ثقافة وفن

“سعد الله ونوس”.. نافذة أمل في جدار النهايات القاتمة

كان إبداع “سعد الله ونوس” (1941- 1997) في مرحلته الأخيرة بين عامي 1994 و1997 هو الأنضج، والأكثر زخْماً ووعياً بالتاريخ والحاضر، فعبر سبع مسرحيات بين المتوسطة والطويلة هي “منمنمات تاريخية” 1994، “يوم من زماننا” 1994، “طقوس الإشارات والتحولات” 1994، “أحلام شقية” 1995، “ملحمة السراب” 1995، “بلاد أضيق من الحب” 1996، و”الأيام المخمورة” 1997، استطاع أن يُعمِّق القضايا التي طرحها في مرحلة كتابته التأسيسية.

إذ إنه لم يكتف بالنقد الاجتماعي، والعمل على مَسْرَحَةِ قضايا ومشكلات العالم الخارجي، كما فعل في مرحلته الثانية، بل توغَّل أكثر في آخر مراحل إبداعه، باتجاه ممارسة النقد الأخلاقي والإنساني بالمعنى الواسع، وعمل على مَسْرَحَةِ هموم ومشكلات الذات الإنسانية، بتضافر جدلي مع قضايا العالم الاجتماعي، مما سمح له باستكشاف أعماق الذات الفردية وسبر أغوارها، والكشف عما يعتمل في داخلها من رغبات وهواجس وتطلعات، وعلى رأسها كرامة الإنسان عبر تحقيق حريته جنباً إلى جنب مع حرية الجماعة.

ولتحقيق ذلك، جَسَّد “ونُّوس” في أعمال تلك المرحلة مقولة “جوجول”: “يصعب توجيه الناس نحو الرائع قبل أن تكشف لهم ما في أعماقهم من قذارة”، لكنّه فعل ذلك بجماليات فنية، وتمكُّن مُذهِل من صنعة الكتابة المسرحية، يدعمه في ذلك وعي كبير بالموضوعات والإنسان والأحداث، وفهم عميق للزمن، بواقعيته المضبوطة على إيقاع الهزائم والانكسارات والتحولات.

سعد الله ونوس

الحقيقة والحرية

القضيتان الأساسيتان اللتان عالجهما “ونوس” في مسرحياته السبع الأخيرة، كانتا “الحقيقة” و”الحرية”، وذلك من خلال موضوعات الحب والجنس والفساد، وسط خراب الإنسان الداخلي، وخراب العالم من حوله. لكن كما يقول الناقد المسرحي مصطفى عبود في كتابه “سعد الله ونوس.. متمرداً، حالماً، ومنوِّراً” فإن القضيتين آنفتي الذكر “لم تكونا منجزتين في مسرحه، بل كانتا موضع بحث واختبار.. البحث هو الفعل الأساسي لهذه المسرحيات، الذي أفضى إلى الخيبة والفشل والانكسار، مما طبع مسرحيات هذه المرحلة بطابع مأساوي واضح”.

وتأكيداً لذلك نجد الكثير من شخصيات تلك الأعمال باحثة عن حقيقتها الفردية من جهة، وفي سبيل ذلك تتكشف الحقيقة الاجتماعية، بما تتضمنه من قيم وأعراف وتقاليد راسخة، إضافة للممارسات وأشكال السلوك السائدة، خاصة لدى القوى المسيطرة في المجتمع، سواء أكانت قوى سياسية تتمثل في السلطة الحاكمة، أم عقائدية دينية تتضافر معها لتشكلا نظاماً اجتماعياً يمارس القهر والظلم والتسلط والاستبداد.

عرض لمسرحية “يوم من زماننا” لفرقة كلية الحقوق جامعة القاهرة

البحث عن الحقيقة يتجلى بأكثر من شكل في أعمال ونوس الأخيرة، فحيناً يقوم البطل إثر أزمة ألمّت به، بعملية بحث تقوده إلى إدراك عميق لحقيقة عالمه الداخلي، كما فعل “فاروق” في مسرحية “يوم من زماننا“، وخلال ذلك يكشف الفساد المُعشِّش في مختلف مؤسسات مجتمعه التعليمية، الدينية، الإدارية، والسياسية.

وحيناً آخر تضيع الحقيقة بين شخصيات متضاربة الآراء إزاء ما يهدد حرية وطنها، كما في مسرحية “منمنمات تاريخية“، فهناك الحقيقة التي يمثلها “التاذلي”، وجوهرها المقاومة النابعة من إلهام غيبي.

وأخرى يمثلها “ابن خلدون العالِم” ويحددها بدخول الأمة في طور الغروب الشامل الذي لا ينفع في إيقافه أي فعل، كنوع من الاستسلام الذي يجرِّد الإنسان من أي دور فاعل في صناعة التاريخ، أو التحكم في توجيه مساره.

ثم هناك الحقيقة البراجماتية التي يمثلها “ابن خلدون الإنسان”، الساعي إلى الانتفاع الذاتي، ويسير في قافلته التجار ورجال الدين وغيرهم، والحقيقة الأخطر في هذه المسرحية تتجسد من خلال العلاقة بين “ابن خلدون العالِم”، و”ابن خلدون الإنسان”، والمتمثلة في الفصام الجائر بين المعرفة والواقع، بين النظرية والممارسة.

مقطع من مسرحية منمنمات تاريخية لسعدالله ونوس لأروى عمرين

وإن كانت الحقيقة ضائعة في “منمنمات تاريخية” فإنها غائبة أو مجهولة في “الأيام المخمورة”، ويسعى “الحفيد” إلى البحث عنها بعموميتها، وعن حقيقته الشخصية ومعنى هويته، محاولاً الغوص في الماضي، لإعادة تشكيل حكاية عائلته، وفي بحثه ذاك يعرّي حقيقة التمدُّن، وحقيقة الممارسات الاجتماعية المتزامنة مع تشكل الحكاية وسيرورتها، وفي الإطار ذاته تعالج مسرحيتا “طقوس الإشارات والتحولات” و”ملحمة السراب” مقاربات مختلفة للقضية نفسها.

عرض لمسرحية الأيام المخمورة

المرأة الأسيرة

ضمن تلك الشروط الاجتماعية السائدة في عوالم مسرحيات هذه المرحلة تعيش الشخصيات مأزقاً إنسانياً حقيقياً، لا سيما المرأة التي تُصبح أسيرةً لمواضعات مجتمعها، مستلبة الوعي والإرادة والحرية، ما يؤدي إلى شلّ فعاليتها وإفقارها روحياً وإنسانياً.

وعندما تعي المرأة هذه الوضعية، وتمتلك الإرادة اللازمة، تتمرد وتثور بحثاً عن حريتها وطلباً لها، مثل “مؤمنة” في “طقوس الإشارات والتحولات” التي تسعى، في رحلة بحثها عن حريتها، نحو الطلاق وتحصل عليه، ومن ثم تمارس فعلاً يمثل في جوهره شكلاً من أشكال التحرر في تحوِّلها من “مؤمنة” إلى الغانية “ألماسة”، ما يضعها في صدام مع المجتمع، ومع أنه يؤدي في النهاية إلى سقوطها بخنجر أخيها “صفوان”، لكنه لا يُلغي ما أنجزته، فها هي تقول “إن حكايتي ستزدهر الآن كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر”.

وإن كانت ألماسة عانقت حريتها قبل سقوطها، فإن “غادة” في مسرحية “أحلام شقية”، إذ تعمد إلى محاولة قتل زوجها بهدف كسر طوق العبودية، فإنها لا تحقق إلا الفشل والخيبة والانكسار، أما سناء في مسرحية “الأيام المخمورة” فقد حزمت أمرها وأصغت لصوت القلب الذي كان يدفع بها نحو فضاء الحرية والحب بكل رحابته واتساعه.

وخلال التطلع إلى الحرية، ومحاولة العثور عليها، تكشف المرأة عن حقيقة المجتمع الضاري الذي يتسلط عليها، ويقهرها، ويسجنها داخل قوانين وأعراف وتحريمات بالية، وغير إنسانية، مُحوِّلاً إياها إلى سلعة يتم تبادلها بين الأب والزوج، تحقيقاً لمصالح تجارية مشتركة، كما في مسرحية “الأيام المخمورة”، أو من أجل تعميق أواصر القرابة كما في “أحلام شقية”.

هنا تتضح كيف تتلازم قضيتا الحرية والحقيقة، ضمن عوالم “ونوس” المسرحية، بكل ما تحمله من فساد المجتمع وتحلله وتداعيه، والذي فرض على معظم الشخصيات أن تفقد توازنها وتماسكها، لكن في مقابل ذلك، كما يشير الناقد “عبود” فإن:

“الفعل الدرامي، في هذا العالم الآيل للدمار، غالباً ما كان يأخذ شكل التحوّل، رغم أن الانهيار، في معظم الأحيان، كان مصير هذا التحول، ورغم أن المسرحيات كلها تنتهي بالهزيمة أو الانكسار أو السقوط، حيث إن (يوم من زماننا) تنتهي بانتحار فاروق وزوجته، ومسرحية (منمنمات تاريخية) تنتهي بهزيمة المدينة واستباحتها من قبل عسكر (تيمور لنك)، وتنتهي (طقوس الإشارات والتحولات) بمقتل ألماسة، بينما تنتهي (أحلام شقية) بموت الطفل الصغير، لكن هذه النهايات المأساوية لا تولد اليأس والقنوط، لأن المعالجة الونّوسيّة هي ما يفتح نافذة للأمل في جدار النهايات القاتمة.. الأمل في مسرحيات هذه المرحلة ليس مبتذلاً ولا سهلاً لأنه يحتاج إلى الفعل المقاوم، المؤمن بالمستقبل”.

وفي مجمل مسرحيات هذه المرحلة، تنأى الحرية عن التحقق وتبقى مشتهاة ومرغوبة، بينما الحقيقة تتشظى إلى حقائق، وفق وجهات نظر كل شخصية، ما يحيل إلى فقدان اليقين، الذي تخلَّص منه “ونوس” في أعماله الأخيرة، بعدما كان مُخيِّماً على أعماله السابقة، مُستبدلاً الشك في كل شيء به، فهو القائل “أعتقد أنني أكتب لكي أمتحن الصواب.. وأفتش عنه.. الكتابة ليست تلقين صواب جاهز ومعطى، بل هي محاولة للكشف عن آليات يمكن أن تهيئ الأذهان لاستكشاف الصواب”.

امتحان الصواب ذاك تهيأ لونوس بعدما تخلص أيضاً من الوهم الذي تحكم به زمناً حين أسند للمسرح مهمة تغيير العالم، مُبدِّلاً إياها بالتنوير، الذي تجسد في قوله ضمن “بيانات لمسرح عربي جديد”: “المسرح لا يستطيع أن ينجز ثورة، ولا يستطيع أن يغير التاريخ بشكل فوري وراهن”، أي إن الهم الأيديولوجي تراجع في آخر مراحل إبداعه لصالح الهم الإنساني الأعمق.

لوحة لسعد الله ونوس للفنان العراقي إبراهيم العبدلي

عالَمان داخلي وخارجي

الاهتمام بالإنسان وهمومه أملى على “ونوس” أن يولي عناية فائقة لبناء شخصياته، فظهرت في مسرحه لأول مرة شخصيات مفعمة بالحياة، غنية بملامحها الاجتماعية والإنسانية والنفسية، كما أنه اهتم بالعوالم الداخلية لشخصياته الرئيسية اهتماماً خاصاً، مُمَسْرِحاً عالم الشخصية الداخلي، بالتوازي مع مسرحة العالم الخارجي. واتجهت الرؤية الفكرية في هذه المرحلة نحو بلورة عوالم ومناخات إنسانية عامة تتسم بالعقلانية والديمقراطية، بعيداً عن التصورات الأيديولوجية الضيقة.

ويُلاحظ أن المرأة قد دخلت مسرحيات هذه المرحلة بقوة، وعلى نطاق واسع، خلافاً للمراحل السابقة.. فهي تقف في قلب الحدث، وهي صاحبة الفعل الرئيسي في معظم الأحيان، وحتى حين لا تلعب المرأة الدور الرئيسي كما في “منمنمات تاريخية”، “ملحمة السراب”، و”يوم من زماننا” نجد حشداً من الشخصيات النسائية الهامة.

الشخصية الرئيسية في مسرحيات ونوس الأخيرة، إما تمثل الجانب الإنساني في سعيه نحو الحقيقة بتعرية كافة أشكال الفساد والاستبداد، وهي المتمردة والثائرة على مختلف أشكال العبودية لتحقيق الحرية، وإما تمثل هذه الشخصية الجانب اللا إنساني الذي يسهم في تمويه الحقيقة وتزييفها، أو يمارس القمع والاستبداد، ونشر الفساد والتحلل تحت شعار المصلحة والقيم والأعراف، وربما التحديث، كشخصية عبود الغاوي ومدير المدرسة ومدير المنطقة والشيخ متولي والشيخ عباس والمفتي إبراهيم ورجال الدين وسلمى وسرحان.

 بمعنى أن الشخصية لم تعد هنا مجرد نمط اجتماعي، أو صوتاً يمثل طبقة أو فئة أو مؤسسة ما، إنما أصبحت أكثر غنىً وعمقاً في جوانبها المختلفة، وخاصة النفسية والإنسانية، ولم يعد الاهتمام في بنائها مُنصباً على رسم خلفياتها الاجتماعية فحسب، كما في مسرحيات المرحلة السابقة حيث كان الصراع يجري بين شخصيات تمثل كتلاً اجتماعية.

الفنان خالد الصاوي في عرض مسرحي لسعد الله ونوس

أما في هذه المرحلة فهناك شخصية فردية لا تكاد تمثل إلا ذاتها، تخوض صراعاً قاسياً ضد مجتمعها بمجمله. وإذا كان هذا المجتمع متداعياً، متصدعاً، وعلى شفير الهاوية، إلا أنه لا يزال يتمسك بوجوده بقوة مما يجعله بمثابة جدار صلب تصطدم به الشخصية وتنهار، ولكنها في انهيارها تجره معها، في كثير من الأحيان، نحو الهاوية.

أثناء كتابة أعماله الأخيرة لم يكن “ونُّوس” يفكر بالخشبة والمشاهدين، ما جعل الشخصيات في كثير من الأحيان راوية أخبار وحكايات وأفكار أكثر منها صاحبة فعل درامي، وهو ما دفع بعض الدارسين لمسرحياته، لاعتبار ذلك خللاً أو نقيصة درامية، ومنهم الدكتور “إدريس الذهبي” في دراسته التي حملت عنوان “المســـرح عند سعد الله ونوس” والمنشورة في موقع الهيئة العربية للمسرح وجاء فيها:

“الحوار عند ونوس فيه بعض العيوب، ولكنها قليلة، فمثلاً لجوؤه إلى الخطابة حيث تلتبس الأمور لديه فتصبح الارتجالية التي ينشدها خطابية، وبون شاسع بين الاتجاهين.. كذلك من العيوب أن الحوار قد يلجأ إلى التجريد، فيفقد بذلك أرضية الاشتراك مع المتلقي، وهذا ما يعيب المسرحية بعيب خطير في بنائها، فيؤدي إلى تفكك العرض وافتقاد التماسك بسبب هذه التجريدية التي يضعها فجأة في طريق التطور الدرامي”، لكن مصطفى عبود في كتابه “سعد الله ونوس متمرداً حالماً منوِّراً” يعطي تفسيراً لذلك بقوله: “خطاب الشخصيات السردي الذي يستوطن في قلب الحوار الدرامي، يُغني الأحداث والأفعال، ويقدم لها المبررات والخلفيات الضرورية، ضمن وحدة أسلوبية عضوية متماسكة”.

عرض مسرحية “منمنمات تاريخية” بقصر الأمير طاز

وحدة أسلوبية متماسكة

من عناصر تلك الوحدة الأسلوبية التي يتميز بها مسرح ونوس هي “الحكاية” التي تشغل في مسرحيات هذه المرحلة، موقعاً مركزياً وهاماً، وبناؤها العام يقوم على التجاور والتراكم المشهدي، “مما يجعل الحكاية قريبة الشبه بمثيلتها في المسرح الملحمي”، كما يشير الناقد “عبود”.

ففي مسرحيات “يوم من زماننا” و”ملحمة السراب” و”منمنمات تاريخية” هناك مجموعة من اللوحات المتجاورة والمستقلة، لكنها رغم ذلك تحقق تراكماً يعطي للمسرحية حكايتها العامة، وقد يأخذ هذا الشكل الحكائي شكلاً بسيطاً كما في مسرحية “يوم من زماننا”، أو يأخذ شكلاً أكثر غنى وتعقيداً كما في “منمنمات تاريخية”.

وتنفرد مسرحية “الأيام المخمورة” بأن الحكاية أشد غموضاً والتباساً، فهي مشروع بحث يقوم به الحفيد الذي يقع خارج أحداثها، فيتجه من الحاضر نحو الماضي بحثاً عن الحقيقة/ الهوية، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بالبحث عن تفاصيل الحكاية ولملمة أشلائها المبعثرة والمدفونة في تضاعيف الزمن الماضي.

وحكاية “الأيام المخمورة” كما الحكاية في “طقوس الإشارات والتحولات” وفي “منمنمات تاريخية” تظل مفتوحة في نهايتها، وإن بدرجات مختلفة، مما يتطلب من المتلقي مشاركة حقيقية وعميقة في سبيل وضع خاتمة للحكاية، أو امتدادات لها، فكما نعلم أن الجمهور هو مركز اهتمام “ونوس” في كل ما كتب.

وهو ما أفرد له مساحة كبيرة في بياناته التي بدأها بالقول: “المدخل الأساسي والصحيح للحديث عن المسرح:

تبلوره وحل إشكالاته هو الجمهور”، و”تحديد جمهورنا يتضمن بشكل أو بآخر موقفنا من هذا الجمهور، وما نريد أن نحمل له من خلال فهمنا لحاجاته، ووعينا بقدرات المسرح على التغيير والفعل. فنحن إذ نختار الجمهور، إنما نتخذ موقفاً فكرياً واجتماعياً هو بالذات الذي سيُملي علينا مضمون أعمالنا، والأفكار التي نريد عرضها، وإبراز ديناميتها”.

ولتحقيق ذلك اعتنى “ونوس” ضمن أعماله بـ”الحوار” الذي يصفه “عبد الرزاق عيد” في كتابه “الحرية: المعرفة/ السلطة، دراسة في النص المسرحي لسعد الله ونوس”:

“الحوار في أعماله مرتجل وحار وحقيقي بين مساحتي المسرح: العرض والمتفرج، ومرتبط بحياة المتفرج أو مشاكله من جهة، ونوع المعالجة وشكلها من جهة أخرى، كي لا تكون المعالجة مسألة شكلية وتقنية، حيث لا بد للهواجس الجمالية أن يتم تعديلها بحسب المشكلات السياسية والاجتماعية للواقع، وذلك لتشجيع المتفرج على الكلام والارتجال والحوار. ولا يكتفي ونوس بذلك، بل إنه يشرك معه المتفرج ويقيم معه حواراً آخر، ويبني الحوار سياقات المتن المسرحي على قاعدة هذه العلاقة مع الجمهور، أي على أساس تحريض الناس للنطق بالمسكوت عنه، بالمعنى المضمر، بالحقيقة التي تكشف أمامهم، والتي هي حقيقة ما يعانون. فالحقيقة بتاريخيتها هي رواية حكايات قهرهم وعذاباتهم”.

سعد الله ونوس أراد أن يقول عبر مسرحياته الأخيرة، إنه في زمن الانكسارات والهزائم تصبح المدن العربية مستباحة، والعروبة مُخْتَرَقة، فدمشق تستسلم لتيمورلنك في “منمنمات تاريخية”، ولأن الظلم يستعمر الإنسان العربي يُفضِّل “فاروق” الانتحار في “يوم من زماننا”، بعدما داهمته الوقائع الاجتماعية الجديدة، وانتهكت حرمته، فيختار الموت بديلاً عن زيف الحياة.

عرض لمسرحية “طقوس الإشارات والتحولات”

وفي “طقوس الإشارات والتحولات” تتخلخل العلاقات، ويتهاوى بريق المناصب أمام المصالح الفردية، بعد أن التمعت الغوايات، وأصبح صوتها عالياً، يفقد الجميع كل شيء، السمعة، المكانة، الثروة، والمنصب الاجتماعي.

لكن كيف يمكن لكل ذاك الألم والنهايات التراجيدية لمعظم أعمال المرحلة الأخيرة أن تتحول إلى أمل؟ وكيف ينبثق النُّور من كل هذه العتمة؟ ربما الأمل هو تلك الصَّرخة الإنسانية التي واظب ونوس فيها على زعزعة اليقينيات، وترسيخ الشك في كل شيء، أو قد يكون الأمل قد تجسَّد في شخصه بعدما صمت لأكثر من عشرة أعوام برضاه، يقرأ ويبحث ويحلل ويمعن التفكير في مصاب مجتمعاتنا العربية وهزائمنا وانكساراتنا المديدة، ثم يصاب بالسرطان، فيأبى أن ينكسر له، بل بات يقهره بالكتابة، وبالإبداع، وإعادة صياغة القَهر الإنساني في سبعة تمائم مسرحية لا يخبو بريقها مع الزمن.

بديع صنيج

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى