سلامة حجازي

"المشخصاتي" الأكبر

ازدحم الجمهور السكندري على زاوية الطريقة الرأسية، بعد أن ذاع صيت الشاب الذي يتفنن في الإنشاد، ويجدد في طرائق حلقات الذكر. وقبيل الفجر، يحتشد جمع غفير للاستماع إلى تسابيحه وأذانه من فوق مئذنة مسجد الأباصيري، حتى صار الفتى ذو الخمسة عشر ربيعًا حديث الناس، يتناقلون أخباره متعجبين منبهرين من صوته القوي اللين الصداح، دون أن يخطر ببال أحد منهم أن هذا الشيخ سيكون أعظم رواد المسرح الغنائي بمصر وبلاد العرب.

الشيخ سلامة حجازي، علم خفاق من أعلام عصر النهضة المزدحم بالعباقرة، متعدد المواهب، صوتًا وتلحينًا وتمثيلاً، وهب حياته للفن، فكان ركنًا من أركانه وعمودًا من أعمدته، بذل الجهد والوقت والمال، وقدم إنتاجًا ضخمًا لا تستطيعه اليوم مؤسسات وفرق.

في حي رأس التين بالإسكندرية ولد الطفل سلامة حجازي، عام 1852، ونشأ يتيمًا، إذ توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره، وبدأ حياته قارئًا للقرآن الذي حفظه كاملاً وهو صبي لم يُتِمّ الثالثة عشرة، وكثرت عليه طلبات الأسر الكبيرة ليقرأ بأجر أعلى من قرنائه، ثم اتسعت شهرته في الإنشاد وتنظيم حلقات الذكر، فاضطرت الطريقة الرأسية إلى تقسيم الليالي على عدة مساجد، تخفيفًا للزحام، وإشباعًا للمتعطشين.. كان القرآن والإنشاد المدرسة الكبرى التي تخرج فيها سلامة حجازي.

لكن الفتى الموهوب طمع في مزيد من الإجادة والتعلم، فألقى بنفسه إلى كبير منشدي الثغر الشيخ أحمد الياسرجي، الذي لم يلبث طويلاً حتى طلب من سلامة أن يكف بتاتًا عن قراءة القرآن، وأن يجتهد في تقوية الطبقة المنخفضة في صوته (القرار)، وقد لازمه الفتى يتلقى منه إلى أن فارق الحياة، وفي مأتمه قرر سلامة أن يقرأ القرآن تحية لروح أستاذه، فسمعه كبير منشدي القاهرة الشيخ خليل محرم، الذي جاء خصوصًا للعزاء، فأعجب به إعجابًا شديدًا، ثم قرر أن يمكث بالإسكندرية بضعة أشهر، فكانت فرصة انتهزها سلامة ليتلقى أصول الفن الإنشادي عليه.

من تسجيلات الشيخ سلامة على الأسطوانات.. يا غزالاً صاد قلبي

وقبيل الثورة العرابية، بدأ فن التمثيل يظهر في مصر، وقدم فنانو الإسكندرية أعمالهم للجمهور في ميدان المنشية، لكن هذا الفن لم يجد من الناس إلى الإعراض والازدراء، ورفض الشيخ سلامة كل طلبات وتوسلات أصدقائه ومعجبيه للانخراط في الأعمال المسرحية، وتوظيف صوته القدير في تقديم روائع تجذب الجمهور.. كان متأثرًا بتربيته الدينية، وبيئته المحافظة، ونظرة المجتمع التي تحتقر “التشخيص”.. لا يجوز أن يصبح الشيخ سلامة “مشخصاتيًّا”.

يؤكد الدكتور محمد فضل، أن رفض الشيخ للتمثيل كان قويًّا جدًّا، ويروي في كتابه الذي وضعه عن حياة سلامة، قصة أول عرض جاءه بالمشاركة في التمثيل، بعد محفل زفاف أخته: “كان ممن ضمتهم الحفلة بعض الممثلين فى جوقة إسحق والخياط، الذين لم يتمالكوا أنفسهم عند سماع صوت الشيخ فى قصيدة “سفر اللثام” حتى أتوا بأصحاب الفرقة وبدؤوا يفاوضون الشيخ في الانضمام إليهم.. غضب الشيخ وتألم من الوسطاء الذين بذلوا كل ما لديهم فى سبيل إقناعه بالانضمام إلى التمثيل، محسنين له فضائله، ومُرغِّبين له في مستقبله.. وقد ذهب الغضب بالشيخ إلى أن هدد زوج أخته، السيد الخضري، بسحب أخته من بيته إن استمر في الإلحاح عليه لأنه يأنف أن يصفه الناس بوصمة “المُشَخِّص”.

ويضيف فضل: “أُغرِيَ بكل الطرائق والضمانات المالية، وأُثِّر فيه من كل واسطة، فأبى هذا الطلب مُؤْثِرا حالته التي هو فيها على أي شيء آخر، ورمى التمثيل بأنه وصمة غير شريفة لا يحب أن ينحدر إليها… لم تنفع فيه الشفاعة ولم تتأثر نفسه بالرجاء”.

الشيخ سلامة

لكن صيت الشيخ طار إلى القاهرة، وجاءته دعوة من إحدى الأسر الثرية ذات النفوذ لإحياء بعض لياليهم، وتدفقت الجماهير على المحفل، ما كان له صدى عند الأسرة الخديوية، التي لم تلبث أن دعته لإحياء زفاف إحدى بناتها، وفي هذا المحفل تحديدًا هيّأت المقادير ما سيبدل موقف سلامة من “التشخيص”.. فقد كانت من ضمن المدعوين فرقة تمثيلية على رأسها الممثلان سليمان الحداد وسليمان القرداحي، اللذان افتتحا الحفل بتقديم رواية جديدة، شهدها الشيخ وتتبع فصولها، وأعجب بها إعجابًا كبيرًا.. وقال يومها: لا يمكن أن يكون “التشخيص” ضد الدين أو الأخلاق.

كانت ليلة فارقة تاريخية، فقد كانت مواهب حجازي تؤهله لأن يرتقي بالمسرح الغنائي إلى أعلى مستوياته المرجوة، وبالفعل، انضم سلامة إلى فرقة الحداد والقرداحي، التي اجتهدت لإشاعة الخبر في الأوساط القاهرية المتعطشة لفن حجازي.. ويبين الدكتور محمد فضل مدة العلاقة الفنية بين حجازي وصاحب الفرقة قائلاً: “امتلأت القاهرة بسمعته وأخذ الناس يهرعون إلى دار القرداحي بالعتبة الخضراء أفواجًا ليستمتعوا بذلك الصوت الساحر الذي ينبعث من حنجرة الشيخ سلامة، لما كانوا يرون فيه من السلوى لنفوسهم والترويح لأفئدتهم، وانحنت لعظمة مطربنا الرؤوس إعجابًا بفنه، وقدّره الناس تقديرًا لم يحظ به أحد من أبناء مهنته… ظل الشيخ يزامل صديقيه في جوقتهما نحو 4 سنين… وقد شعر من ناحيته بعد هذا الحين بمقدرته ومنزلته العظيمة عند الجمهور، فأحب أن ينزل نفسه منزلتها من المكانة اللائقة به، فطلب إلى القرداحي أن يتولى هو تمثيل أدوار البطولة في روايات جديدة شرعوا في إخراجها، ولكن القرداحي أبى على سلامة هذا الطلب ولم يشأ أن يتمشى معه إلى هذه الغاية، فكان ذلك داعية انفصاله عن عمله معهما”.

الشيخ سلامة حجازي.. مجروح يا قلبي

انتقل حجازي إلى فرقة إسكندر فرح الناشئة، فنهض بها كثيرًا، وأقبل الجمهور بكثافة على عروضها، وقدم حجازي من خلالها عددًا من روائعه، فأخرج روايات “الإفريقية”، “تليماك”، “الطواف”، “ملك المكامن”، فنجحت كلها نجاحًا باهرًا، وأدرت على الفرقة مبالغ كبيرة، وبلغ أجر سلامة في الليلة 30 جنيهًا.

ويرى الدكتور فضل أن “هذا النجاح حدا بالشيخ لأن يشجع أدباء عصره ليتمكن من إيجاد مورد جديد للمسرحية، ولذلك أخذ يدر عليهم المال الكثير حتى تمكن من الحصول على ما يقارب 20 رواية منسجمة التلحين، منتقاة الموضوع، منها على سبيل المثال: ضحية الغواية، القضاء والقدر، غانية الأندلس، غرام وانتقام، مظالم الآباء، البرج الهائل، مغائر الجن، ابن الشعب، هملت، وغيرها من المسرحيات العظيمة المؤلفة والمعربة”.. لكن خلافًا دب بين الشيخ وبين صديقه إسكندر فرح اضطره إلى ترك الفرقة.

كوَّن الشيخ بعد انفصاله عن إسكندر فرح فرقته المستقلة، وافتتح مسرحه الخاص بمسرحية صلاح الدين الأيوبى، فبلغ إيراد الشباك ليلتها 200 من الجنيهات، وأعقبها برواية “اليتيمتين” فحققت نجاحًا مدوِّيًا.. وأصبح سلامة سيد هذا المجال بلا منازع ولا منافس.. ورحل الرجل بفرقته إلى عواصم الأقاليم ليقدم فنه إلى مختلف فئات الشعب.

 ولما رأى أنه حقق في المسرح ما أراد من نهضة ومجد، تفرع مدة للتلحين وابتكار المروشات الخديوية التي راجت واشتهرت، وتعاقدت معه شركة أوديون على تسجيل أسطوانات من هذه الأناشيد وغيرها، مقابل مبلغ شهري قدره 12 جنيهًا يتلقاه طوال حياته وينتقل بعده كحق مكتسب إلى ورثته.

وفي تلك المرحلة، “أحب الشيخ أن يعاود الكرة لاستدراج النظارة نحو الفن الدرامي الصرف الذى لا لحن فيه، وبخاصة بعد أن استتب له الأمر وأصبحت داره يخفق فوقها لواء الزعامة التمثيلية في مصر، حتى بلغ صافي دخله الشهري 6 آلاف جنيه من غير مبالغة، فأخرج روايات: القضية المشهورة، صاحب معامل الحديد، سارقة الأطفال.. واستطاع أن يمتلك مشاعر الحضور وأن يجعلهم يسيغون هذا النوع ويتعودون مشاهدة الرواية خالية من الغناء والتلحين”.

قصيدة "سمحت بإرسال الدموع محاجري".. بصوت الشيخ

عام 1906، بدأ سلامة حجازي رحلته الكبيرة إلى بلاد الشام، ولاقى في سوريا حفاوة بالغة بشخصه وفنه، واستهوته دمشق بعبيرها، فكرر الرحلة إليها، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وأصيب الشيخ بشلل نصفي عام 1907، في أثناء إقامته بالعاصمة السورية، فبقي عدة أشهر للعلاج، ثم اضطر إلى العودة إلى القاهرة حزينًا كسيرًا وحيدًا، وعاش محنة كبيرة، لكن عزيمته وإيمانه مكناه من تجاوزها، فاستعاد نشاطه في التلحين، وأشرف على عروض فرقته المسرحية التي أقامت محافلها في مختلف أنحاء القطر المصري.

أما عام 1914، فمثل محطة مهمة في حياة حجازي، إذ زار الأقطار المغاربية، وحصد هناك ما زرعه في مصر من مجد، حيث كُرِّم على أعلى المستويات السياسية، وطلب منه الباي (والي تونس) أن يقيم حفلة كبيرة في قصر الحكم، بحضور الوزراء والسفراء وأعيان البلاد يقدم خلالها إحدى مسرحياته (صلاح الدين الأيوبي) فأداها الشيخ أداء باهرًا أخذ بالألباب والأفئدة، ومنحه الوالي وسامًا تونسيًّا رفيعًا.

في 14 أكتوبر/تشرين الأول عام 1917، مات رائد المسرح المصري، ووقع خبر وفاته على الجماهير مؤلمًا صادمًا.. واحتشد الآلاف في جنازته، يتدافعون لتقبيل جثمانه، تحت وطأة شعور مرير بفقدان رجل جعل الفن رسالة مقدسة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search