سياسة

سعيد شنقريحة.. ظل تبون في السلطة وجنرال “الطريق الجديد”

اكتسب الجنرال سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، خلال الشهور الماضية سلطات واسعة وصلاحيات كبرى في إدارة شؤون البلاد

اكتسب الجنرال سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، خلال الشهور الماضية سلطات واسعة وصلاحيات كبرى في إدارة شؤون البلاد، جعلته محط الأنظار دوماً، خصوصاً بعدما صار الحاكم الفعلي للبلاد في ظل غياب تبون لمدة فاقت الشهرين خارج البلاد لدواع مرضية.

وعزز هذا الحضور شعبيته داخل المؤسسة العسكرية، بعد نشاط ملحوظ لثامن رئيس لأركان الجيش الجزائري في الشهور اللاحقة لتعيينه عبر زيارات متكررة لقادة أفرع الجيش، والاجتماعات المستمرة مع مختلف الأنساق القيادية، والأهم إطلاق خطة تحديث كبرى عبر “خريطة طريق جديدة” للجيش في الجزائر، شملت هيكلة بعض الأجهزة الاستخباراتية.

رحلة صعود شنقريحة داخل دوائر السلطة جديرة بالتأمل، فقد صار في غضون شهور معدودة أحد أبرز الأشخاص النافذين في منظومة الحكم الجديدة التي أعقبت رحيل الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة،  ورقماً مهماً في معادلة الحكم.

سعيد شنقريحة.. الجنرال الذي أعادته الأحداث لدائرة الحكم

لسنوات طويلة خدم شنقريحة داخل صفوف الجيش الجزائري متنقلا بين أرفع المناصب الميدانية، واختار الجنرال العسكري الابتعاد عن الأضواء وبريق المناصب السياسية التي جذبت عددا من زملائه في الجيش ممن ترقوا سريعا خلال حقبة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

بدأ شنقريحة، المولود في أغسطس/آب عام 1945، مسيرته داخل صفوف الجيش الجزائري كمتطوع داخل صفوف الجيش الوطني الشعبي المقاوم للاحتلال الفرنسي، قبل أن يصقل خبراته بدورات تدريبية في الاتحاد السوفييتي، التي عاد منه للقتال ضمن صفوف القوات البرية في حرب الاستنزاف المصرية، ثم في حرب أكتوبر عام 1973.

سعيد شنقريحة

لاحقاً، ترقى شنقريحة سريعاً بعد اكتشاف خبراته الميدانية الواسعة، ليشغل عددا من المواقع الميدانية في غرب الجزائر، كلها ضمن صفوف القوات البرية، التي خدم فيها جُل سنواته، قبل أن يُحال للتقاعد في ظروف غامضة.

لنحو 15 عاما خارج المؤسسة العسكرية، التزم الجنرال الصمت حول وقائع إنهاء خدمته، قبل أن تُعيده الأحداث إلى دوائر صناعة القرار بعد  تعيينه في سبتمبر/أيلول عام 2018 قائدا للقوات البرية الجزائرية، التي تُشكل 70% من قوام القوات.

منح تعيين شنقريحة هذا المنصب الجنرال العسكري سلطات واسعة وسطوة كبيرة داخل على كافة قطاعات الجيش الجزائري، والتي عززتها خبرات الرجل السابقة في المناصب التي تقلدها، حتى أنه بات يُعرف بخبراته في رسم تحركات القوات البرية وتحرك المعدات الثقيلة.

لم يستمر شنقريحة في منصبه أكثر من عامٍ حتى ترقي لمنصب رئيس أركان الجيش خلفاً للفريق الراحل أحمد قايد صالح، ويصبح أحد أعمدة النظام الجديد، الذي فرضت الظروف الداخلية والخارجية عليه مسؤوليات جديدة وخروجا اضطراريا إلى الأضواء التي زهدها.

هكذا أصبح الرجل القوي في السلطة وظل تبون

مع تعيين الفريق شنقريحة، البالغ من العُمر 74 عاما، في منصب رئيس أركان الجيش الجزائري، في يوليو/تموز العام الماضي، طرح الجنرال خطط تحديث للمؤسسة العسكرية، كمشروع يحتل أولوية في قائمة أعماله، من خلال “رؤية شاملة (لمهام وأدوار الجيش) يتعين على الجميع التقيد بروحها، وهضم أفكارها، والانخراط التام في أهدافها ومراميها، إلى غاية تحقيق جميع آمالنا وتطلعاتنا المشروعة في بناء جيش قوي”، بحسب ما ذكر في خطابه الأول منذ تنصيبه.

وانعكست خارطة الطريق “الواعدة”، التي أعلن عنها شنقريحة لعمل المؤسسة العسكرية، في تكثيف زياراته الميدانية إلى الهياكل العسكرية، وخطاباته لقادة أفرع الجيش التي حرص الإعلام الحكومي على نقلها.

ولم تقف خطط سعيد شنقريحة داخل المؤسسة عند مشروع التحديث، بل شملت إطلاق مصالحة واسعة مع جنرالات سابقين في الجيش الجزائري كانوا على خلاف مع خليفته، صالح، ليستقبل الأول بعضاً منهم في ذكرى استقلال البلاد خلال حفل سنوي لضباط الجيش الجزائري، مانحاً إياهم أوسمة تكريم في مشهد رمزي أضاف له رصيدا كبيرا داخل المؤسسة العسكرية.

وقد أسهم حضور وشعبية الرجل داخل المؤسسة العسكرية وقبول الحراك به، والأهم حرصه أن يظل بعيداً عن الأضواء، إلى توطد العلاقة بينه وبين الرئيس الجزائري، الذي خوّله كثيرا من صلاحيات إدارة البلاد خلال فترة علاجه من فيروس “كورونا” في ألمانيا على مدى شهرين.

عامل آخر عزز ثقة تبون في الجنرال شنقريحة، وهو دوره في إقناع قايد صالح، حين كان رئيساً للأركان، بالاستماع للحراك والإطاحة ببوتفليقة، ومحاكمة رموز نظامه، وإعادة هندسة العلاقة بين السلطة الحاكمة والمؤسسة العسكرية، بما يجعل من الأخير داعماً لسياسات الرئيس الجديد.

وانعكست هذه العلاقة بين الرجلين على رسائل الدعم المستمرة من شنقريحة للرئيس الجزائري في ظل غيابه خارج البلاد، وتأكيد دعم الجيش للرئيس، وأنه ضمانة له في ظل تشكيك قوى المعارضة وقطاع واسع من الجزائريين في قدرته الصحية على الاستمرار في الحكم.

وكان رئيس أركان الجيش الجزائري هو أول مسؤول التقاه تبون، عقب عودته إلى البلاد، وقد أحاطه بالأوضاع على الحدود الليبية والمالية.

هل يترشح شنقريحة للانتخابات الرئاسية المُقبلة؟  

أثار غياب تبون عن الجزائر لمدة فاقت الشهرين عن البلاد، وعودته من جديدة لإجراء عملية جراحية، تساؤلات وشكوك حول الملف الصحي للرجل الذي يقترب من عامه السادس والسبعين، ومدى قدرته على الاستمرار في الحكم، خصوصاً بعدما ظهر جالساً عندما صورته كاميرات التليفزيون الحكومي وقت عودته من رحلة علاج.

ودفعت هذه القضية عددا من نشطاء الحراك لطرح “قضية 102 من الدستور”، والتي تتضمن عزل الرئيس بسبب مانع صحي مزمن وخطير، وإطلاق ترتيب انتخابات رئاسية مبكرة لاختيار خليفة له، وهي المادة التي وضعت نهاية حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعدما أصيب بجلطة دماغية استمر بعدها ست سنوات في الحكم حتى عزله إثر احتجاجات واسعة في البلاد.

وبرز في الواجهة الجنرال سعيد شنقريحة، كأحد الوجوه المحتملة للترشح لهذا المنصب، في ظل حالة التوافق داخل المؤسسة العسكرية والحراك على شخصه، وشعبيته التي اكتسبها من تأييده عزل بوتفليقة، ودوره في “عملية تطهير الجيش من رموز الفساد”، وذلك بسجن وملاحقة قادة عسكريين بارزين بتهم فساد.

من جانبه، قال إسماعيل حمودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد بن عبدالله المغربية، لـ”ذات مصر” أن الحضور المكثف لقائد أركان الجيش تزايد مع دخول الجزائر أزمة سياسية بسبب الحراك الشعبي في فبراير 2019، وهذا لأن الجيش الجزائري يعتبر نفسه هو الوصي على الدولة والنظام، ومن ثم يمنح لنفسه شرعية التدخل في الحياة السياسية باستمرار.

وأضاف “حمودة” أن موقف الجيش في أبريل 2020 كان هو العامل الذي حسم رحيل الرئيس السابق وجماعته، بل كان وراء الإطاحة بالعديد من الوزراء ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية.

وتابع الباحث السياسي المغربي أنه بينما كان متوقعا أن يتراجع الجيش قليلا إلى الوراء بعد انتخاب الرئيس تبون، ووفاة قائد الأركان السابق القايد صالح، لاحظنا أن قائد الأركان الجديد أكثر تدخلا من سابقه، فقد شارك في حملة الاستفتاء على الدستور، وعبأ من أجل ذلك، وحين مرض الرئيس تبون تحول إلى حاكم مباشر للجزائر، فهو الأكثر حضورا في الإعلام والنقاش العمومي مثلا مقارنة برئيس الحكومة.

ومع ذلك، يستبعد “حمودة” ترشح شنقريحة لخلافة الرئيس تبون لأسباب لها علاقة بخيار الجيش الجزائري بعد أحداث العشرية السوداء والدفع برئيس مدني يكون واجهة للحكم ويتحكم هو من الخلف، وهو ما فعله طيلة حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، مؤكداً أن ذلك ظهر، على سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حين اختار الجيش دعم تبون بدل دعم جنرال بين صفوفه وهو الفريق علي غديري، وفضلا رئيساً مدنياً.

واختتم الباحث المغربي تصريحاته بتأكيد استمرار الجيش في نفس الاستراتيجية، أي الحكم من وراء شخصية مدنية، بحيث إذ تعذر استمرار تبون، فإن الجيش قد يدفع بشخص بديل يدين له بالولاء.

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى