس السلم والأمن تعني أن الدول الأعضاء غالبًا ما تمتنع عن وضع قضايا صعبة ومعقدة على جدول أعمال المجلس. فأي “خطوة خاطئة وغير محسوبة” قد تؤثر على حياد الاتحاد الإفريقي وقبوله من قِبل بعض الدول الأعضاء. وفي كل الأحوال، شهدت الجولة الأخيرة من المفاوضات وجود مراقب من جنوب إفريقيا التي تشغل حاليًّا منصب رئاسة الاتحاد الإفريقي.

هل هناك أوراق يمكن أن توظفها مصر للضغط على إثيوبيا؟

في اعتقادي أنه حال فشل المسارات التفاوضية والقانونية يكون أمام صانع القرار خيارات أخرى متاحة تبرر استخدام كافة أوراق الضغط المتاحة، ومع ذلك ليس من مصلحة أحد اللجوء إلى ذلك، سواء داخل الإقليم أو خارجه، والقوى الخارجية تحث إثيوبيا على إبرام اتفاق، فقد أكد مجلس الأمن القومي الأمريكي ضرورة التوصل إلى اتفاق قبل قيام إثيوبيا بالملء الأول.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search