سياسة

سقوط القيادة والتنظيم.. “قاعدة اليمن” حائرة بعد “باطرفي”

أوائل فبراير الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي- حينها- دونالد ترامب، نجاح بلاده في قتل قاسم الريمي، أمير تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وبعد فترة صمت أعقبت الإعلان الأمريكي، كشف التنظيم عن اختيار خالد باطرفي، المعروف بـ”أبي المقداد الكندي” ليتولى الإمارة خلفًا لـ”الريمي”.

كان “باطرفي” بمثابة الخيار الاضطراري الذي لجأ له تنظيم القاعدة في اليمن بعد سقوط غالبية قياداته الفاعلة والكارزمية منذ عام 2015 بفعل استهداف الولايات المتحدة له، لكنه لم يمكث طويلًا في موقعه، إذ كشفت مصادر لـ”موقع سايت الأمريكي”، المتخصص في رصد ومتابعة التنظيمات الجهادية، أن “باطرفي” اعتقل في أكتوبر الماضي في مدينة الغيضة التابعة لمحافظة المهرة (شرقي اليمن) بينما قُتل الرجل الثاني في تسلسل القيادة داخل التنظيم سعد العولقي، الذي كان مرشحًا بقوة لخلافة أمير التنظيم سابقًا، لكن هذا الخبر بقي غير مؤكد حتى 3 فبراير الماضي حين أكد تقرير صادر عن لجنة الجزاءات المعنية بتنظيم داعش والقاعدة والتابعة لمجلس الأمن الدولي أن “قاعدة اليمن” عانى من انتكاسات عديدة بعد اعتقال “باطرفي” ومقتل “العولقي”.

قاسم الريمي

لغز “تأملات باطرفي”

شكل تقرير لجنة الجزاءات صدمة للتنظيم الذي دأب على بث سلاسل مرئية لخالد باطرفي بعنوان “تأملات”، سلسلة شرعية تربوية تتحدث عن بعض السور القرآنية، حتى أوائل فبراير الجاري، إذ أتبعت مؤسسة الملاحم، الذراع الإعلامية للتنظيم، وصف “باطرفي” بكلمة “حفظه الله”، التي يستخدمها التنظيم كدعاء لقادته الأحياء الطلقاء.

ويبدو أن استمرار بث فيديوهات “باطرفي”، والتي سجلها على الأرجح في رمضان الماضي، يكشف عدم معرفة القائمين على مؤسسة الملاحم باعتقال “باطرفي”، ما يشير إلى احتمالية أن أجهزة الأمن والاستخبارات السعودية، التي تسلمت “أمير القاعدة” من أجهزة الأمن اليمنية، اعتقلته بشكل مفاجئ بناءً على معلومات وفرتها مصادر بشرية “عملاء” لها، وأخفت نبأ اعتقاله حتى تتمكن من الحصول على أكبر قدر من المعلومات حول شبكات القاعدة والخلايا المرتبطة بها والمجموعات الموالية للتنظيم داخل السعودية وباقي دول الخليج العربي وارتباط الفرع اليمني بالفرع العالمي للقاعدة، على اعتبار أن باطرفي شغل عضوية مجلس القاعدة القيادي المعروف بمجلس الشورى العالمي خلفًا لقاسم الريمي بعد مقتله مطلع عام 2020.

وحتى الآن لم يصدر عن تنظيم القاعدة أي بيان رسمي بخصوص الأنباء الأخيرة حول القبض على خالد باطرفي، أو خليفته في إمارة القاعدة.

خالد باطرفي

سقوط القيادة

على مدار السنوات الخمس الماضية، تعرض تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لأكبر حملة استهداف في تاريخه، وأدت تلك الحملة لمقتل جُل قادة الصف الأول، وعلى رأسهم أبوبصير الوحيشي (2015)، ونصر الأنسي، أحد منظري التنظيم والذي أعلن “باطرفي” عن مقتله في عام 2015 أيضًا، إضافةً لأبي هريرة الصنعاني (2020)، وأخيرًا سعد العولقي (2020)- والذي رصد برنامج مكافآت من أجل العدالة التابع لوزارة الخارجية الأمريكية 6 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لقتله واعتقاله سابقًا- وخالد باطرفي، وغيرهم.

وتسبب سقوط المجموعة القيادية وتعرض التنظيم لضغط داخل معاقله التقليدية في اليمن إلى تراجع الفرع اليمني للقاعدة بشكل عام، وخسارته المناطق التي كان يسيطر عليها في الجنوب اليمني، وكان آخرها مناطق انتشاره في قيفة اليمنية (محافظة البيضاء).

ولم يبق من مجموعة القاعدة القيادية القديمة في اليمن سوى قياديين:

الأول سوداني هو إبراهيم محمود القوسي، الذي شغل منصب مساعد أمير التنظيم في اليمن منذ عام 2015، وهو أحد رواد الحركة الجهادية المنخرطين في تنظيم القاعدة منذ السنوات الأولى لتأسيسه وعمل تحت قيادة أسامة بن لادن بشكل مباشر، واعتُقل في باكستان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ونقل إلى سجن جونتنامو حيث قضى عقدًا من الزمان قبل أن يُفرج عنه عام 2012 ويعاد إلى السودان، لينتقل منها إلى اليمن بعد أعوام ويشارك في قيادة القاعدة، وهو مدرج على قائمة المطلوبين لدى الولايات المتحدة التي خصصت 4 ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومات تؤدي للتوصل إليه.

أما القائد الآخر فهو رجل التنظيم القوي إبراهيم صالح البنا، الذي يتولى حاليا مسؤولية اللجنة الأمنية في القاعدة، وهو مصري ينحدر من محافظة الشرقية ومن مواليد 1965، وكان أحد أعضاء تنظيم الجهاد المصري قبل أن يُسافر إلى اليمن عام 1993، بالتزامن مع سقوط مجموعات التنظيم في القضية المعروفة بـ”طلائع الفتح”.

القوسي السوداني

وفي اليمن، بدأ “إبراهيم البنا” نشاطه من جديد لصالح تنظيم القاعدة بمساعدة رفيقه عبد المنعم عز بديوي “أبوحمزة المهاجر المصري”- من مجموعة الشرقية في تنظيم الجهاد أيضًا- والذي شغل منصب أمير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ووزير الحرب في تنظيم الدولة الإسلامية (النسخة الأقدم لداعش)، وذلك وفقًا لأقوال “البنا” في التحقيقات التي تمت مع بمعرفة السلطات اليمنية بعد القبض عليه في محافظة حضرموت (جنوب شرق) في أغسطس 2010.

وعمل البنا والمهاجر على تشكيل شبكات للقاعدة في اليمن ونسجا علاقات مع قبائل يمنية وانخرط في تجارة سلاح مع بعض الأفراد هناك، واستفادا من ذلك في توفير الأمن والحماية من قبل بعض أبناء القبائل اليمنية، وفي حين غادر “أبوحمزة” البلاد مع زوجته اليمنية عام 2000 بجواز سفر زوّره “البنا” بقي الأخير نشطا في شبكة القاعدة في جزيرة العرب وكان أحد مؤسسي التنظيم في اليمن، قبل أن يُقبض عليه عام 2010، ولاحقًا أُعلن عن مقتله أكثر من مرة لكنه ظهر في إصدارات بثتها مؤسسة السحاب لينفي الأنباء المتداولة عن مقتله، وتولى بحلول عام 2015 مسؤولية الإشراف على جهاز التنظيم الأمني الذي يُعنى بأداء أدوار الأمن والاستخبارات لصالح التنظيم، وقبض عليه في اليمن،

الظواهري

 وأُدرج “البنا” أيضًا على قوائم الإرهاب الأمريكية ورصدت وزارة الخارجية مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي لقتله أو القبض عليه.

ووفقًا لتقديراتنا فإن إبراهيم البنا هو أحد المرشحين لخلافة “باطرفي” لأسباب عديدة، منها علاقته الجيدة ببعض القبائل اليمنية وحصوله على دعم من مجموعة القاعدة المركزية “قاعدة خراسان” وعلى رأسهم أيمن الظواهري، فضلًا عن علاقاته الجيدة بعدد من القبائل اليمنية، لكن على الرغم من ذلك تبقى جنسيته المصرية عائقًا أمام توليه المنصب بشكل نهائي، لا سيما أنه مصري وليس يمنيًا، وهو أمر قد لا يلقى قبولًا لدى القواعد التنظيمية للقاعدة هناك.

ويبرز في هذا الصدد اسم “أبوعمر النهدي” القيادي في القاعدة، والذي كان على خلاف مع “باطرفي” قبل اعتقاله، ورغم أن هناك أحاديث راجت عن احتمال انشقاق “النهدي” عن القاعدة فإنه لم يغادر التنظيم بشكل نهائي حتى الآن، وراسل “أيمن الظواهري” ليفصل بينه وبين أمير القاعدة السابق.

تنظيم القاعدة

انتكاسة لا هزيمة

على صعيد متصل، تعرض التنظيم لانتكاسات عدة خلال العام الماضي، كان آخرها خسارته لمعاقله في منطقة قيفة اليمنية (محافظة البيضاء)، والتي أدت لتشتت عناصره في مناطق شبوة (وسط البلاد)، وأبين (جنوب شرق) التي شهدت في نوفمبر الماضي مقتل أمير التنظيم في المحافظة “الخضر الوليدي” وفقًا لتقرير لجنة الجزاءات الأخير.

ومع النجاحات النوعية التي حققتها جهود مكافحة تنظيم القاعدة خلال الفترة الماضية، فإنه لا يمكن اعتبارها بمثابة النصر الحاسم على التنظيم، الذي أثبت سابقًا شراسته وقدرته على التكيف مع الأوضاع المضطربة التي يمر بها، واستمراره في العمل بعد خسارة قادته ومعاقل سيطرته.

وحتى بعد مقتل قياداته المسؤولة عن العمليات الخارجية عام 2015، أبقى التنظيم على خطط لتجنيد عناصر جديدة داخل وخارج البلاد وتمكن من تخطيط وتنفيذ هجمات على مستوى عال من التنسيق، منها هجوم “بينساكولا”، الذي استهدف جنودًا أمريكيين داخل قاعدة عسكرية في ولاية فلوريدا ونفذه السعودي “محمد الشمراني” بتنسيق مباشر مع قيادة القاعدة في اليمن.

ومن المتوقع أن ينطوي التنظيم على نفسه خلال الفترة المقبلة ويتبع استراتيجية طويلة الأمد تعتمد على شقين أساسيين، الأول الاستمرار في الهجمات التي تتم بأسلوب حرب العصابات الاستنزافية ضد قوات الحكومة اليمنية والقوات الموالية لها من ناحية، وضد جماعة أنصار الله “الحوثي” من ناحية أخرى، بينما الشق الثاني متعلق بكسب تأييد القبائل اليمنية، وتوسيع نفوذه في محافظات أبين ومأرب وشبوة، مع الاستمرار في تكتيك التخفي والبقاء في الظل الذي يعتمد على خلق تنظيمات موازية وتمكين شيوخ القبائل الداعمين لأيديولوجيا التنظيم أو من يمكن تسميتهم بوكلاء القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وسيضمن التنظيم عبر الاستراتيجية السابقة، تثبيت قدمه في معاقله الحالية والتمدد داخل مناطق جديدة دون دفع تكلفة كبرى من عناصره ومقاتليه، كما سيواصل التنظيم سعيه لكسب “الحاضنة الشعبية”، وذلك عبر ترويج خطاب إعلامي أقل تشددًا، ومحاولة التغلغل داخل المجتمع اليمني عبر تزويج مقاتليه وقادته من نساء القبائل اليمنية السنية الكبرى، فضلًا عن عدم تمسكه بقضية التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية – من وجهة نظر التنظيم- خلافًا لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى