رياضة

سر ماكينات بايرن ميونخ.. البروفيسور “بوريش” مرّ من هنا

طالما أنك هنا، فهناك احتمالان.. الأول هو أنك مشجع لنادي بايرن ميونخ، وهنا علينا أن نهنئك على ما حصده فريقك من بطولات خلال الموسم الماضي، بعدما اكتسح منافسيه بلا رحمة.. أما الثاني فهو أنك مشجع ﻷحد هؤلاء المنافسين بدوري أبطال أوروبا، وهنا لا نملك ما نقدمه لك سوى التعازي.

وفي الموقفين، لا بد أنك مندهش من الحالة البدنية التي ظهر عليها العملاق الألماني، وتمكُّنه من إحكام قبضته على الخصوم.. وسبب الاندهاش لا يعود لشراسة تلك الحالة فحسب، ولكن ﻷنها مفاجئة وغير متوقعة أيضا، بعد توقف النشاط الرياضي بسبب تفشي وباء كورونا.

فبمجرد العودة من التوقف، بدت كتيبة المدرب “هانزي فليك” كالقطار الذي لا يمكن إيقافه، إذ يركض اللاعبون كالوحوش، ويفوزون بالصراعات الثنائية بكل قوة، ويمارسون ضغطا هستيريا لا يتوقف على مرمى الخصوم.. كل ذلك لم يكن وليد الصدفة، إنما نتاج خطة عمل مُحكمة خضع لها رفاق “مانويل نوير” تحت قيادة “البروفيسور”.

شكرا يوب هاينكس

يوب هاينكس
يوب هاينكس

هذا البروفيسور ليس بطل المسلسل الشهير La Casa de papel، إنما هو المدرب هولجر بوريش، رئيس طاقم الإعداد واللياقة البدنية داخل بايرن ميونخ.

يعمل البروفيسور بين جدران النادي منذ عام 2014 وتولى قبلها نفس المنصب رفقة “باير ليفركوزن”، وهناك أعجب الأسطورة “يوب هاينكس” بدقته في العمل، وكذلك دراسته للعلوم الرياضية بصورة مستمرة، وإيمانه بدور البيانات في كرة القدم.

في “ليفركوزن”، أدار هولجر بوريش أول معمل رياضي يؤسسه نادٍ في ألمانيا، وقد اهتم المعمل برصد كل تفصيلة بدنية تخص اللاعبين، بداية من متابعة قوة الجسم وضغط الدم وقت التدريب، حتى الاستجابة البدنية لكل لاعب في درجات حرارة مختلفة، وتحسين الأداء عن طريق امتصاص الأكسجين بشكل أسرع.

لم يكن كل هذا العمل رائجا في مجال التأهيل البدني في أوائل الألفية، لذلك حين اطلع عليه “يوب هاينكس”، سعى لضم البروفيسور الذي يديره لـ”بايرن ميونخ”.

اقرأ أيضًا: مانويل نوير.. صار الأفضل لأنه ذهب للتمرين متأخرًا !

في الظل قبل كورونا

هولجر بوريش
هولجر بوريش

يبدو أن هولجر بوريش لم يُخيّب ظن هاينكس، إذ حافظ على منصبه داخل النادي لسنوات، بل وازدادت صلاحياته مع تولي يوب نفسه الإدارة الفنية خلال موسم 2017/2018، حتى بات يقود فريقاً من المعدين والمختصين.

وعلى الرغم من تلك الثقة المتزايدة التي نالها هولجر بوريش، فإن الضوء لم يُسلّط على عمله في السنوات الفائتة. والسبب يرجع لاعتياد الجميع فوز البافاري بالبطولات المحلية، وبالتالي لا يلتفت كثيرون لما يحدث داخله إلا حين يتوّج بدوري الأبطال.

المفاجأة أن فرصة هولجر بوريش لإبراز عمله جاءت في ظروف معقدة للغاية تتعلق بالتوقف الذي هدد استكمال الموسم الماضي بسبب الجائحة، وهنا صارت كل أجهزة الإعداد البدني حول العالم أمام تحدٍ صعب يواجهونه لأول مرة، لكن المُعد الألماني سيحول هذا التحدي إلى قصة نجاح مدهشة.

استوديو هولجر بوريش

هولجر بوريش
هولجر بوريش

نحن الآن في نهاية فبراير 2020.. أوروبا بالكامل تدخل حجرا صحيا بسبب انتشار وباء كورونا.. تتوقف كل مباريات كرة القدم، وتخلي الأندية المقرات وساحات التدريب من العاملين.. أصاب ذلك الكثير من الأجهزة التدريبية بالارتباك، خاصةً مع غموض مصير البطولات المحلية والأوروبية.. لم يكن جهاز بايرن أحد تلك الأجهزة المرتبكة، ﻷن البروفيسور هولجر بوريش شرع في التعامل مع هذا الظرف الطارئ.

لم يستنزف الوقت، وقرر سريعا الاعتماد على التدريب السيبراني Cyber Training، وهو توجيه اللاعبين ومتابعة حالتهم عن بُعد من خلال استخدام شبكة الإنترنت.

تعاون هولجر بوريش بعد ذلك مع مساعديه على تصميم خطة عمل متكاملة تستمر ﻷسابيع بآليات واضحة وفعّالة لقياس مدى جودة التدريب.. وما أن انتهى من تصميمها عرَضها على المدرب هانزي فليك، الذي وافق عليها على الفور لثقته في عمل هولجر بوريش.

خطة هولجر بوريش

هولجر بوريش
هولجر بوريش

الخطوة الأولى في الخطة كانت تجهيز استوديو داخل المركز التدريبي للنادي، ليتمكن فليك رفقة البروفيسور من متابعة عملهم.

احتوى الاستوديو على شاشات تنقل بثّا مباشرا يجمعهما باللاعبين في منازلهم، حيث يطلب منهم هولجر بوريش القيام بتدريبات بدنية معينة.. مع شاشات رقمية أخرى ترصد حالة اللاعبين خلال كل تدريب، وتسجل بيانات كل لاعب يستخدمها بوريش للوقوف على مستوى كل منهم بدنيا.

الخطوة الثانية كانت عبارة عن إرسال المعدات التدريبية إلى منازل عناصر الفريق، لتوفير مناخ يمكن من خلاله أداء اللاعب التمرين بصورة تشبه ما كان عليه بالمركز التدريبي.

أحد هذه المعدات التي أُرسلت لكل لاعب هي “سوار إلكتروني” electronic fitness wristbands، وهي مبرمجة لجمع بيانات كل فرد وإرسالها فورا لتلك الشاشات الرقمية باستوديو البروفيسور.

تتجمع كل هذه البيانات في مصفوفات: إحداها يرتبط بوظائف أعضاء جسم اللاعب أثناء التدريب، وأخرى تتعلق بأرقام اللاعب خلال التدريب نفسه، كالقدرة على الركض لعدد معين من الكيلومترات مثلا، وثالثة تقارن بين بيانات اللاعب وقت التمرين وبياناته خلال المباريات الرسمية.

هنا تكمن أهمية بيانات هذه الأساور، إذ تقيس حالة كل فرد ومدى استجابته للتدريب، ما سينعكس على قرارات هولجر بوريش في تصميم التدريب القادم.. فمن خلالها يكتشف أن لاعبا يحتاج إلى زيادة الحمولة البدنية، وآخر بحاجة إلى تمرين من نوع مختلف للوصول إلى حالة أفضل، وثالث يحتاج إلى إراحة عضلاته بعض الوقت، وهكذا.

الخطوة الثالثة لا تقل أهمية عن الخطوتين السابقتين، وتتعلق بإعداد اللاعبين نفسيا.. إذ سيكون عليهم التحكم في تصرفاتهم في ظل التدريب السيبراني، والمقصود هنا هو الحرص على أداء التمرين باحترافية، الالتزام بمواعيد النوم والاستيقاظ، والحفاظ على البرنامج الغذائي الذي أقره.

وهكذا أمضى مانويل نوير ورفاقه الاجتماعات على تطبيق “زووم” Zoom، فحين كنت تتابع عملك أو دراستك “أونلاين” وكان هولجر بوريش على الضفة الأخرى من العالم يثقل كاهل اللاعبين بالتدريبات المرهقة، تمامًا كما فعل رب عملك أو أستاذك في الجامعة، حتى أن توماس مولر تمنى لو يُرسل البروفيسور إلى الفضاء للتخلص من أوامره، ونحن لا ننصحك أن تعبر عن نواياك كما فعل.

عضلات وإشارة مرور لاعبين

الآن أنت تعرف كيف صمّم البروفيسور خطة العمل لنقل التدريبات من مقرات بايرن ميونخ إلى المنازل، لكن يبقى سؤال مهم وهو: كيف اكتسب اللاعبون هذا الكم من العضلات خلال فترة الحجر الصحي؟ وكيف تحوّل روبرت ليفاندوفسكي، ليون جوريتسكا، وألفونسو ديفيز إلى تلك الهيئة المرعبة التي تجعلهم أشبه بالمصارعين منهم إلى لاعبي الكرة؟ لكي نصل إلى إجابات، دعنا نتعرف عن قرب على طبيعة تدريبات البروفيسور.

استغرقت وحدة التدريب مع هولجر بوريش من 75 إلى 90 دقيقة، وهي مقسمة إلى 3 أنواع: الأول هو التمرين الأساسي الذي يبني القوة البدنية، والثاني هو الذي يُحسِّن من حمولة اللاعب، فيتمكن من بذل جهد أكبر، والثالث هو ما يسمى في مجال اللياقة بالتمرين الوظيفي، وهو المعني ببناء العضلات.

وكما يُقسّم البروفيسور وحدته التدريبية، فإنه أيضا يقسم لاعبيه وفقا لبياناتهم داخل 3 خانات ملونة، تعرف بتقسيمة “إشارة المرور” لأنها تتكون من اللون الأحمر والأصفر والأخضر.

فاللاعبون في الخانة الحمراء هم الأكثر عرضة للإصابات والإجهاد، وزملاؤهم في الخانة الخضراء هم الأقل. وهكذا تبرز الفروقات بين كل خانة والأخرى، فيصمم لها هولجر بوريش تدريباً منفصلاً، حتى يحتفظ الأفراد في الخانة الخضراء بمكانهم أطول فترة، وينتقل من هم في الحمراء إلى الصفراء بأسرع وقت ممكن.

خلال ذلك التدريب السيبراني، اعتمد البروفيسور مبادئ عدة: التحسين التدريجي، إذ كان واثقا من نتيجة هذا العمل، لذا طالب لاعبيه بمتابعة العمل فقط.

المبدأ الثاني هو المرونة، إذ كان يُدخل تعديلات على جداول وبرامج التدريب باستمرار، وتخصيصها حسب حالة اللاعب الواحد. فـهولجر بوريش يؤمن بما يُعرف بـالتدوير الجزئي micro-periodisation، حيث تتعدل متغيرات التدريب بصورة منهجية للوصول إلى الهدف المرجو.

أما المبدأ الثالث فهو ضرورة بناء العضلات، لم يكن الأمر رفاهية أو استعراضا، بل ضرورة للتخلص من السعرات الحرارية الناتجة عن عدم خوض اللاعبين لمباريات.. وهنا استغل هولجر بوريش تلك الطاقة، ووجهها نحو بناء كتلة عضلية، معتمدا على النوع الثالث من التمارين المعروف بالوظيفي.

107 كيلومترات في الملعب

هناك مقولة مهمة في كرة القدم، وهي: اللياقة البدنية ليست كل شيء، لكن دون اللياقة الجيدة لا يوجد أي شيء.. ربما هذا الموسم، سيكون الإعداد البدني أكثر أهمية من ذي قبل”.. المدرب هولجر بوريش، في حوار مع صحيفة شبيجل الألمانية.

لم يمر الكثير من الوقت، إلا وعاد فريق بايرن إلى مقرات التدريب، حتى إن البعض اندهش من توقيت العودة، لكن الأكثر إثارة للدهشة كانت الصور التي التُقطت للاعبين، إذ ظهروا كأنهم كانوا في معسكر تدريبي مُكثّف وليس حَجْرا صحيا.

ليون جوريتسكا لم يعد نحيلاً كما كان.. مولر يتباهى أمام الكاميرات بعضلاته بعدما كان يسخر سابقا من نفسه لأنه بلا عضلات.. حتى كوتينيو الذي أشبعه الجميع سخرية بسبب ضعف لياقته البدنية أصبح الآن أقوى من أي وقت مضى، ليفتح كل ذلك الباب أمام التساؤلات حول الذي كان يجري خلال الأسابيع الماضية، لكن إدارة النادي البافاري تكتمت على الأسرار الحقيقية وراء ذلك التحول، والمتمثلة في عمل البروفيسور.

منذ المباراة الأولى بعد استئناف الدوري الألماني، بدا بايرن ميونخ فتّاكا في كل الصراعات الثنائية مع الخصوم.. يهاجم اللاعبون بضراوة كأنهم في حالة حرب، ويستردون الكرة كأنهم يدافعون عن حياتهم، ولا يتوقفون عن الركض كأنهم عداؤون ضلوا طريقهم لكرة القدم.

وصل ذلك الأداء الشرس إلى ذروته أثناء جولات دوري الأبطال، وتحديدا في مباراة دور الثمانية أمام برشلونة، حين فرض رجال فليك سيطرتهم منذ اللحظة الأولى في المباراة، مستغلين الفوارق البدنية المهولة.. فقط لك أن تتخيل أنهم قطعوا ما يزيد على 107 كيلومترات على أرض الملعب ليُدخِلوا بوسكيتس ودي يونج وفيدال في متاهة وهم يحاولون مواكبة هذا الإيقاع البدني شديد الحدة.

أمطر الألمان مرمى البلوجرانا بوابل من الهجمات المباشرة، سواء من عمق الملعب أو على الأطراف.. وفي كل مرة كانوا يهدرون فرصة، كان مولر يشير إليهم بضرورة تكرارها، حتى انتهت النتيجة لصالحهم 8/2.

بالتأكيد شكلت هذه النتيجة دفعة نفسية ضخمة لبايرن، وبدا أن الطريق سيكون ممهدا أمامهم نحو اعتلاء كل المنصات، لأن من الصعب جدا مواجهة ماكينات لا تتوقف، عَمِل بروفيسور عبقري على تجهيزها بدقة عالية.

أحمد توفيق كمال

كاتب رياضي متخصص في كرة القدم الأوروبية والعالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى