سلوك الضفدع المغلي

6 تغيرات للحياة بعد جائحة كورونا

عندما اجتاح الوباء العالم، سارعت الدول المختلفة إلى إغلاق حدودها، وتحولت كل دولة إلى التركيز على سبل العيش وحماية الأرواح، وعلى نحو مؤسف، لم تدفع الأزمة هذه الدول إلى التكاتف لمواجهة هذا الخصم المشترك غير المرئي، وفي بعض الحالات، أدى إلقاء اللوم بينها على تفشي المرض والجدل حول طرق الاستجابة له، إلى تفاقم التوترات الجيوسياسية في الواقع.

ومع ذلك، قد يؤدي بعض تأثيرات كوفيد-19 إلى جمعنا معًا من خلال السُبُل العميقة التي أثرت بها الجائحة في كل جانب من جوانب حياتنا تقريبًا في أنحاء الكوكب، ما يمنحنا فرصة نادرة للتوقف والتفكير في الطريقة التي نعيش بها.

الأخبار الواردة عن ظهور لقاح فعال تجعل احتمالية “العودة للحياة الطبيعية” أكثر تفاؤلاً، ولكن هل هذا التسارع الهائل في التوجهات الحالية قد غيّر بالفعل في طرائق سفرنا وعملنا واستهلاكنا ووجه مدننا إلى الأبد؟

فيروس كورونا - تعبيرية
أولاً، الطاقة والانبعاثات: فرصة للتغيير

أثرت حالات الإغلاق الوطنية مباشرة في قطاع الطاقة، سواء أكان من حيث الاستهلاك أم الإنتاج.. نجم عن ذلك تراجع في الطلب على الكهرباء لم يسبق له مثيل منذ الكساد الكبير، بحسب الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فقد تراجع الاستخدام بنسبة تصل إلى 20% في كل شهر من شهور الإغلاق، ما أدى إلى ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “الأحد الطويل” من الاستهلاك الممتد منخفض المستوى. ورغم أن الاستهلاك المنزلي زاد الطلب على الكهرباء المحلية بنحو 40%، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتعويض الطلب المتراجع بسبب إغلاق المكاتب والمصانع.

وعمومًا، انخفض ​​الطلب على إجمالي الطاقة العالمي بنحو 6% عام 2020 مقارنة بالعام السابق.

يقول أنتوني فروجت، نائب مدير برنامج الطاقة والبيئة والموارد (EER)، إن انخفاض الطلب على النفط والغاز أيضًا قد أدى إلى تفاقم النمط الحالي من تراجع السوق.

على جانب آخر، برز التوجه نحو الزيادة في إنتاج واستهلاك الطاقة المتجددة.. يقول “فروجت”: “تُظهر هذه التجربة أن تكنولوجيا الطاقة المتجددة يمكنها أن تتغلب على مشكلات التقطع في الإنتاج، في حالة أوروبا على الأقل، وأن الشبكات القائمة حاليًّا قادرة على التعامل مع نسبة أعلى من مصادر الطاقة المتجددة.. وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، قفزت مصادر الطاقة المتجددة إلى نسب كنا نتوقع أن تصل إليها في السنوات الخمس المقبلة أو أكثر”.

وينظر الزميلان في برنامج الطاقة والبيئة والموارد، جلادا لان وسيان برادلي، إلى الوضع الحالي ببعض الشكوك، مشيرين إلى “وجود دوافع متضاربة للطلب والاستثمار في الوقود الأحفوري.. مع سعي بعض الحكومات إلى ترسيخ العودة إلى الوضع الطبيعي، في حين تهدف حكومات أخرى إلى تحفيز النمو الأخضر”.

ويضيف كل من “لان” و”برادلي” أنه في كلتا الحالتين، يمكن أن تمنح تدابير التعافي الدول المنتجة الراسخة فرصة لكسر دائرة الاعتمادية، بل إن دانييل كويجين، من برنامج الطاقة والبيئة والموارد، كان أقل تفاؤلاً عندما أشار إلى حقيقة أن أكبر 50 اقتصادًا استهدفت 0.2% فقط من حزم التعافي بقيمة 12 تريليون دولار في القطاعات منخفضة الكربون.

منشأة نفطية

“المؤشرات مقلقة تمامًا، معظم الاقتصادات المتقدمة يستهدف القطاعات التقليدية. وهذه فرصة ضائعة، لأن كل مليون دولار تُنفَق تخلُق 7.5 وظيفة بدوام كامل في البنية التحتية للطاقة المتجددة، و7.7 وظيفة في قطاع كفاءة الطاقة، ولكنها تخلق 2.7 فرصة عمل فقط في الوقود الأحفوري”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الصين تعد هي “طائر الكناري الواضح في منجم الفحم”، فقد أعادت نسبة الانبعاثات سريعًا إلى مستويات ما قبل الأزمة، رغم أنها فاجأت الكثيرين بالتزامها مؤخرًا بطموحات خفض انبعاثات الكربون إلى مستوى صفري بحلول 2060.. كل هذا يعني أنه كان يوجد انخفاض في انبعاثات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 30-40% في بعض الأقاليم.

ولكن حتى لو أدى كل هذا إلى حدوث انخفاض إجمالي -تقدره وكالة الطاقة الدولية حاليا بنسبة 8% المائة- في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لعام 2020، فسوف توجد حاجة إلى تكراره لعدة عقود إذا أردنا تلبية الحد الأدنى البالغ 1.5 درجة مئوية.

ثانيًا، حظر السفر بنحو كبير

في أثناء فترات الإغلاق، أفصحت دول، من بينها الولايات المتحدة، عن انخفاض في حركة المرور على الطرق إلى مستويات لم تشهدها منذ الخمسينات. وفي ذروة هذه المعدلات، انخفض عدد المركبات على الطرق بأكثر من 70%، وانخفضت معدلات السفر جوًّا بنحو 80% على مستوى العالم، وتأثرت أوروبا تحديدًا أكثر، فسجل مطار هيثرو في المملكة المتحدة انخفاضًا 97% في أعداد المسافرين في إبريل/ نيسان 2020 مقارنة بالشهر نفسه من عام 2019.

تواجه شركات طيران عديدة حالة انهيار في ظل غياب المزيد من عمليات الإنقاذ الحكومية، وتكتنف مستقبل صناعة السفر الجوي حالة من الضبابية.. يقول بيرنيس لي، المدير التنفيذي لمركز هوفمان، إنه حتى مع تنامي الأفكار الجذرية لخفض ثاني أكسيد الكربون في مصادر الطاقة لدى شركات الطيران، وذلك من خلال الاعتماد على الطائرات الكهربائية المقترحة وأنواع الوقود البديلة، فإن تلك الخطوة لا تزال أمامها سنوات لتصير حقيقة.

حظر السفر بسبب كورونا

انتهزت المدن الكبرى مثل ميلانو ولندن وروما هذه الفرصة لتعزيز التوسع في إنشاء مناطق المشاة وركوب الدراجات، وتخفيف القيود على استخدام الدراجات الإلكترونية وإصلاح المناطق ذات الممرات المخصصة المؤقتة، والتي يمكن أن تصير دائمة في محاولة لتقليل تلوث الهواء والضوضاء والانبعاثات وللحفاظ على التباعد الاجتماعي، لكن المخاوف بشأن سلامة قطاع النقل العام قد تشهد ارتفاعًا كبيرًا في ملكية واستخدام السيارات، ما قد يدفع بالانبعاثات إلى مستويات تتجاوز مستويات ما قبل الإغلاق.

ويعتقد كويجين أن تكلفة السيارات الكهربائية ستستمر في الانخفاض وستصل إلى حالة من تكافؤ الأسعار مع مركبات الوقود، ومن المرجح أيضًا أن يرتفع استخدام الهيدروجين الأخضر. يقول كويجين: “من الواضح أن قطاع السيارات يعمل به عدد كبير من العاملين، وبالتالي فإن المركبات الكهربائية تمثل وسيلة للإبقاء على الوظائف، مع احتمال أن تؤدي إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهكذا، يجب أن تستهدف الإعفاءات الضريبية قطاع السيارات”.

ثالثًا، إعادة تعريف "العمل"

أُعِيدَ تعريفُ القيمة المحددة لمختلف أفراد القوة العاملة وسلسلة التوريد مؤقتًا على الأقل، وكانت هناك اعترافات متزايدة بوجود عاملين “أساسيين” وموظفين رئيسين في الخطوط الأمامية، بدءًا من العاملين في مجال الصحة والرعاية إلى المعلمين وموظفي السوبر ماركت وسائقي الدليفري، بحسب آنا يان، نائب المدير التنفيذي لمركز هوفمان.

وتضيف “يان”: “بقي أن نرى كيف سيُترجم هذا إلى رواتب وتقدير أفضل على المدى الطويل.. لقد كشف الفيروس أيضًا عن تفاوتات اجتماعية واسعة النطاق، فقد صار الموظفون العاملون بنظام عقود ساعات العمل الصفرية هم الأكثر عرضة لفقدان وظائفهم، وكذلك العاملون في المصانع والمستودعات وسيارات الأجرة الذين يضطرون إلى اتخاذ قرار بالمخاطرة بالعدوى بدلاً من خسارة الدخل الثمين”.

وصار العمل من المنزل طبيعيًّا بالنسبة إلى ملايين الموظفين من ذوي الياقات البيضاء، الذين بدّلوا التنقلات والاجتماعات اليومية واستخدموا ساعات مرنة ومكالمات جماعية افتراضية، وسارع بعض المؤسسات إلى التخلص من المكاتب مرتفعة الكلفة، وصرحت قطاعات مثل القطاعات المالية والتكنولوجية بوجود إنتاجية أعلى “لا جدال فيها” وموظفين أكثر سعادة من خلال الموازنة الجديدة بين العمل والحياة.

كان موقع “تويتر” واحدًا من أولى المؤسسات الكبرى التي أعلنت أن الموظفين يمكنهم العمل من المنزل إلى أجل غير مسمى.. وقال بروس ديزي، نائب الرئيس السابق لتويتر: “أعتقد إلى حد كبير أن العمل التقليدي من المكتب كما نعرفه قد اختفى.. كانت هناك حالة إعادة تقييم قسرية.. فكرة الذهاب إلى العمل يوميًّا في مكان واحد ستصير شيئًا تشعر الشركات بأنه غير ضروري”.

وبعد بضعة أشهر، يؤكد الكثيرون الآن على الدور الاجتماعي لفكرة العمل في المكتب، وكيفية التقليل من أهمية الاتصال بزملاء المكتب، من حيث فوائده للصحة العقلية والإنتاجية.

إعادة العمل

اجتمع الخبراء لمناقشة هذا التحول في المعهد الملكي للشؤون الدولية. وبحسب أودي بيكلتلوك، من المعهد الملكي للتخطيط، فإن المشاريع التعاونية التي تستغرق وقتًا وتدريبًا أطول تكون أصعب تنفيذًا في سياق العمل عن بعد، وتقول ليلا فون إن التسارع في التوجه للعمل عن بعد قد فاجأ حتى أولئك الذين يعملون بالفعل عن بُعد: “يمكننا أن نرى الطريقة التي كان يسير بها الأمر، ولكن بعد ذلك صار مزدهرًا” وتضيف أن نماذج العمل الهجينة المكونة من أولئك الذين يعملون في المكاتب والعاملين عن بُعد من المرجح اعتمادها في المستقبل.

وتوافق إليزابيث بينيك، مديرة الابتكار في Cisco Collaboration، على ذلك، كما تشير إلى أن الوباء لم يختبر قوة وأمن الأنظمة فحسب، بل يغيّر من طريقة عملنا عن بُعد. وتعتقد أن تقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والاجتماعات ثلاثية الأبعاد يمكن أن تساعد جميعها في جعل الاجتماعات عبر الإنترنت تبدو “طبيعية” أكثر في المستقبل: “الناس لا يتغيرون، نحن بشر ذوو علاقات في ما بينهم، نحب أن نتفاعل.. نحن مخلوقات اجتماعية مدفوعة بالمجتمع.. ومع تطور التكنولوجيا، نرى تقنيات مثل الواقع الافتراضي تقترب أكثر إلى المركز.. وهو ما يقلل ما يمكن أن تفعله وجهًا لوجه في بيئة مادية”.

رابعًا، تحذير من مدن "الأشباح" المستقبلية

لقد وقعت المدن المبنية تحت تأثيرات الأزمة. في السنوات الأخيرة، واصلت المدن في البلدان النامية حالة النمو نتيجة للهجرة الداخلية من المناطق الريفية، ولكن الوباء أدى إلى تسارع في اتجاه مدن البلدان المتقدمة في الاتجاه المعاكس، فاتجهت أعداد متزايدة من العمال إلى الضواحي وما وراء ذلك، ما حدا بالبعض مثل اتحاد الصناعة البريطاني في المملكة المتحدة إلى التحذير من “مدن أشباح” في المستقبل.

ويعد بيكلتلوك أكثر تفاؤلاً في هذا الصدد، فهو يرى أن المدن الصغيرة يمكن أن تزدهر في بيئة العمل الهجين، وتظهر كمراكز جديدة ونشطة، حيث يتجنب الناس على نحو متزايد التنقل لمسافات طويلة لصالح “تنقل خفيف” أكثر محلية. وفي شراكة مع London Design Biennale، أطلق المعهد الملكي للشؤون الدولية مبادرة تدعو لأفكار جذرية للأزمات الحالية، عبر دعوته لمجتمع التصميم العالمي. وأحد مواضيع النقاش هو تبني أسلوب حياة “القرية” أكثر. البعض، مثل عمدة باريس آن هيدالجو، روّج بالفعل لهذه الفكرة بالذات. قبل أن ينتشر الوباء تمامًا في أوروبا، عرضت رؤيتها لـ”مدينة الـ15 دقيقة”، حيث يكون العمل والإنتاج والخدمات أكثر محلية بقدر كبير، والاعتماد أكثر على ركوب الدراجات ومسافة المشي، مع تركيز أقل على استخدام السيارات.

لكن يرى آخرون الآن أن هذه المبادرات المبتكرة والأكثر خضرة للمدينة هي الطريقة الحقيقية الوحيدة لحماية البيئة. وسيطلق المعهد الملكي للشؤون الدولية مبادرة SNF Colab لعرض نموذج رقمي العام المقبل لوسط لندن المتخيل خلال 100 عام في المستقبل.

تقول روز عبد الله زادة، منسقة المشروع: “لقد قادتنا نقاشاتنا بشأن خلق تصور إيجابي لمدينة مستقبلية، إلى استنتاج أنه بحلول عام 2035 ستكون مساحات كبيرة من وسط لندن مخصصةً للمشاة، مع تحول كبير نحو استخدام الدراجات الإلكترونية والدراجات الكهربائية كوسائل بديلة للنقل الشخصي، ولكن تحركات العديد من المدن العالمية استجابة للوباء تُظهر أننا يمكننا الوصول إلى ذلك في وقت أقرب بكثير”.

ولكن مع بقاء ملايين الأقدام المربعة من العقارات في وسط المدينة فارغة، يقول بيكلتلوك إنه “لا توجد حلول سريعة”.. وجميعهم يحذر من مخاطر قد تتعرض لها قطاعات معينة من المجتمع على سبيل المثال، النساء والمجتمعات المحرومة، وتنطبق تلك المخاوف على البلدان النامية على نطاق أوسع.

مدن الأشباح - تعبيرية
خامسًا، الرابحون والخاسرون من شركات التكنولوجيا الكبرى

كان أحد الدوافع وراء اختفاء تجارة التجزئة من الشوارع الرئيسة، التوسع المستمر لعمالقة الإنترنت مثل شركة أمازون، التي ارتفعت أرباحها ومخزونها. ومع ذلك، أثر تفشي فيروس كورونا سلبيًّا في الشركات على نطاق أوسع.

تقول جينيفر زوسكوت: “التصفية كانت مصير العديد من القطاعات التي تتطلب حضورًا فعليًّا للعملاء، مثل صناعة السفر وتجارة التجزئة التقليدية”، وازدهرت منصات العمل عن بعد مثل Zoom “في حين فقدت العديد من شركات التقنية الناشئة، التي تركز على مبيعات المؤسسات، الكثير من العملاء في أثناء الإغلاق، ومع ذلك، فإن أولئك الذين يمكّنون الصناعات التقليدية باستخدام الذكاء الاصطناعي سيستمتعون بالنمو المكبوت، إذا تمكنوا من الصمود حتى نهاية الوباء”.

تقول صوفيا إجناتيدو، من برنامج الأمن الدولي: “سنشهد على الأرجح ارتفاعًا في عدد الروبوتات التي تستخدمها المتاجر الكبيرة بالفعل لتعبئة البضائع، حتى إن المستشفيات الإيطالية تستخدم الروبوتات لتعقيم الأجنحة”، وتواصل: “قد يرى أصحاب العمل إمكانية إسناد المزيد من المهام إلى بلدان ذات تكاليف عمالة أقل، أو فرض تقنيات مراقبة على الموظفين لضمان زيادة الإنتاجية”.

لقد لعب استخدام البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي وتقنيات مثل تقنية التعرف على الوجه دورًا كبيرًا حتى الآن في الوباء، ويبدو أن التطبيقات التكنولوجية من “البحث إلى مراقبة الهيمنة” كانت فعالة ومثيرة للجدل بنفس القدر تقريبًا. وكمثال على الحالة الأخيرة، تعرضت تطبيقات التعقب للانتقاد بسبب افتقارها إلى ضمانات الخصوصية، ووصفت منظمة الخصوصية الدولية “شهادات المناعة” الرقمية بأنها “كارثة تلوح في الأفق”، بحسب إجناتيدو.

ويتفق كثيرون على أن الذكاء الاصطناعي وجِد ليبقى دائمًا، لكن “يوجد خطر تعرض الجمهور لسياسات التوسط التكنولوجي التي لم يوافق عليها العملاء”، كما تقول. ويقول الدكتور نجوزي إيروندو، زميل برنامج الصحة العالمية، إن التقنيات الأخرى في الطب، مثل الاستشارات عن بعد، تعد أقل إشكالية. “في البلدان التي لا تزال تفتقر إلى التغطية الصحية الشاملة، يمكن أن يشكل ذلك نقطة انطلاق للوصول العادل إلى الرعاية الصحية بأسعار معقولة”.

سادسًا، هشاشة شبكات الإمدادات الغذائية

يلاحظ البروفيسور تيم بينتون، مدير برنامج الطاقة والبيئة والموارد، أن الكثيرين فوجئوا بمدى سهولة الكشف عن هشاشة اقتصادات الإمدادات الغذائية التي تتبع طريقة “الإنتاج المبرمج” حتى مع تدخلات الدولة الهائلة خلف الكواليس، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن النقص كان في الواقع مدفوعًا أكثر بزيادة الطلب بسبب الشراء بدافع الذعر، وليس بسبب انخفاض العرض.

لقد سلطت الجائحة الضوء على أهمية شبكات الإمداد المحلية، التي تمكنت من الاستجابة والتكيف بسرعة مع احتياجات المجتمعات المحلية عند انقطاع السلاسل الوطنية والدولية.

شراء أغذية في ظل كورونا

لقد أظهرت جائحة كوفيد-19 أن الناس يقدّرون شبكات إمداد الغذاء المحلية. “لقد شهدنا ظهور أسواق غير رسمية وأنشطة تجارية قابلة للتكيف وتدفع الأمور إلى الأمام”، كما يقول بينتون، ومع ذلك، بقي أن نرى كيف سنشهد أي تحرك دائم أو واسع الانتشار نحو المزيد من سلاسل التوريد الموسمية والمحلية للمنتجات، دون الحصول على أي دعم مخصص أو تدخل من الدولة في مواجهة الركود العالمي.

تقول لورا ويليسلي، زميلة برنامج الطاقة والبيئة والموارد، إن الوباء كان له تأثير كبير في صناعات اللحوم والألبان، وكان إغلاق أماكن البيع بالتجزئة هو المحرك الأكبر في التأثير على الطلب والمبيعات، ولكن تفشي فيروس كوفيد-19 بين العمال في مصانع اللحوم، وظروف العمل السيئة التي أسهمت في تحول هذه المصانع إلى بؤر سريعة العدوى، كانا أيضًا من بين العوامل المهمة. لقد سلط ذلك الضوء حقًّا على ممارسات إهمال طويلة الأجل ومعايير منخفضة في صناعة تعبئة اللحوم، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى إحداث تأثير دائم في الإدراك والسلوكيات، ولكن أي تغيير حقيقي في السلوك من المحتمل فقط أن يحدث بين تلك المجموعات التي تميل إلى ذلك، بحسب ويليسلي.

ومع ذلك، فقد وضع كوفيد-19 أساسًا قويًّا ليربط الناس بين سلامة الأغذية ومخاطر الأوبئة بجدية أكثر. نحو 60% من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع في الصين قالوا إنهم أقل ميلاً بكثير نحو استهلاك اللحوم النيئة الآن.

“سوف يؤدي الوباء إلى زيادة الاهتمام باللحوم المخلقة في المختبرات، على سبيل المثال، والمزيد من الطرائق (المعقمة) لإنتاج اللحوم. وبمجرد أن تتبلور كتلة كبيرة من الأشخاص الذين لا يثقون بالضرورة في سلاسل الإمداد الغذائي الخاصة بهم كما كانوا يثقون بها من قبل، فإنك تفتح الباب لمزيد من استخدام التكنولوجيا لضمان سلامة الغذاء”، كما تلاحظ ويليسلي.

وقد فوجئ بينتون بمدى سرعة “الجمع بين الروابط” بين الأوبئة وفقدان التنوع البيولوجي وفقدان المسكنات الطبيعية وسلامة كوكب الأرض.

“يجب التشكيك في الإيمان الكامل بأننا يجب أن نسعى جاهدين لإنتاج المزيد من الطعام الأرخص، نحن بحاجة إلى التفكير في الانتقال إلى نظام واقتصاد يعتمدان على الرفاهية والجودة، وليس على الكمية فحسب”.

“موارد العالم محدودة.. لذلك، فإن فكرة الحصول على نمو متسارع هي مجرد استحالة منطقية”، ويقول “بينتون” إنه يبدو أن شيئًا ما في السيكولوجيا البشرية يجعل من الصعب علينا التغيير حتى يصير الأمر ضروريًّا لا مفر منه، أو حتى بعد فوات الأوان.

“هذا هو الاختلاف، هذا الوباء يعتبر (كارثة سريعة) مقارنة بالتغير المناخي الذي يشبه ضفدعًا يغلي في وعاء كما يقولون، وإذا لم نتعلم دروسًا قابلة للتطبيق من هذا الوباء، فسوف يتعين علينا أن نرى النتيجة بأنفسنا”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram