"سناتر" الدروس الخصوصية:

مطاردات.. وصِدام

“اقتحام وكر دروس خصوصية والقبض على عدد من المتهمين بنجاح”. “الأمن يطارد عددًا من المعلمين والطلاب الذين هربوا من الباب الخلفي للعمارة”. “لا داعي للهرب، (السنتر) محاصر من كل النواحي”.

عزيزي القارئ، هذه ليست عبارات فانتازية أو جزءًا من أخبار تخص حملات أمنية للقبض على تجار مخدرات أو مهربي آثار، إنها جزء من واقع حقيقي يلخص حالة صدام مكبوت بين الأهالي ووزارة التعليم التي قررت غلق مراكز الدروس الخصوصية.

ورغم أن أولياء الأمور هم الفئة الأكثر تذمرًا في السنوات الأخيرة من انتشار الظاهرة، وكانوا يتهمون الحكومة بالتراخي في مواجهتها، فإنهم من يقفون الآن في مواجهة وزارة التعليم.

إذن، هناك فجوة شاسعة بين نظرة وزارة التعليم لمنظومة الدروس الخصوصية، ومعتقدات أولياء الأمور. الوزارة تتهم مراكز الدروس الخصوصية بالتسبب في استمرار ثقافة الحفظ والتلقين بدلًا من الفهم والتحليل، في حين يرى أولياء أمور كُثُر أنها طوق النجاة.

طارق شوقي وزير التربية والتعليم

مر عامان على بدء تطبيق استراتيجية تطوير التعليم، وتحديدًا في الصفوف الأولى بالمرحلة الابتدائية، بجانب الثانوية العامة، وتغيير طريقة الامتحانات من مخاطبة الأسئلة للحفظ والتلقين إلى الفهم وقياس نواتج التعلم، لكن الرفض المجتمعي لفكرة إلغاء الدروس الخصوصية ظل قائمًا.

ماذا فعلت جائحة كورونا؟

استثمرت الحكومة جائحة كورونا وما ترتب عليها من قرارات إلزامية بمنع التجمعات، في غلق جميع “السناتر” على مستوى الجمهورية. خرج “طارق شوقي” وزير التربية والتعليم في مؤتمر صحفي قبل عدّة أيام، ليؤكد انتهاء زمن مراكز الدروس الخصوصية، فبحسب قوله: لن تعود في المستقبل القريب، أو البعيد، وعلى الأهالي التعايش مع هذا المستجد.

“شوقي” ناشد أولياء الأمور نسيان “الدرس الخصوصي”، والاعتماد على مجموعات التقوية المدرسية التي سوف تقدمها وزارة التربية والتعليم لمن يريد زيادة تحصيله العلمي، بمقابل رمزي، مع إتاحة منصات إلكترونية مجانية يتجاوز عددها 15 منصة، تقدم شرحًا بالصوت والصورة. في رأي وزير التربية والتعليم ستكون هذه الإجراءات بديلة عن المراكز الخاصة.

 

الحكومة اتخذت قرارات حازمة أخرى في إطار الاستعداد لاستقبال العام الدراسي الجديد (17 أكتوبر المقبل): حضور الطلاب في المرحلة الابتدائية ثلاثة أيام أسبوعيًّا. المسجلون في الصفوف الابتدائية والثانوية، لن يذهبوا للمدارس سوى يومين كل أسبوع لخلق فرصة لتدوير الحضور واستغلال الفراغات لمنع الكثافات الطلابية.

من خطة وزارة الصحة لعودة المدارس

ولأن الدروس الخصوصية صارت ثقافة متجذرة في عقول الكثير من أولياء الأمور وسط مطاردات أمنية للمعلمين الذين يخالفون؛ لجأ كثيرون إلى تحويل منازلهم إلى مراكز تعليمية. يأتي المدرس الخصوصي إلى البيت ساعتين يوميًا فيكون في انتظاره طلاب لا يزيد عددهم على العشرة، لكن بمقابل مادي كبير.

تأخذ أزمة الدروس الخصوصية منحى آخر عبر انخراط خريجي الكليات من غير الحاصلين على رخصة مزاولة مهنة التدريس، في منظومة الدروس الخصوصية، هربًا من البطالة. يلعبون على وتر الآباء الباحثين عن بدائل آمنة لتعليم أبنائهم فيجنون مكاسب مادية كبيرة.

30 مليار جنيه

تقول وزارة التعليم إن أولياء الأمور ينفقون سنويًا على الدروس الخصوصية نحو 30 مليار جنيه، وهو رقم ضخم تريد الحكومة توفيره للأهالي، وأغلبه يذهب -على حد قول مسئولين في الوزارة- لدخلاء على مهنة التدريس، يشكلون خطرًا على استراتيجية التطوير الجديدة، ومهمة الدولة إبعاد هؤلاء عن المنظومة، ولن يتحقق ذلك قبل غلق منافذ التعليم الموازي باعتبارها كيانات غير شرعية.

صوت أولياء الأمور

“نادية محمد”، أم لطالبة تدرس بالصف الثالث الثانوي العام، تقول إنه من المستحيل على أغلب أولياء الأمور مع التوقعات الطبية لحدوث موجة ثانية من كورونا، أن تُضحي بابنتها لتذهب إلى المدرسة بشكل كامل، أو حتى تُشارك في مركز للدروس الخصوصية يقدم المعلمون فيه الخدمة نفسها بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية التي تُطاردهم.

حملة لغلق مراكز الدروس الخصوصية بكفر الشيخ

“نادية”، وهي معلمة بإحدى مدارس القاهرة الابتدائية، ترى أن الكثير من الآباء لجئوا إلى تعليم أبنائهم في مجموعات منزلية لصعوبة الاستغناء عن الدرس الخصوصي. فبحسب خطة وزارة التعليم، لن يكون الحضور دائمًا بالمدارس لظروف الوباء، والبدائل الإلكترونية المتاحة تبدو غير واقعية، ويصعب التعاطي معها بسهولة.

وبحكم أنها معلمة، وقريبة من منظومة مجموعات التقوية المدرسية التي قررت وزارة التعليم إتاحتها للطلاب، فهي تحكم عليها بأنها غير مجدية، لكثرة أعداد المشاركين فيها، ما يسهل الاختلاط ونقل العدوى، علاوة على أن أغلب معلميها حديثو العهد بالمهنة.

كانت أكبر معضلة تعرضت لها نادية وهي تتعاقد مع معلم خصوصي بالمنزل، أنه طلب مبلغًا ماليًّا مضاعفًا عما كانت تدفعه في المركز التعليمي، وهي أزمة الكثير من أولياء الأمور الذي سلكوا النهج نفسه، حيث يتراوح المقابل في ساعتين أسبوعيًّا بين 200 إلى 500 جنيه للمادة الواحدة حسب طبيعة المنطقة (شعبية أم حضرية) وعدد الطلاب المشاركين.

وتضع الأسر المصرية الإنفاق على التعليم في صدارة أولوياتها، وغالبًا ما يكون بند الدروس الخصوصية صاحب الميزانية الأكبر، وقد يحرم الآباء أبناءهم من شراء بعض الضروريات لتوفير مستحقات المعلمين، لأنهم يحصلون على قيمة التعاقد المنزلي فور انتهاء زمن الحصة الدراسية، وليس في نهاية الشهر حسب مواعيد صرف الرواتب في الجهات الحكومية والخاصة.

زوج نادية لا يزال يرفض أن تتكسب زوجته من الدروس الخصوصية رغم عوائدها المالية الكبيرة، حتى تتفرغ لتربية ورعاية الأبناء بعد انتهاء عملها بالمدرسة، وما يثير حفيظتها أن زملاء المهنة لم يعيروا اهتمامًا لحق الزمالة، وتمسكوا بالحصول على مقابل مادي كبير نظير المجيء لابنتها في المنزل. تشعر نادية بحزن شديد.

غلق مركز للدروس الخصوصية بالجيزة

“نبيل كامل”، وهو اسم مستعار لمعلم لغة إنجليزية بمدينة السادس من أكتوبر المتاخمة لمحافظة القاهرة، يقول إن “غلق مراكز الدروس الخصوصية ضاعف دخول بعض المعلمين شهريًّا، لأن المقابل المادي في المنزل قد يصل إلى أضعاف ما يتحصل عليه في المركز. كما أن الأجواء داخل البيت أكثر هدوءًا وراحة. تُقدم العصائر والفواكه طوال فترة الدرس”.

مهام صعبة

ويتطلب الأمر من ولي الأمر أن يقوم بالتواصل مع الجيران والمعارف لجمع عددٍ من الطلاب للمعلم الخصوصي، ثم يتفقون معه على المقابل المادي. وهذه ليست مهمة سهلة، لأن الأب أو الأم يطلب منهما الموافقة على شروط المعلم، مثل الموعد الذي يحدده، صباحًا أم مساء، وترتيب حياتهما وفق ظروفه، وعليهما الاستجابة أو البحث عن بديل مناسب.

لكن المعلمين الأقل شهرة، غالبًا لا يفرضون شروطًا تعجيزية على الأهالي، مثل التي يحددها أصحاب الصيت الواسع، لأنهم يتعاملون مع المقابل المادي من الدرس المنزلي باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحسين مستوى المعيشة بعد غلق المراكز التعليمية، كما أن حضورهم للبيت يضمن لهم تكوين قاعدة علاقات مع أرباب الأسر من ذوي النفوذ المالي والوظيفي.

العملية التعليمية بعد كورونا
مصائب قوم عند قوم فوائد

نبيل (اسم مستعار لمدرس خصوصي) يقول إن “أحد زبائني (يقصد ولي الأمر) يعمل طبيبًا بمستشفى حكومي، وشقيقه ضابط شرطة، وصار بإمكاني الحصول على خدمة طبية لائقة على يد والد الطالب الذي أذهب لمنزله مرتين أسبوعيًا، وإذا تعرضت لمشكلة قد ألجأ إلى عمه الضابط، وهذه مكاسب أخرى من الدرس المنزلي بخلاف العائد المادي”.

ويشتكي معلمون من تدني الرواتب، مما يضطرهم للتعاطي مع الدروس الخصوصية. وبرغم أن أغلب الأسر تصم الكثير من أعضاء هيئات التدريس بالجشع والانتهازية، لكنهم يضطرون للاعتماد عليهم نتيجة ضبابية الموسم الدراسي الجديد بسبب “كورونا”.

الحكومة تطرح بدائل

“طارق شوقي” وزير التربية والتعليم خصّ “ذات مصر” بقوله، إن “المعلم أصبحت أمامه فرصة ثمينة لزيادة دخله الشهري، إذا كان الغرض من الدرس الخصوصي تحسين مستوى معيشته، فهناك منصات إلكترونية إذا شارك فيها معلمون يحصلون على مكافآت مالية، وهناك مجموعات تقوية مدرسية تذهب النسبة الأكبر من محصلاتها المادية للمعلمين”.

ما يثير استغراب “شوقي” أن “الحكومة أتاحت بدائل تربوية عديدة، لكن هناك بعض الأسر لا تزال تتمسك بثقافة الماضي. الذين يتمسكون بالدروس المنزلية بعيدًا عن أعين الجهات الرسمية، يدفعون بأبنائهم إلى ضعف التحصيل الدراسي لا التفوق، لأنهم لن يتجاوبوا مع طبيعة الامتحانات الجديدة لتمسكهم بالطرق القديمة والتقليدية في التعليم، ونحن عندما نلغي هذه المنظومة الموازية فإننا نحميهم من تبعاتها الخطيرة على مستقبلهم”.

طوارئ منزلية

معضلة الدروس المنزلية تكمن في أنها أجبرت الأسر على تغيير نمط حياتها. فطوال مدة الدرس الخصوصي، تكون هناك حالة أشبه بالطوارئ، يمنع فيها التحرك بأريحية داخل البيت، أو التحدث بصوت مرتفع. يخيّم الهدوء على جدران الغرف المغلقة لفرض التركيز وتجنب تذمر المعلم بشكل قد يدفعه للشكوى، أو رفض الاستمرار في المهمة، ما يضع العائلة في مأزق.

الدروس المنزلية

وفي غالب الأحيان، يتم التعاقد مع معلمي المرحلتين الابتدائية والإعدادية من ذات المدرسة الملتحق بها الطالب، لأن الأسرة تخشى استقدام آخر إلى المنزل، وتكون النتيجة أن يقوم معلم المدرسة باستهدافه في درجات أعمال السنة التي تُمنح للطالب بناء على تقييم أستاذه المباشر وفق مجهوده في النشاط ومدى التزامه وانضباطه، وبالتالي فإن الأهالي تشتري رضاء المدرّس قبل أن تهتم بمستواه.

معارضون للدروس الخصوصية

يرى معارضون للدروس الخصوصية أن التوسع فيها داخل المنازل مرده غياب نبرة التهديد للمعلمين، وعدم التلويح بعقوبات قاسية عليهم كما فعلت بعض البلدان العربية، ففي الإمارات يتم تغريم المعلم بدفع خمسة آلاف درهم حال ثبوت تنظيمه درسًا خصوصيًا داخل البيت، وتوقيع عقوبة مضاعفة على ولي الأمر لمجرد أنه استضافه في منزله.

بالنظر إلى نظام التعليم السوداني، فإنه يُجرم الدروس الخصوصية تربويًا وإداريًا، سواء في المركز أو البيت، وهناك بند خاص في العقد المبرم بين المعلم والمدرسة يسمح لها بفصله من الوظيفة، وإذا كان أحد الطلاب بحاجة إلى المساعدة في المنهج، فإن معلمه ملزم بذلك تحت إشراف ومتابعة من إدارة المدرسة، بمقابل مادي رمزي.

الحكومة سوف تتراجع؟

بثينة عبدالرؤوف، عميد معهد البحوث التربوية بجامعة القاهرة سابقا، تُرجع تعاطي الأهالي مع الدروس الخصوصية المنزلية رغم وجود البدائل، إلى أن أرباب الأسر مقتنعون بصعوبة استمرار غلق مراكز التعليم الموازي، وهي تتوقع تراجع الحكومة عن قرارها، بحكم أن هناك سوابق تاريخية شاهدة على ذلك. وفي كل مرة تأتي الاستجابة لمطالب الشارع.

“عبدالرؤوف” قالت لـ”ذات مصر”، إن محاولة تغيير نظرة المجتمع تجاه جدوى المركز التعليمي الخاص مهمة شاقة، لأن هذه المنظومة الموازية للمدارس بدأت قبل 35 عامًا، ولا يمكن القضاء عليها في أيام معدودات، فالأمر بحاجة إلى إعادة الثقة بين الأهالي والمؤسسات التعليمية. فالناس لا تعطي اهتمامًا لتحذيرات وزير التعليم من خطورة الدرس الخصوصي داخل البيوت في ظل تطبيق استراتيجية التطوير، إذن هناك أزمة متجذرة.

رضا حجازي نائب وزير التعليم

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن عددًا كبيرًا من أولياء الأمور يرون أن الحكومة تسعى لاستبدال الدروس الخصوصية بمجموعات تقوية مدرسية كي تحصل وحدها على الأموال التي يدفعها أولياء الأمور في الحصص المنزلية. يتساءل بعضهم: “إذا كانت الدروس الخاصة بلا فائدة، فما الفارق بينها وبين مجموعات التقوية مدفوعة التكلفة؟”.

سؤال مهم يجيب عنه رضا حجازي، نائب وزير التعليم لشئون المعلمين. قال لـ”ذات مصر”، إن مجموعات التقوية تعتمد على معلمين مدربين بكفاءة ويخضعون لرقابة مشددة، لكن الدروس المنزلية يشارك فيها خريجو كليات لا علاقة لهم بالمهنة، ويستغلون مهاراتهم في تحفيظ المنهج للطلاب، وهذه طريقة تعليم لا علاقة لها بالمنظومة الجديدة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد محمد

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram