سياسةمختارات

“سلام السودان”.. الغناء وحده لا يكفي

 

فيما انطلقت الزغاريد وقُرِعتِ الطبول واهتزت أرض جوبا، عاصمة جنوب السودان، من وطأةِ الرقصاتِ الإفريقية، فرحًا واحتفاءً بتوقيع اتفاق سلام بين الحكومة السودانية الانتقالية وفصائل من “الجبهة الثورية المعارضة” -التي تضم قوى سياسية وحركات مسلحة، من أجل إنهاء عقود من الصراعات الدامية، خاصة في أقاليم دارفور وجنوب كُردفان والنيل الأزرق- أعلنت فصائل مُعارضة أخرى، أهمّها حركتا “جيش تحرير السودان” بزعامة عبد الواحد نور، و”الحركة الشعبية لتحرير السودان” بقيادة عبد العزيز الحلو، رفضهما الاتفاق بصيغته الحالية.

“اتفاق السلام، الذي وقِّع السبت 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020 في جوبا بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية، سيُعمِّق الأزمة ولن يحلها”، هكذا قال عبد الواحد نور لوسائل إعلام سودانية، واصفًا العسكريين والمدنيين الذين أبرموا الصفقة بـ”مختطفي الثورة الذين فرضوا سياسة الأمر الواقع على الجميع”.

احتفالات سودانية باتفاق السلام

غناء البرهان وشاعرّية حمدوك

لم يُفلح أداء رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، مع الفرقة الموسيقية المصاحبة لفعاليات التوقيع على الاتفاق، لأغنية وطنيّة ذائعة (سودان بلدنا، وكلنا أخوان)، ولم تشفع كلمات رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الأثيرة بأنّ “هذا السلام كائن حي يحتاج رعايتنا واهتمامنا جميعًا”، ولا خُطبة “توت قلواك”، رئيس طاقم الوساطة الجنوبية، في حماية الاتفاق وتحصينه من الرفض.

لا يزال موقف عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، أقوى الفصائل المتمردة المسلحة، يراوح مكانه الرافض للتوقيع، رغم إبرامه اتفاقًا للمبادئ مع عبد الله حمدوك في 4 سبتمبر/أيلول المنصرم بأديس أبابا يتضمن 6 بنود، أهمّها فصل الدين عن الدولة، وهذا ما كان يصرّ الحلو على تضمينه صراحة في أي اتفاقية بينه وبين الحكومة.

بجانب ذلك، يشهد إقليم شرق السودان الإستراتيجي المُطل على البحر الأحمر، ويضم كل المواني السودانية، توترات ذات طابع إثنيّ، حيث لا يكتفي طيف منها يقوده الزعيم القبلي “سيِّد محمد الأمين تِركْ”، الذي كان مُناصرًا للنظام السابق، برفض اتفاق جوبا، بل ينادي بمنح الإقليم “حق تقرير المصير”.

توقيع اتفاق السلام السوداني بحضور دولي وإقليميّ

طريقٌ طويل ومهام شاقْة

بالنسبة إلى عصام الدين علي، الأكاديمي والباحث السياسي السوداني، فإنّ الطريق نحو تحقيق سلام شامل ودائم في السودان لا يزال طويلاً وشاقًّا، خاصةً أنّه لم يشمل أكبر حركتين مسلحتين في دارفور وجنوب كردفان، بالنظر إلى مآلات كافة الاتفاقيات السابقة التي أبرمتها الحكومات السودانية المتعاقبة مع المجموعات المتمردة على السلطة المركزّية، فضلاً عن أنّ الطريقة التي أُديرتْ بها المفاوضات وبنود الاتفاق، ليست إلا تكرارًا مُمِلاً، بحسب تعبيره، لصيغِ الاتفاقات “الفاشلة” السابقة كافة، والتي تستهدف تقاسم المناصب الحكومية والثروة، دون النظرِ إلى مُعالجةِ جذور أزمة الحكم في السودان وأسباب الحروب الأهليّة التي لا تتوقف إلا لتشتعل مُجدّدًا، فالسودان بلدٌ شديد التنوع والتعقيد، ليس من خيار لإدارته سوى تأسيس دولة المواطنة، حيثُ يتساوى الجميع دون النظر إلى العرق والدين واللون، لذلك فإنّ مثل هذه الاتفاقيات المُتعجِّلة دائمًا ما تكون شديدة الهشاشة لكونها تستهدف الكسب السياسي الآنيّ.

ويمضي علي في حديثه إلى “ذات مصر”: “هذا الاتفاق سيؤول عاجلاً أم آجلاً إلى فشلٍ ذريع، والدليل على ذلك أنّ أهم أقاليم السودان (شرقه) يذهب الآن بخطى حثيثة إلى حربٍ أهليّة، قد تدمر البلاد تمامًا إن اشتعلت، في حين يسهم بعض مكونات الحكومة بنحو مباشر أو غير مباشر في تأجيجها، بتجاهلها تارة، أو تركها لتخمد بالتقادم، أو بتحريض المكونات القبليّة في الإقليم بعضها ضد بعض، أو دعم مكوِّن ضد آخر، تارة أخرى.

حمدوك وعبد العزيز الحلو يوقعان اتفاق مبادئ بأديس أبابا

البعض يتحفظ ولا أحد يرفض

من جهته، وصف المحلل السياسي يوسف العطا، في حديثه إلى “ذات مصر”، اتفاق جوبا بأنه “انتصار غير مسبوق لإرادة الشعب والثورة التي وضعت السلام كأولوية”.

وقال العطا إنّ مستقبل السودان كدولةٍ تخطو نحو التنمية والديمقراطية مرهون بهذه الاتفاقية الشاملة، التي تحظى بدعم دولي وإقليمي غير مسبوق، فقد شهد حفل التوقيع عليها رؤساء جيبوتي وتشاد والصومال، ورئيسا وزراء مصر وإثيوبيا، ووزير الطاقة الإماراتي، والمبعوث الأمريكي الخاص لدولتي السودان وجنوب السودان، وممثلون لدول غربية وعربية وإفريقية أخرى.

وأضاف أن من يقلِّلون من شأنِ الاتفاق، بحجة عدم توقيع حركتي “نور والحلو” عليه، لا يتابعون مجريات الأمور جيدًا، فالأول قال إنه قادمٌ إلى السودان قريبًا وبحوزته مبادرة وتصور شامل لحلّ مُشكلات البلاد منذ استقلالها حتى الآن، وإنّ رفضه التوقيع لا يعني عودته إلى الحرب أو خرقه السلام، وإنّما نتيجة تحفظاته حول بعض بنود الاتفاق والأسلوب التي أديرت بِه المفاوضات، وفي ما عدا ذلك فإنّه في الواقع، وإنْ كان البعض يصفه بالتعنت والتشدد ويطلقون عليه لقب (مستر نو)، يمتلك رؤية سياسية واضحة ومُرحّبًا بها من القوى السياسية المنضوّية في الحكومة أو المعارضة لها، باستثناء الإخوان المسلمين من فلول النظام السابق.

عبد الواحد نور – رئيس حركة تحرير السودان

أما موقف الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) –يواصل العطا– فيصب في ذات الاتجاه الداعم للاتفاق، والدليل توقيعه لاتفاق مبادئ الشهر الماضي مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإقرار الأخير بعلمانية الدولة التي يصرّ الحلو على أنّها شرط لحركته في سبيل التوقيع على أي اتفاق.

إذًا أين الرفض الذي يروج له البعض؟ يتساءل العطا: “موقف الحركتين ليس رفضًا للاتفاق، وإنما لديهما ملاحظات تقنية ومطالب معقولة، ومن وجهة نظري فإنهما ستلتحقان بركب السلام قريبًا جدًّا، وإنْ لم يحدث ذلك فإنهما ستضعان مصيرهما ومستقبلهما السياسي على المحك، لأنهما تتحديان بذلك كل الإرادات، المحلية والإقليمية والدولية.

إن المجتمعَين الدولي والإقليمي، بحسب العطا، لن يسمحا باندلاع الحرب مُجددًا في السودان، وكذلك الشعب، والكل يدعم السلام من أجل إرساء قواعد للانتقال الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي. وما موقف دول الترويكا الداعم للاتفاق ببعيد عن الأذهان، فقد أعلنت بوضوح تامّ دعمها وترحيبها به، واعتبرته “خطوة كُبرى نحو تحقيق تطلعات السودانيين إلى السلام والحرية والمساواة”، ودعت الحركتين المتحفظتين (الشعبية وتحرير السودان) إلى استئناف المحادثات مع الحكومة لتحقيق سلام شامل في البلاد، وهذا دليلٌ على أن عدم استجابتهما للإرادات المحلية والإقليمية والدولية سيكون له ما بعده.

تحول جوهري في مسار الدولة التقليدية

إلى ذلك، اعتبرت الباحثة في شؤون الأقليات والحركات المسلحة سامية الجاك، أن اتفاق جوبا بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية “تحول جوهري في مسار الدولة السودانية التقليدية”، من جهة أنه أُبرم بين حلفاء لا فرقاء، فمعظم الحركات المسلحة كانت ضمن “قوى إعلان الحرية والتغيير” التي أطاحت بنظام البشير.

الجاك قالت إن تدخل المجتمع الدولي في توجيه الاتفاق، لم يكن إلا بقدرٍ لا يتجاوز الملاحظات الفنية والدعم المعنوي واللوجيستي وتقريب وجهات النظر، كما أنّ الاتفاق تضمن للمرة الأولى 8 بروتوكولات تفصيلية بعضها جديد، وأهمها العدالة الانتقالية وتعويضات وعودة  النازحين واللاجئين، وملكية الأرض، وتطوير الرعي والزراعة، وتقاسم الثروة والسلطة، بجانب المحاصصة في السلطة، والتي مُنحت الجبهة الثورية بموجبها 3 مقاعد بمجلس السيادة، و5 حقائب وزارية، و75 مقعدًا في البرلمان الانتقالي.

اتفاق اتفاق جوبا للسلام

الأهم من هذا، بحسب حديث سامية إلى “ذات مصر”، هو تمديد الفترة الانتقالية 39 شهرًا، ابتداءً من تاريخ التوقيع 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020، علاوة على إدماج مقاتلي الحركات المتمردة في الجيش السوداني، أما في ما يتعلق بتقاسم السلطة الإقليمية، فأعطى الاتفاق 40% من سلطة إقليم دارفور لمكونات الجبهة الثورية، و10% لحركات دارفور الموقعة على الاتفاق، و20% لـ”أهل المصلحة” (من الإدارات الأهلية والمهنيين والرعاة ومزارعي دارفور) كما خصصت 20% من الوظائف في الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسُفراء للجبهة الثورية، وهذا وحده يُمثّل ضمانةً كافيةً لإمكانية صمود الاتفاق وتحققه على الأرض.

الجميع صار صاحب مصلحة حقيقية في تكريس السلام والتنمية وعدم العودة إلى الحرب مُجددًا، بحسب ما قالت الجاك، متوقعة أن تنضم المجموعات الرافضة لأجزاء من الاتفاق، وليس كله، إلى طاولة السلام في القريب العاجل.

 

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى