سقوط في كتالونيا

كيف ضيّع "بارتوميو" البارسا؟

لا أعتقد أننا لعبنا بشكل خاطئ الليلة. كل ما في الأمر أن هذا أفضل فريق واجهته في مسيرتي. لم أقابل أي فريق نجح في إخفاء مانشستر يونايتد بهذا الشكل! ما يفعلونه لا يستطيع أي فريق في العالم مجاراته، فقط علينا أن ننتظر أن ينخفض منحنى أدائهم بمرور الوقت. لا نملك شيئًا آخر لنفعله.

كانت تلك كلمات السير أليكس فيرجسون بعد نهائي ويمبلي الشهير عام 2011 الذي انتهى بفوز برشلونة بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد. مباراة وصف إحصاءاتها الفريق التحليلي لصحيفة “الجارديان” بأنها الأغرب على الإطلاق في تاريخ نهائيات البطولة.

19 تسديدة منها 12 تسديدة على المرمى، مقابل 3 تسديدات منها تسديدة واحدة على المرمى. نسبة استحواذ تقارب 70% مقابل 30%، و6 ركنيات مقابل لا شيء. هذه ليست إحصاءات مباراة لبرشلونة أمام غرناطة في الليجا، هذه إحصائية نهائي دوري أبطال أوروبا لعام 2011 أمام بطل الدوري الإنجليزي الممتاز.

يؤمن كثيرون بأن فريق جوارديولا في تلك الحقبة هو الأفضل على الإطلاق في تاريخ كرة القدم. وهذا تحديدًا ما ظلم نسختي برشلونة قبل وبعد جوارديولا. فنسخة ريكارد مع رونالدينهو وديكو وصامويل إيتو لم تكن عادية، ونسخة MSN مع إنريكي لم تقدم ما يسهل على الآخرين تقديمه.

لكن في كل الأحوال يتفق الجميع أن نسخ برشلونة منذ عام 2006 حتى عام 2015 هي نسخ ذات هوية كتالونية واضحة، مشروع كرويف مُميز المعالم الذي أسر قلوب عشاق المستديرة حول العالم.

والسؤال الآن: ما الذي حدث بعد 2015 أفقد برشلونة تلك الصبغة الكروية؟ ما الذي أوصل الأمر إلى فضيحة لشبونة بهزيمة هي الأثقل في تاريخ النادي منذ عام 1946؟

أجراس الإنذار

يقول الصحفي الإنجليزي بالجارديان “سيد لو” إن أجراس الإنذار كانت عالية في المواسم الخمسة الأخيرة لإدارة برشلونة، لكن لم يستجب أحد، فكانت هذه هي النتيجة. ولكي تشعر أكثر بأجراس الإنذار التي قصدها الكاتب الإنجليزي، دعنا نستعرض بعض الأرقام في السنوات الخمس الأخيرة للفريق الكتالوني.

تقول منصة «Fbref» الأمريكية للإحصاء، إن معدل الأهداف المتوقعة للمباراة الواحدة XG/90min للبلوجرانا قد انخفض من 2.9 في موسم 2015/2016 إلى 1.6 في موسم 2019/2020. معدل الأسيست المتوقع في المباراة الواحدة انخفض أيضًا في الفترة ذاتها من 2.1 أسيست/90 دقيقة إلى 1.1 أسيست/90 دقيقة.

سارت أغلب الإحصاءات على النسق نفسه: انخفاض بمقدار 50% تقريبًا. حتى عدد الأهداف في الليجا قد انخفض بنسبة 28% تقريبًا في المواسم الخمسة الأخيرة من 113 هدفًا إلى 83 هدفًا.

ومن الجدير بالذكر أن كل تلك الأرقام قد انخفضت بشكل خطيّ، أي إنه لم تكن هناك أي استثناءات أو ارتفاعات في تلك الإحصاءات في أي موسم في المنتصف. الشيء الأهم أن كل ذلك حدث وميسي يقدم تلك العروض الإعجازية على أرض الملعب، فماذا كان سيحدث في غيابه إذن؟

استمر انهيار الأداء، وانخفاض الأرقام. الأصوات تتعالى ورنين أجراس الإنذار يعلو أكثر فأكثر. الكل يتوقع كارثة قادمة لا محالة، إلا إدارة بارتوميو. انتظر الجميع القشة التي ستقصم ظهر البعير، لكن للأسف ما حدث في مدينة لشبونة لم يكن أبدًا قشة، بل زلزالًا هز إقليم كتالونيا قاطبة.

وجه للمجد وآخر للانحدار

مشهد 1: في السادس من مايو عام 2015، بيب جوارديولا ولاعبو البايرن في الكامب نو في ذهاب الدور الأول من نصف نهائي دوري الأبطال. قرر بيب تطبيق سياسة الضغط العالي على برشلونة على عكس ما تعودوا عليه، لكنه -في سبيل ذلك- ترك أفدنة من المساحات لـMSN (ثلاثي هجوم برشلونة) وخسر بالثلاثة.

مشهد 2: في الرابع عشر من أغسطس عام 2020، هانز فليك ولاعبو البايرن أمام فريق برشلونة بملعب النور في لشبونة. قرر فليك تطبيق سياسة الضغط العالي أيضًا، ولكنه انتصر بثمانية أهداف.

نهائي أبطال أوروبا 2020 - برشلونة وبايرن ميونخ

الفرق بين المباراتين هو الفرق بشكل بسيط بين نسختي برشلونة في 2015 و2020. فالـMSN لم يتبقّ منه سوى سواريز غير الجاهز بدنيًّا، وميسي الذي لم يجد المعاونة. خط المنتصف اختفى منه الرسام أندريس إنييستا، وتراجع مستوى بوسكيتس وراكيتيتش بشكل غريب. أما خط الدفاع فبدلًا من ماسكيرانو وداني ألفيش وجدنا لونجليه وسيميدو.

كان من الطبيعي ألا تصمد هذه الخطوط أمام الضغط العالي لفريق البايرن هذه المرة، خصوصًا مع ارتفاع معدل الأعمار في الفريق على عكس العملاق البافاري.

ففي تشكيلة البايرن في ليلة لشبونة لعب 4 لاعبين ممن كانوا في ليلة الكامب نو: مانويل نوير، توماس مولر، جيروم بواتينج، وليفاندوفيسكي. باستثناء نوير، لم يتجاوز أي منهم عمر الـ31 عامًا ليلة المباراة، مدعومين بنخبة من اللاعبين الشباب.

على الجانب الآخر، شارك في ليلة لشبونة 6 لاعبين من برشلونة ممن لعبوا مباراة الكامب نو: ليونيل ميسي، جوردي ألبا، سيرجيو بوسكيتس، لويس سواريز، وإيفان راكيتيتش، وجيرارد بيكيه. ستة لاعبين، أصغرهم سنًا هو جوردي ألبا بـ32 عامًا! 

دروس بارتوميو للاقتصاد
بارتوميو

لكن هل كانت الفروق بين الليلتين فنية فقط؟ الإجابة بكل تأكيد: لا. بل كان هناك فارق مقداره 875 مليون يورو كاملة، فما قصة هذه الملايين؟

منذ ليلة منتصف النهائي عام 2015 وحتى ليلة لشبونة أنفق فريق برشلونة، عفوًا، أنفق جوسيب بارتوميو حوالي 875 مليون يورو في صفقات اللاعبين الجدد. مبلغ ضخم كان المستفيد الأكبر منه هو فريق ليفربول بكل تأكيد.

المثير للسخرية أن الصفقات الثلاث الأغلى في تاريخ برشلونة، والتي تمثل أيضًا رابع وخامس وسادس أغلى الصفقات في تاريخ كرة القدم، كانت حاضرة في ملعب النور في لشبونة. الفرنسي أنطونيو جريزمان الذي لعب لمدة 45 دقيقة أتم فيها 5 تمريرات صحيحة، وعثمان ديمبيلي الذي لم يدخل أرض الملعب من الأساس، وفيليب كوتينيو الذي صنع هدفًا وسجل اثنين، لكنه للأسف كان ضمن صفوف البايرن!

أعطى بارتوميو لرؤساء أندية العالم درسًا في عشوائية الإدارة وسوء الاقتصاد، والخضوع الساذج لوكلاء اللاعبين مثل كيا جورابشيان. كيا الذي أقنع باروتوميو بدفع 40 مليون يورو لجلب موكله باولينيو البرازيلي ابن الـ30 عامًا من الدوري الصيني، وموكله البرازيلي الآخر كوتينيو بصفقة بلغت 142 مليون يورو، بل ووصل الأمر لموكل صديقه البرازيلي الثالث مالكوم.

وحتى تتخيل مدى سيطرة كيا على المشهد، لك أن تتخيل أن كوتينيو قد تم التعاقد معه بهذا المبلغ لتعويض عثمان ديمبيلي الذي خرجت تقارير صحفية عن عدم قناعة فالفيردي به. لاعب تألق في المركز رقم 10 في الأنفيلد بالتأكيد لن يجد سهولة في التأقلم كجناح في ظل سيطرة ميسي على المركز رقم 10 في الكامب نو.

كانت الصفقة غير منطقية بالمرة، وشاهد الجميع مدى هزليتها، لكن كل ذلك لا يهم، طالما أن جورابشيان قد تم له ما أراد واستفاد من السيولة المادية الكبيرة في معقل الكامب نو بعد رحيل نيمار إلى باريس سان جيرمان.

الآن رأينا الأسباب الفنية لسقوط برشلونة في السنوات الخمس الأخيرة، وكذلك الأسباب الإدارية التي تتحمل نصيب الأسد مما حدث، لكن ماذا عن الأسباب الاستراتيجية وأزمة الهوية التي خلّفها بارتوميو وصديقه روسيل؟

زمن اللاماسيا المنتهي

الـDNA في مدريد هو المكسب، أما الـDNA الخاص بنا فهي المتعة. تلك هي الهوية التي خلقها كرويف وستظل في لاماسيا للأبد. مارك كارمونا رئيس وحدة التدريب في لاماسيا.

منذ حوالي عشر سنوات، كانت أنظار العالم تتجه نحو ملعب البنك الوطني في جوهانسبيرج لمشاهدة نهائي المونديال بين منتخبي إسبانيا وهولندا. سيطرت حالة من الحيرة على الجماهير من خارج البلدين حينها لاختيار أي من المنتخبين ستشجع. فكلا المنتخبين يقدم كرة ممتعة منذ بداية البطولة.

لكن حيرة الجماهير مهما بلغت فبالطبع لم تصل إلى حيرة العراب الهولندي يوهان كرويف. كان على كرويف الاختيار بين منتخب بلاده ومنتخب إسبانيا الذي يلعب فيه 9 لاعبين، من أصل 11 لاعبًا، من خريجي أكاديمية لاماسيا التي أنشأها ووضع فلسفتها بنفسه وأشرف على تنفيذها لسنوات حتى أتت بثمارها.

لم يقتصر الأمر على تخريج 9 من أصل 11 لاعبًا إسبانيًّا في المباراة النهائية للمونديال، بل إن ثلاثة منهم قد وصلوا للقائمة النهائية لجائزة Ballon D’Or للعام ذاته: ليونيل ميسي، وتشافي هيرنانديز، وأندريس إنييستا.

حقبة ذهبية عاشتها أكاديمية لاماسيا في العقد الأول من الألفية الجديدة، ولا دليل أكبر على ذلك من أن تشكيل فريق برشلونة بالكامل كان خريج لاماسيا في مباراته أمام ليفانتي بالليجا بموسم 2011/2012 كما ترى في التشكيل الموضح أمامك. شيء نادر الحدوث، إن لم يكن مستحيلًا، في فرق الـClass A إن صح التعبير.

لكن لاماسيا مثلها مثل أشياء كثيرة انهارت في حقبة بارتوميو التي بدأت رسميًّا عام 2014 وضمنيًّا عام 2010 حينما تولى صديقه روسيل رئاسة النادي أيضًا. يتشاطر الثنائي في عداوتهما الواضحة إلى كل ما يمت بصلة لفلسفة الهولندي يوهان كرويف، خاصة بعد إعفاء العراب الهولندي من رئاسته الشرفية للنادي بإعلان إلغاء المنصب من الأساس عام 2010.

فمن الصعب تصديق أن الأكاديمية التي خرّجت بويول، وتشافي، وإنييستا، وميسي، وفابريجاس، وجوري ألبا، وبيدرو، وبوسكيتس، وبيكيه؛ عجزت في السنوات الست الأخيرة عن إخراج ناشئ جيد يلعب في الفريق الأول غير إرنستو فاتي!

أضاع بارتوميو هوية النادي، كما أضاع هيبته في لشبونة، وكما أضاع المليار يورو دون فائدة في خمس سنوات، وها هو على أعتاب إضاعة ليونيل ميسي خلال الشهور القليلة القادمة، فماذا ترك لأهالي إقليم كتالونيا؟!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد ماهر

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram