زوايا

سلاح الجمهور.. سر اختلاف “التنويريون الجُدُد” عن جيل فرج فودة

على مدار العقود الماضية، دار صراع ثقافي وفكري في البلدان العربية، بين التنويريين ودعاة الإصلاح الديني من جهة والتراثيين وقادة ورموز السلفية والإسلام السياسي من جهة أخرى في ظل عدم وعي مجتمعي بطبيعة ما يجري.

ظهر الصراع واضحًا، في نتائج انتخابات البرلمان المصري عام 2012، إذ تعاظم حضور التيار السلفي ووضح خلال الفعاليات واللقاءات العامة لهذا التيار الذي يُنسب إليه الدور الأكبر في نشر مظاهر التشدد والغلو وما ترتب عليهما من تطرف وإرهاب، وتبين أن القطاعات السلفية التي اختارت العمل السياسي- كحزب النور وغيره- استفاد بشكل كبير من الهامش الذي منح له في الفترة بين 1970م إلى 2010م ونجح في بناء قاعدة سلفية ضخمة تعتنق الرؤى التراثية التقليدية من منطلق تقييد العقل وحرية الفكر.

خلال تلك المرحلة ونتيجة تجهيل قطاعات عريضة من المجتمع وعدم الوعي لدى الغالبية بأصول الصراع وخلفياته ظل هناك انحياز شعبي للتيار التراثي الرافض للتجديد ما أدى لترجيح كفته، ولذلك خرجت ردود الأفعال الشعبية باردة وباهتة على وقائع كبيرة مثل اغتيال مفكرين مثل فرج فودة والحكم على آخرين بالردة كما جرى مع المفكر نصر حامد أبو زيد، لدرجة استمرار نفس القناعات المجتمعية حيال هذا الجيل من المفكرين إلى الآن، وليس ما بدر عن الممثل أحمد الرافعي بشأن فرج فودة استثناءًا من رواسب حالة مجتمعية داعشية –وفق وصف عزة كامل في مقالها بالمصري اليوم “اغتيال متكرر لفرج فودة”.

عدم التفاعل الشعبي وغياب المجتمع كطرف مشارك جعل الصراع الثقافي حينها نخبويًا محدودًا بين طرف يلقى دعمًا من بعض الأطراف وتفتح أمامه أبواب وسائل الإعلام، فضلًا عن سيطرته على أعداد كبيرة من المساجد، مقابل طرف إصلاحي لا يملك شيئًا من أدوات النفوذ وأوراق الحضور والقوة، ما جعله فريسة سهلة وعرضة للتصفية الجسدية أو التشويه المعنوي أو السجن، وهو ما وصفته إيمان علي بمقالها بروزاليوسف “سيرة الغدر” تقول:” عن انهيارٍ وتصدعٍ في بنية مجتمع أسرت عقول أبنائه حلقات الشيوخ المتشددين في الإعلام الرسمي.. فتاوى التكفير وإهدار الدم بينما أرهقت قواه ضربات الإرهاب في كل مكان”.

فرج فودة

ما الذي تغيّر؟

طرأت مؤخرًا متغيرات صبت في مصلحة التيار التنويري، في حين تعاملت بعض الجهات الفاعلة بطريقة مختلفة نسبيًا عن التعاملات السابقة، ففتح المجال نسبيًا أمام التنويريين، وحظوا بحضور إعلامي في أكثر من مناسبة ومنصة.

بدا الأمر، كما لو أن الدولة التي تطالب بالتجديد والإصلاح الديني وجدت أن الأجدى فتح الساحة لمختلف الأطراف ريثما يثبت من يمتلك المشروع الفكري والثقافي المتماسك والرؤية الأكثر شمولًا وإقناعًا أحقيته في حمل لواء التجديد، وهو ما سيحرك الجمود ويسير بالحالة الفكرية نحو التفاعل والتدافع والتأثير الجماهيري الواسع.

علاوة على أن صدمة ممارسات تنظيمات كداعش والقاعدة قد أسهمت في إفاقة المصريين والعالم الإسلامي والعالم العربي؛ فالظاهرة على بشاعتها أثارت الجدل المجتمعي بمعنى أنها أثارت الأسئلة الكبيرة التي تبحث عن إجابات.

حرص العامة على معرفة حقيقة انتماء هذه الظواهر الموغلة في التوحش للتاريخ والتراث وكونها تطور طبيعي لما هو موجود بالمجتمع من عدمه.

وصار هناك إلحاح على تحديد هوية الجهة التي تعالج هذه الأفكار الرجعية الهمجية، على خلفية السيولة الحادثة في المشهد لدرجة أن تيار الإسلام السياسي يرفض الثقافة الإسلامية التقليدية ويزعم أنه هو من سيحل معضلة التراث والتشدد ومعضلة التاريخ العربي والإسلامي، وهذا وضح من خلال مزاعم مفتي جماعة الإخوان يوسف القرضاوي وغيره، وهو الذي قدم نفسه كبديل إسلامي “معتدل” في سياق مناورة خدعت الكثيرين- كما ذهب خليل علي حيدر في كتابه “إعتدال أم تطرف”- .

تطلب تفكيك خطابات التشدد وتحجيم نفوذ هذه الشبكات الممتدة في المحافظات وإخراج جموع الجماهير من القوقعة السلفية المتشددة إعادة دمج هذه الجماهير بالمجتمع واستعادتها إلى مساحة الرؤية المتسامحة والمنفتحة للدين وللحياة بمعزل عن النسخة الدينية المنغلقة الخاصة بالمنهج والفكر الأصولي السلفي المتشدد.

كسب التيار التنويري خلال السنوات الأخيرة أرضًا جماهيرية جديدة، ومن خلال حجم التفاعل مع رموزه على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى موقع يوتيوب نلحظ تزايد أعداد المعتنقين لتصوراته وقناعاته، وهذا نجم عن تفتيح وعي الجماهير عبر تواصل مباشر معهم، خلافًا لما كان يجري بالماضي عندما كان الإطلاع على إنتاج التنويريين محصورًا داخل الإطار النخبوي المحدود، في الوقت الذي تعرضوا خلاله للتشويه وتلويث السمعة والتكفير على مستوى دعائي واسع من طرف التراثيين والتيار السلفي.

التفاعل المجتمعي من خلال حضور إعلامي لافت مع رموز التيار التنويري صارت تغذية رغبة شعبية كامنة في التطور والتقدم للاستفادة من التجارب الإنسانية وللخروج من متاهة أفكار كثيرة خارج العقل وموغلة في التشدد ومنها ما هو أقرب للأسطورة والخيال منه للحقيقة والواقع، وهو تطور مهم يجعل المجتمع شريكًا أصيلًا في الانتقال إلى مراحل أرقى وأكثر إزدهارًا؛ لأنه طالما تحقق التنوير الذي هو في حقيقته فعل فكري وثقافي وهو ما نحن بصدده الآن، فسيعقبه التحديث وهو فعل مجتمعي مترتب على التنوير الذي عالج الأفكار المغلقة مكرسًا سيادة العقل باعتباره مقياس الأشياء جميعها.

يوسف القرضاوي

ميزات التنويريين الجدد

انتهز التنويريون الفرصة السانحة وكثفوا من حضورهم الإعلامي عبر إنتاج فكري تم التخديم عليه بصورة جيدة، وبدا من أسلوب الطرح والمعالجة وطريقة الأداء أنه علاوة على الإعداد الجيد قد تمت مراجعات وتعديلات على أسلوب العرض القديم دون المساس بجوهر القضايا النقدية المثارة، وظهر ذلك واضحًا في الأسلوب الجديد الذي اتبعه عدد من التنويريين المصريين والعرب عبر كتاباتهم أو برامجهم وتفاعلهم المباشر مع الجمهور.

ظهر الجيل الحالي من التنويريين أكثر تطورًا وهدوءًا بمعزل عن المساجلات والمناظرات مع رموز التيار السلفي ومنظري الإسلام السياسي الذين كانوا ينصبون فخاخًا لاصطياد ضحاياهم عبر قضايا إزدراء أديان، باذلين جُل جهدهم في النقاش والحوار المباشر مع الجمهور العريض.

الملمح الأكثر أهمية هو تركيز التنويريين الجدد على مهمة شرح خلفيات الصراع وحقيقته للجمهور مع تفكيك المشهد التراثي وتوضيح المقدس منه وغير المقدس، وهو ما ينبه عليه مصطفى عبيد في مقاله بالوفد “دماغ عبد الجواد ياسين” بشأن مجهودات المفكر المصري عبد الجواد ياسين.

عَمَدَ هذا الجيل لكشف كافة الأمور والإشكاليات المُبهَمة في التراث والفقه الإسلامي التي كانت تُوظف من قبل التراثيين كمسوغات لفرض أحكام التشدد التقليدية وللترويج لمفاهيم أضرت بالإسلام والمجتمعات المعاصرة.

يرى التنويريون الجُدد أن السبب الرئيسي في الحال التي وصلت إليها المجتمعات العربية على المستوى الثقافي والفكري عائد لترك العلم بأمور الدين وتفصيلاته النبوي لفئة من الناس نتيجة انشغال عامة الشعب بأمورهم الحياتية، فتكونت طبقات وجماعات تحتكر فهمًا خاصًا للدين، فارضة رؤاها على المجموع على الرغم من أن الدين قضية تخص الجميع، وليس من المنطقي استمرار الوكالة مع وجود خلل لا ينكره أحد أدى لهذا الكم من التطرف وهذا المستوى من الوحشية والدموية، وهو ما أوصلنا لمرحلة لا مفر حيالها من استرداد الدين وإصلاح العَطَب قبل أن يُهدم البناء فوق الجميع، وحتى لا نحيا في انسداد طائفي رجعي مزمن -وفق تعبير هاشم صالح في كتابه الانسداد التاريخي.. لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي”.

تعقيد العلوم الدينية في السابق ووضعها في قوالب غامضة وتقسيمات مبهمة مع إظهار صعوبة استيعابها كونها تتطلب حفظ آلاف المتون وسلاسل السند، كان مقصده تجهيل العامة وإبقاءهم بحاجة دائمة لفئات الحافظين من التراثيين ممن يمتلكون وحدهم مد الراغبين بالتفسيرات الدينية، مُسْتَعْلِين على من أطلقوا عليهم وصف العَوَام بصفات أطلقوها على أنفسهم كالحافظ والحجة وأمير المؤمنين في الحديث، وهو ما اجتهد في تفكيكه وتصحيحه الباحث إسلام بحيري في سياق برنامجه الخريطة.

ما يقوم به التنويريون ودعاة الإصلاح الديني حاليًا هو العكس؛ من خلال إفهام العامة حقيقة هذه العلوم عبر تبسيط قضاياها وفك طلاسمها وإزالة غموضها وإيضاح مقاصد الدين العليا والكشف عن كيفية وزمن حدوث التشوه والخلل مع القرون التي تلت عصر الصحابة رضي الله عنهم عبر اختلاق ووضع آلاف الأحاديث التي تناقض القرآن الكريم وتضر بسمعة الإسلام.

المفكر نصر حامد أبو زيد

طرف المعادلة الثالث

جعل هذا التطور الطرف الثالث بالمعادلة وهو المجتمع وعامة الناس مشاركين مؤخرًا للمرة الأولى في الصراع الثقافي، بخلاف ما كان سائدًا وغالبًا خلال فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، عندما انفرد التراثيون والأصوليون المتشددون بالنخب التنويرية التي لم يكن لها سند جماهيري قوي.

عزز بدء إشراك المجتمع في الصراع من قوة التنويريين الجُدد بعد إسقاط قشرة القداسة الزائفة عن بعض النصوص التراثية غير المتسقة مع المفاهيم الإسلامية الصحيحة والمتناقضة مع القيم والمبادئ القرآنية العليا، وهي بداية مثالية للتغيير تتماهى مع مقدمات ومسارات النهضة الأوربية، التي تحققت بإرادة فوقية من الدولة ثم بتنوير مجتمعي أفضى لوعي قطاع كبير من الشعب بحقيقة الصراع وتفصيلاته الفكرية والمعرفية- وفق طرح أحمد سعد زايد- .

التدافع الثقافي الجاري وتوسيع مجال المعرفة والفهم الديني ليشمل أكبر عدد من كافة قطاعات المجتمع كفيل بكسر احتكار طبقة بعينها للتفسير الديني وتجاوز مرحلة ظل الفقهاء ورجال الدين يصدرون خلالها أحكامًا فقهية جاهزة لا تقبل النقاش والنقد.

ويعول رموز التيار التنويري على الاستجابة المجتمعية وعلى نشر ثقافة الحوار والنقاش وفتح مجال الجدل حول كافة القضايا الدينية لانجاز ما لم يتحقق في عهد سابقيهم الذين حُرموا من السند الجماهيري، ولخلق تصور إسلامي بديل عن الرؤية التراثية التي لا تعبر عن الإسلام بملامحه ومقاصده وغير قادرة على التوفيق بين التصور الذي رسمه القرآن وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل إنتاج المرويات والفقه في عهد التابعين وما يحتاجه الواقع الحالي من مفاهيم إنسانية تعيد المسلمين للمشهد الحضاري.

يرجع القبول الجماهيري لرموز تيار التنوير الصاعد لعدم تأسيس رؤيتهم ومعالجاتهم على الرفض الديني وإحداث قطيعة شاملة مع كل التراث، بقدر ما هي قائمة على إعادة قراءة التراث برؤى عقلانية نقدية من جهة كونه إنتاج بشري، في سياق رؤية تبحث عن الإسلام الأصلي وترفض التزوير الطارئ عليه- وفق طرح سامح عيد مجيبًا على سؤال: هل أدافع عن الإسلام أم أحاربه-.

ربط جذور ماضي ما قبل الفقه وقبل ظهور الخلاف برؤى عقلانية إستشرافية للمستقبل يتيح حاليًا للتنويريين ولدعاة الإصلاح الديني طرح الرؤية الأكثر منطقية وإقناعًا لجمهور عريض لم يعثر على هذا التناغم بين الواقع والدين وبين الماضي والحاضر لدى غالبية من ارتكزوا على الطرح التقليدي للتراث دون تنقيحه بما يتوافق مع القرآن ومقصد الدين في حياة الإنسان.

يضاعف من رسوخ قدم تيار التنويريين الجدد رغبة غالبية المسلمين في مصر والعالمين العربي والإسلامي في الخروج من الجمود الذي كرسه تيار يعتمد على الحفظ والتلقين والقدرة على استرجاع آلاف المرويات وإعادة عرضها للدلالة على أن التراث من صميم الدين، علاوة على رغبتهم في معالجات ناجعة بعيدًا عن الكلام المكرر في المسائل نفسها بأسلوب انفعالي مشوب بالعاطفة، والذي لا يعبر في مجمله عن أصل رسالة الإسلام وغاياتها، ولا يسهم في تحسين واقع المسلمين الحالي بل يزيده تدهورًا.

يجد قطاع من الجمهور الذي تلقى طرح رموز التنوير أن هذا التصور هو الأقرب للرؤية الإسلامية الصحيحة القائمة على التنوع والاختلاف والحوار وإعمال العقل وإثبات القداسة لما هو مقدس ونفيها عما دون ذلك، وهو الأساس الذي بُني عليه الدين الإسلامي، فليس من بين الصحابة من ادعى امتلاك الحقيقة المطلقة أو الكلمة الفصل في الأمور الخلافية، وليس فيهم من نصب نفسه وصيًا يحاكم الناس على مكنونات صدورهم، كما لم يلوذوا بسلطة لفرض اعتقادهم الغيبي على العامة ومن ثم تكفير المخالفين لهم.

إذن ما يتعلمه الجمهور من خلال البرامج التي يقدمها التنويريون الجدد من علوم دينية ليس بغرض حفظ متون تراثية وتقديسها، إنما لمعرفة مواطن الخلل وإصلاحها على أساس من الفهم العميق لمختلف الإشكاليات والمسائل، من شأنه صناعة زخم شعبي يشارك من خلاله الجمهور مع النخبة المثقفة في بناء معرفي سليم للإسلام، الأمر الذي يحرم التراثيين من الانفراد بمواجهة غير متكافئة مع التنويريين اعتمدت بالماضي على تقديس ما لا يصح تقديسه وتغييب المجتمع عن الصراع عبر تجهيله.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى