سرّ السعادة عند شوبنهور

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

يعتبره كثيرون من أبرز فلاسفة التشاؤم، وهذا صحيح إجمالًا؛ إلا أن “شوبنهور” رغم كل شيء يظل الفيلسوف الأكثر قدرة على تعليمنا فن السعادة. ليس هناك من مفارقة، وسنرى.

الشقاء واقع، و”السعادة مجاز”، هكذا يقول “شوبنهور” الذي -بتأثير من أفلاطون وكانط- يدرك أن المجاز يحيل إلى قوة العقل وقدرته على بناء الواقع. ويدرك أن الواقع ليس سوى أثر انعكاس الأشياء على الحواس والعقل واللغة والثقافة، ما يعني أن لا وجود للواقع في ذاته إلا خارج الإدراك. أما الواقع الذي نعرفه وكما نعرفه فلا يوجد خارج الإدراك تمامًا، بمعنى أنه لا يوجد خارج المفاهيم، والتصورات، واللغة، واللا شعور الجمعي، ومقولات الزمان والمكان، وما إلى ذلك.

هكذا تكون السعادة مجازًا بالفعل، بيد أنها مجاز بليغ الأثر على مآلات العيش ومصائر الحياة. ليس من المبالغة في شيء أن نعتبر “شوبنهور” أكثر فيلسوف راهن على أن السعادة ممكنة، وجعل لأجل تحقيقها شروطًا واضحة المعالم، بوسعنا أن نبسطها وفق استيعابنا للفكرة، طالما أنّ ما يصدق على الواقع يَصدُق على الأفكار أيضًا؛ إذ لا وجود لفكرة في ذاتها، بل الفكرة هي كما نستوعبها، وسيكون ذلك على النحو التالي:

الشرط الأول– الإقرار بالخيبة:

لا يكمن مصدر حزن الإنسان المعاصر في أن الحياة صارت فجأةً بلا معنى؛ بل يكمن منبع حزنه في أنه صار ذكيًّا بما يكفي لكي يدرك أن الحياة هي أصلًا بلا معنى، غير أنه لم يتقبل الفكرة في مستوى القناعة الوجدانية، مع أنه مقتنع بها في مستوى الإدراك العقلي، بمعنى لم يستوعبها كما ينبغي. إن الشرط الأول للسعادة هو الاعتراف بأن الخيبة جذرية ونهائية، والاقتناع بالتالي بأن “هذه الحياة ما كان عليها أن تكون” (فن العيش الحكيم). غير أن هذه الفكرة لا تبعث على الحزن إلا حين لا نتبناها كما ينبغي، طالما هناك مبدأ يقول إننا لا نستمتع باللعب إلا حين ندرك أننا نلعب من أجل لا شيء، بمعنى نلعب من أجل اللعب. كذلك هي الحياة التي لا نستمتع بها إلا حين نفهم بأننا نعيشها من أجل لا شيء، بمعنى نعيشها من أجل العيش.

الشرط الثاني– ممارسة التأمل:

يرى “شوبنهور” أن “الحياة مليئة بالمتاعب والضيق، بحيث إما أن نعلو عليها بواسطة الأفكار التي يتم تصويبها، أو علينا أن نغادرها” (العالم إرادة وتصورًا – الكتاب1). فلا مناص من أن نحاول أن نعلو عليها، لكن كيف؟ حسب “شوبنهور” بوسعنا القيام بنوع من “المسح الكلي للحياة ككل عن طريق العقل، وهو امتياز للإنسان على الحيوانات، يمكن مقارنته بمخطط هندسي مجرد، بلا لون، يختزل الحياة. بالتالي يكون الإنسان مقارنة بالحيوان مثل بحّار يعرف بدقة، بواسطة خارطة وبوصلة وأداة قياس الارتفاع، طريقه وموضعه في البحر، مقارنة بالطاقم الجاهل الذي يرى فقط الأمواج والسماوات. وبناء عليه تجدر ملاحظة كيف أن الإنسان إلى جانب حياته الملموسة، يعيش حياة ثانية مجردة. في الأولى هو متروك لكل عواصف الواقع ولسطوة الحاضر؛ عليه أن يصارع، يعاني، ويموت كالحيوان. غير أن حياته المجردة، كما تَمْثُلُ أمام وعيه العقلاني، هي الانعكاس الهادئ لحياته الملموسة، وللعالم الذي يعيش فيه” (العالم إرادة وتصورًا – الكتاب1). إن كنت تعيش حياة خالية من الألم والملل فأنت سعيد جدًّا، وإن كنت تعيش حياة تتخللها لحظات قليلة من الألم والملل فأنت سعيد إلى حد معقول، وإن الوظيفة الأساسية للعقل لهي التقليص من الألم والملل. يتم التقليص من الملل وتحجيمه عبر الحيوية التي يبعثها العقل بنحو دائم وفي كل الظروف، يقول: “فالحياة العقلية لا تقي صاحبها من ويلات الضجر فحسب، بل ومن عواقبه الوخيمة” من قبيل الإدمان والقمار والتفاهة (فن العيش الحكيم).

الشرط الثالث– الاكتفاء بالذات:

ما معنى الاكتفاء بالذات؟ يقول “شوبنهور”: “السعيد هو الذي يكتفي بذاته، ويملأ عليه غناه الداخلي كل حياته” (فن العيش الحكيم). ذلك أن “كل واحد من بني البشر سيُترك في النهاية ليواجه نفسه، ويرفدها بأفضل وأجود ما لديها. وكلما تعود الواحد منا على هذه الطريقة في العيش، واعتاد العثور في ذاته وبوتيرة تصاعدية، على مصادر وموارد متعه، فإنه سيحقق حتمًا سعادته” (فن العيش الحكيم). غير أن الاكتفاء بالذات يتطلب توفر شرطين أساسيين:

– عدم المبالغة في الاختلاط، بحيث “كلما تضاءلت حاجة الإنسان للآخرين، وميله لمعاشرتهم؛ زادت حظوظه لملاقاة ذاته والتصالح مع نفسه” (فن العيش الحكيم). ذلك أن “الحدّ من دائرة العلاقات يُساهم في الحد من الشقاء” (فن أن نكون سعداء).

– عدم المبالغة في تقدير آراء الآخرين، حيث إن كل “من تمادى في المبالغة في تقدير آراء الناس وأحكامهم صار عبدًا لها، تفعل به ما تشاء وتعبث به كما تشاء” (فن العيش الحكيم). “إن المبالغة في تقدير آراء الآخرين هو من الخرافات واسعة الانتشار في العالم كله. وبصرف النظر عما إن كانت لها جذور في الطبيعة البشرية، أو متجذرة في العوائد الحضارية والمجتمعية؛ فمن المؤكد أنها تؤثر تأثيرًا في السلوك البشري على نحو يهدد سعادة الإنسان. ومظاهر هذا التأثر بآراء الناس تختزلها اللازمة الكلامية التي تتردد على الألسن: وماذا سيقول الناس؟” (فن العيش الحكيم).

الشرط الرابع– الاكتفاء الذاتي:

ليس “شوبنهور” بالفيلسوف المثالي الذي يعتقد أن الاشتغال على الذات كافٍ في كل أحواله لأجل تحقيق السعادة، ذلك أنه واعٍ كل الوعي بأن الفقر يمثل خطرًا كبيرًا على صحة كينونة الإنسان وجودة حياته. لذلك يحتاج العيش الحكيم إلى نوع من الاكتفاء الذاتي ماليًّا، والذي يتحقق عبر طريقين متكاملين:

– توفير ثروة أو دخل يضمن قدرًا من الاستقلال والتفرغ. وفي هذا الصدد، يؤكد “شوبنهور” أن امتلاك ثروة يجعلك مستقلًّا وسيد وقتك بالفعل (فن العيش الحكيم).

– القناعة بالقليل. يشرح ذلك بالقول: “إن القناعة بالقليل تجعلك أسعد الناس” (فن العيش الحكيم)، طالما “الثروات مثل ماء البحر، بقدر ما نشرب منها بقدر ما نعطش” (فن أن نكون سعداء). أساس الشقاء حسب “شوبنهور” هو اليأس والإحباط، فإن العلاج الفعال هو أن يخفض المرء سقف مطامعه ومطامحه إلى أقل الحدود الممكنة، يقول: “إن المجهود الذي يبذله الإنسان للرفع من سقف مطامعه ومطامحه هو مصدر كل مشاعر السخط والاستياء التي تخالجه” (فن العيش الحكيم).

الشرط الخامس– التمسك بالحاضر:

هكذا يفهم “شوبنهور” الحكمة العملية: “الابتهاج في كل الأوقات بالحاضر، بقدر ما يمكن. هذه هي الحكمة العملية” (فن أن نكون سعداء).

في كل الأحوال، يتميز عزاء “شوبنهور” عن عزاءات الرواقيين السابقين بأنه خالٍ من المسكنات والأوهام، لا يقبل أن ينخدع، ولا يقبل أن يخدع المعزّى بادعاء وجود معنى للحياة، بل يفترض ابتداء أن افتقاد الحياة للمعنى قد يكون الشرط المناسب لأجل التقليص من مشاعر الحزن والأسى. ذلك أن المنبع الأكبر للشقاء الإنساني يكمن في الاعتقاد بأن الحياة تندرج ضمن تخطيط محكم ينجزه عقل جبار وطيب، أو إرادة كونية خيرة، وكل ما في الأمر أني لست محظوظًا بما يكفي، أو تعيسَ الحظ غالبًا، أو ملعونًا، أو مشئومًا، أو مغضوبًا عليه، سواء لسبب أعرفه أم لا أعرفه. ومن هنا تنشأ كل أشكال السخط والأسى والذنب والتذمر، وبالتالي يتفاقم الشقاء الإنساني.

ليس للسعادة من شرط آخر حسب “شوبنهور” سوى تقبل الوجود كما هو، قاسيًا كما هو، ناقصًا كما هو، فانيًا كما هو، قائمًا على الخيبة الجذرية كما هو في النهاية.

من شأن تقبل الخيبة الجذرية أن يخفف عنا من شدة الملل حين نمل، ومن حدّة الألم حين نتألم، ومن وطأة الحنين حين نحنّ، ليس لأنّ الحياة موجودة لكي نعبرها كما يقول “شوبنهور”، بل لأنها موجودة لكي نعيش كل لحظة من لحظاتها بكل الكثافة الممكنة مثلما يقول أحد أبرز حكماء العيش في الفلسفة المعاصرة، “فريدريش نيتشه”. ذلك أننا لا نعيش الحياة إلا حين نعيشها لحظة بلحظة، بمعنى نعيش الحياة كأننا نلعب.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram