المفكر اللبناني سعد محيو

"حزب الله" في ورطة

في ظل الأزمات الاقتصادية التي يعانيها لبنان، فضلًا عن أزمة كورونا، وأزمة اللاجئين؛ جاء انفجار “مرفأ بيروت” ليدفع بلبنان نحو واقع أكثر إيلامًا. استقالت حكومة “حسان دياب”؛ إلا أن البلد الصغير لا يزال يعاني من وطأة المحاصصة الطائفية التي يقوم عليها نظامه السياسي، والتي تحرص عليها الأحزاب السياسية الفاعلة في المشهد اللبناني، وهي المحاصصة التي جعلت من لبنان عرضةً للتجاذبات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران.

في خضمّ هذا الوضع المشتعل صدر أخيرًا الحكم في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق “رفيق الحريري”، بإدانة واحد من المتهمين الأربعة “سليم عياش” فقط، وبرّأت المحكمة الدولية ساحة “حزب الله” وسوريا من عملية الاغتيال، لتهيمن “خيبة الأمل” على اللبنانيين بالتوازي مع الاستياء والغضب.

“ذات مصر” يفتح كافة الملفات اللبنانية الشائكة مع المفكر اللبناني “سعد محيو”، بدءًا من “انفجار المرفأ” وانعكاساته على الحالة السياسية اللبنانية المتشظية، مرورًا باستقالة حكومة “دياب” ومحاكمة “الحريري”، وأخيرًا شكل الحكومة القادمة. 

ما التداعيات السياسية التي ترتبت على انفجار بيروت؟

الحدث كان بمثابة المسمار الأخير في نعش نظام طائفي طبقي قوّض كل أسس الحياة نفسها في البلاد، من الاقتصاد والمال إلى البيئة والإيكولوجيا، ومن القيم والأخلاق إلى مفاهيم السياسة والتسويات، ومن الدور الحضاري المميّز في المنطقة جنبًا إلى جنب مع القاهرة وبغداد إلى اللا دور، أو بالأحرى إلى التخثّر الثقافي والعلمي.

 لذا فإن بيروت ستكون مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل انفجار (أو تفجير) المرفأ، وسيشمل التغير كامل الشطر المسيحي من المدينة، لكن وبفعل غياب قوة شعبية وطنية موحّدة وقادرة على الحلول مكان نظام اللصوصية والمافيات الملتحفة بالعصبيات الطائفية والدينية، الحاضر لا يموت تمامًا والمستقبل عاجز عن الولادة.

هل خلق الانفجار انفراجة في الحصار المفروض على لبنان؟

في الواقع لم يكن هناك حصار مفروض على لبنان، كانت هناك حرب محاور بين حلفاء أمريكا وأنصار إيران يدفع لبنان ثمنها، أخطأ الرئيس “ميشال عون” كثيرًا حين تحدث عن فك الحصار عنه وعن نظامه (وكـأنه يعتبر نقمة بيروت نعمة له).

ربما استند الرئيس "عون" إلى زيارة الشخصيات الدولية لبيروت لمساندة اللبنانيين؟

 كل الشخصيات الأجنبية التي زارت بيروت كانت تكيل التهم المُهينة للطبقة السياسية الحاكمة، وكل المساعدات كانت تقفز فوق السلطات الرسمية وتتوجّه مباشرة إلى المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، الصليب الأحمر، هيئات المجتمع المدني)، هذا -بالطبع- إضافة إلى استمرار غياب الدولار في أسواق بيروت، وتواصل انهيارات العملة والاقتصاد.

الرئيس ميشيل عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون
إذن، كيف تقرأ زيارتَيْ الرئيس الفرنسي ونائب الرئيس التركي إلى لبنان؟

الزيارات التي قام بها كبار المسئولين الأجانب اتخذت شكل العون الإنساني (الهدف أساسًا كان كسب الأصوات في داخل دولهم)، لكن هذه الجولات في العمق كانت تستهدف احتلال مقعد في عملية توجيه الصراع والأحداث في لبنان، وبالتالي كانت استمرارًا بوسائل أخرى للصراعات الإقليمية والدولية.

وكما أسلفنا: البند الأول في هذه الصراعات هو المجابهة الكبرى في لبنان وفي طول المنطقة وعرضها بين أمريكا وإيران، ومن خلف الستار بين أمريكا والصين وروسيا.

أما البند الثاني فهو التنافس للسيطرة على غاز ونفط شرق المتوسط، خاصة بين فرنسا وحلفائها المتوسطيين وبين تركيا، التي تعتبر لبنان بوابتها الرئيسية في المنطقة، فالزيارات إذن هي بمثابة قفازات إنسانية تختفي في جنباتها مخالب حادة، وهذا ليس أمرًا مستغربًا، فالعلاقات بين الدول هي ساحة “تناتش” بين غيلان ضارية.

ما موقع "حزب الله" في الخارطة السياسية اللبنانية بعد الانفجار؟

“حزب الله” بعد الانفجار في وضع حرج للغاية، لو أعلن أن إسرائيل وراء التفجير لكان ملزمًا وفق استراتيجية الردع التي ينتهجها بقصف ميناء حيفا، وهذا بالطبع سيشعل أوار حرب ضخمة، وإذا واصل الصمت على من يقف وراء التفجير يكون كمن يخفي الشمس بإصبعه لأن كل الدلائل تشير إلى أن يد الموساد كانت موجودة في الحدث.

السيد “حسن نصر الله” اختار الوقوف في منتصف الطريق بين الرد وبين إدانة إسرائيل، معلنًا أنه ينتظر نتيجة التحقيق، لكنه أشار إلى أنه في حال ثبوت مسئولية إسرائيل فيجب أن تكون الدولة وكل القوى السياسية مشاركة في اتخاذ قرار الرد، وهذا موقف لم يكن موفقًا، لأن “نصر الله” أعلن في الخطاب نفسه أن “حزب الله” لا يزال يستعد للرد على اغتيال أحد عناصره في دمشق، الأمر الذي طرح السؤال المحرج: كيف يمكن للحزب أن يخاطر بإشعال حرب مع إسرائيل انتقامًا لعنصر واحد فيما هو يحيل الرد على تدمير المرفأ ونصف بيروت ومصرع نحو 200 شخص وجرح 5000 على الدولة والقوى السياسية؟ الأمر محرج بالفعل.

حسن نصر الله عقب انفجار بيروت
لماذا لا يثق اللبنانيون في التحقيق الذي تجريه سلطاتهم بشأن الانفجار؟

لا أحد في لبنان يثق بأن السلطات اللبنانية يمكن أن تجري تحقيقات شفافة حول التفجير، ولا أحد يتوقع -في المقابل- أن تقوم الجهات الأجنبية من “الإف.بي.آي” إلى “خبراء الأطلسي” بتأكيد مسئولية إسرائيل عن هذه الكارثة.

لذا قد يبقى التحقيق محدودًا، ولن يطال سوى بعض الأكباش التي يمكن التضحية بها في إدارة المرفأ. التغطية على ما جرى ستكون عملية مشتركة لبنانية رسمية إقليمية دولية.

كيف استقبل اللبنانيون نتائج تحقيقات المحكمة الدولية بشأن اغتيال "الحريري"؟

لا شك أن القرار جاء مفاجئًا، خصوصًا أنه أشار بشكل مباشر وواضح إلى أن قيادة “حزب الله” لم تكن على علم بالحادثة، ولا يوجد أي دليل على إدانتها، فضلًا عن تبرئة المتهمين الثلاثة الآخرين، والاكتفاء بإدانة “سليم عياش”.

عمليًّا، لم يكن هناك أحد يتوقع هذا الحكم، خاصة وأن المحكمة مُسيطر عليها غربيًا، وأن أي قرار ستنطق به سيكون متوافقًا مع السياسات الأمريكية بالدرجة الأولى التي تسعى جاهدة لمحاصرة “حزب الله” اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا.

إعلان نتائج المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري
ألا تؤكد تبرئة "حزب الله" استقلال المحكمة؟

سيعطي هذا الحكم مصداقية ضخمة وكبيرة للعدالة الدولية والأجهزة المناط بها في القيام بهذا الموضوع، لكن لا أستطيع المبالغة بالقول إن هذه المؤسسات الدولية انفصلت عن الصراعات بين الدول والأمم، وما إلى غير ذلك، وكأننا نتكلم عن قانون دولي مُقدس.

فأنْ تُقدِم محكمة دولية بعد مداولات ضخمة على هذه الخطوة بهذه النتيجة سيكون له مدلولات على ترتيبة النظام العالمي، سواء الذي في طريقه نحو الزوال أو القادم، هذا من جهة، وفيما يتعلق بلبنان، سيقلص هذا القرار من حدة التنازع والصدام بين السنة والشيعة في لبنان، لأنه لو كان خرج قرار بإدانة “حزب الله” في ظل هذه الأجواء المخيفة بلبنان التي فيها استقطاب يبلغ ذروته بين كل الطوائف، كان سيؤدي ذلك إلى تفاقم الأزمة بالوضع الداخلي، وسيتغذى الصراع بالهجوم الذي ستقوم به أمريكا عبر العقوبات والضجيج بمجلس الأمن، والأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، للتشهير بـ”حزب الله” وإيران، ما ينعكس سلبًا بشكل كبير على لبنان.

إذا كان "حزب الله" بريئًا من دم "الحريري" فمن قتله؟

هذا سؤال يطرحه اللبنانيون على أنفسهم منذ صدور الحكم، فإذا كان “حزب الله” وسوريا غير متورطين في عملية الاغتيال، وإذا كان “سليم عياش” إما مارق في الحزب، أو مدسوس، فمن قام -إذن- باغتيال “الحريري”؟

سعد الحريري
هل سيعود "الحريري" على رأس الحكومة كما يرغب "حزب الله" وأمل؟ أم سنشهد حكومة حياد ضد رغبة الثنائي الشيعي؟

أيًّا كان شكل الحكومة الجديدة التي ستُشكّل، فهي ستعيد إنتاج النظام الطائفي الطبقي اللبناني، مع عمليات تجميل طفيفة لإرضاء القوى الخارجية.

مستقبل النظام اللبناني العقيم حاليًّا، سيكون معتمدًا بالكامل على حصيلة الصراعات الإقليمية – الدولية في المنطقة، والتي يمكن فيها أن نتوقّع الكثير خلال الشهرين المقبلين اللذين يفصلاننا عن الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر المقبل، والتي ستكون محورية وبالغة الأهمية بالنسبة إلى لبنان.

لبنان -في النهاية- كان منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن لا يزال مرآة صافية لطبيعة موازين القوى الإقليمية والدولية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search