سوق الأسلحة الخفيفة بالشرق الأوسط:

الإرهابيون يملكون 4 أضعاف ما لدى الحكومات

سمح الفراغ السياسي والأمني الذي تولّد من موجة “الربيع العربي” منذ ديسمبر/ كانون الأول 2010 حتى هذه اللحظة، بأن تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا محطة يستقر عندها بيع وتهريب واستخدام الأسلحة بأشكالها وأنواعها كافة. ومن قبله سمحت الاضطرابات التي أصابت دول تلك المنطقة بعد انهيار الأنظمة السياسية بتصاعد دور التنظيمات الإرهابية، خاصة داعش، لدرجة مكّنتهم من تكوين دولة أو “الدولة الإسلامية” وإقامة نظام اقتصادي وتكوين قوة عسكرية استطاع بها التنظيم انتزاع الأرض، ولكنه لم يصمد في النهاية أمام تحالف دولي تمكّن من إضعافه وإخضاعه.

في الدراسة الصادرة عن “المركز الدولي لمكافحة الإرهاب”، في يونيو/ حزيران 2020، بعنوان: “استخدام المنظمات الإرهابية للأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة كمصدر للتمويل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

نرصد قدرة التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على توفير الأسلحة الصغيرة والخفيفة واستخدامها بنحو مباشر أو غير مباشر بهدف دعم إمكاناتهم الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن تناول الظروف التي سمحت لدور تلك التنظيمات بأن يتنامى ولتلك الأسلحة أن تنتشر بالنحو الذي يهدد أمل استقرار دول المنطقة.

سلاح قنص مع الجماعات الإرهابية
تعريف الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة

اقتصر الحديث عن الأسلحة الصغيرة والخفيفة (SALW) في السابق، على الجريمة المنظمة، المحلية أو العابرة للحدود. ومع انتشار التطرف وتكوين الجماعات المسلحة انتشر ما يقرب من مليار قطعة لهذا النوع من الأسلحة حول العالم.

ويُعرِّف الاتحاد الأوروبي الأسلحة الصغيرة بأنها عبارة عن “المسدسات والبنادق والبنادق القصيرة والمدافع شبه الآلية والرشاشات الخفيفة”، أما الأسلحة الخفيفة فيقصد بها “المدافع الرشاشة الثقيلة وقاذفات القنابل اليدوية والمدافع المحمولة المضادة للطائرات ومثيلتها لأنظمة الصواريخ المضادة للطائرات وكذا للدبابات، فضلا عن مدافع الهاون عيار أقل من 100 ملم، والألغام الأرضية والمتفجرات”.

شكّلت هذه الأنواع من الأسلحة لدى التنظيمات الإرهابية عنصر قوة كبيرًا لتنفيذ أهدافها، فهي أولاً تعتبر من السلع المعمرة، وثانيًا تكمن قيمتها في استخدامها المزدوج سواء بشكل مباشر في شن الهجمات وفي أثناء المعارك وبيعها للاستفادة من عائدها، أو بنحو غير مباشر في الاستيلاء على الأراضي والابتزاز وفرض الضرائب والخطف لطلب الفدية.

أسلحة متعددة
تمويل التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط

يُقدَّر عدد الأسلحة المُحتفَظ بها في منطقة الشرق الأوسط بـ50 مليونًا و536 ألفًا و230 قطعة، يقع ما يُقرب من 7.8 مليون قطعة مع جهات تابعة للحكومات، وتتوزع 42.8 مليون قطعة على التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة في سوريا والعراق ولبنان والحدود التركية السورية وفلسطين.

1- سوريا والعراق

أصبحت منطقة الشرق الأوسط بيئة أكثر خصوبة لتغيير خريطة الجماعات الإرهابية، لتحقق سابقة في تاريخ الإرهاب بتكوين دولة تتمركز في العراق وسوريا، قادرة على الاستيلاء على أراضي والسيطرة عليها وتكوين تنظيم عسكري قوي لفرض السيادة، وتجمع ما يقرب من 10 ملايين نسمة، وكان ذلك متمثلاً في ما أسماه تنظيم داعش بـ”دولة الخلافة”.

استخدم تنظيم داعش لتوسيع حدوده هذا النوع من الأسلحة، فقد تحصّل على أسلحة مصنوعة في الصين وروسيا وأخرى من أوروبا الشرقية، ويُرجِّح البعض أن تلك الأسلحة والذخائر حصول عليها التنظيم من معدات قوات الجيش السوري والجيش العراقي خلال المعارك.

ولم تقتصر مصادرها على المعارك، فقد اعتمدت تدريجيًّا على مصادر أخرى مثل مخزون الأسلحة المتبقية من حرب العراق 2003، وكذلك الحصول على أسلحة قوات المعارضة السورية والتي أرسلتها الولايات المتحدة والسعودية، وتهريب الأسلحة من ليبيا بعد انهيار نظام القذافي.

يشار إلى أن داعش كان يمتلك القدرة على تصنيع الأسلحة الصغيرة والخفيفة وذخائرها، فقد استغل وجود بعض الورش في المناطق التي استولى عليها مع تحصيل المعرفة الخاصة بصناعة الأسلحة والذخائر عبر الإنترنت، الأمر الذي مكّنه من تصنيع وإنتاج الأسلحة بنحو واسع التطور ومنتظم.

ساعد حصول داعش على تلك الأسلحة وغيرها في فرض سيطرتها على الأراضي، الأمر الذي مكّنها من زيادة ميزانيتها لتصل إلى 5.5 مليار يورو وذلك في ذروة نجاح التنظيم في 2015، إذ سيطر على النفط وأمّن طرق بيعه لدول ومنظمات.

وبعد انهيار داعش وتفكك عناصره وعودتهم إلى تكتيك المجموعات داخل بؤر أصغر في بلدان أخرى، ظهر دور الأسلحة الصغيرة والخفيفة في تحقيق مكاسب ضيقة، كالخطف وطلب فدية والابتزاز، وذلك لزيادة تمويل أنشطة المجموعة والحفاظ على استمراريتها.

عناصر تنظيم داعش ومعهم أسلحة

2- اليمن

يُضاف إلى نشاط الإرهاب في سوريا والعراق الصراع المسلح في اليمن، حيث انقلبت الثورة الشعبية إلى حرب أهلية بين الحوثيين من جهة بدعم إيراني، وقوات موالية لحكومة عدن من جهة أخرى مدعومة من السعودية والإمارات، الأمر الذي خلق فراغًا أمنيًّا استغلته التنظيمات الإرهابية لتوسيع نشاطها وتسليحها، حيث استفادت تنظيمات كالقاعدة من الاستيلاء على الأسلحة ومصادرة شحنات من الجهات الممولة لأطراف النزاع في اليمن، بجانب الحصول على الأسلحة من خلال التهريب.

اعتمد تنظيم القاعدة في امتلاك الأسلحة على إحكام السيطرة على ميناء “المُكَلّا” الساحلي، الأمر الذي سمح بتدفق الأسلحة المُهرَّبة.

وكان من اللافت نجاح التنظيم في تحقيق تجارة مربحة، حيث إنها استخدمت الأسلحة الصغيرة والخفيفة كالعملة لتُقايض بها ما ترغب فيه من أسلحة أخرى، كما استخدمتها في فرض إتاوات على المواني والحدود لتزيد مواردها المالية وتضمن استمرار أنشطتها.

يشار إلى أن هناك مناطق أخرى تشهد انتشارًا واسعًا لهذا النوع من الأسلحة، ومنها لبنان، لوجود جماعات وأحزاب مسلحة نتيجة عدم الاستقرار السياسي، فضلاً عن الحدود التركية-السورية التي تشهد حربًا بين الجيش التركي والقوات الكردية، ويسبق ذلك كله الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتكتل حركة حماس ذات القوة العسكرية بقطاع غزة.

مواطن يمني يحمل بندقية
تمويل للتنظيمات الإرهابية في شمال إفريقيا

يُقدر عدد الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة المنتشرة في منطقة شمال إفريقيا بـ12 مليونًا و367 ألفًا و510 قطع سلاح، تمتلك التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة نحو 7.5 مليون قطعة، أمّا الجهات الأمنية الحكومية فتمتلك 4.9 مليون قطعة، وتتركز تلك الأسلحة في ليبيا ومصر.

وقد استغلت التنظيمات الموالية للقاعدة والمتمركزة في سيناء المصرية وكذلك التنظيمات الموجودة على حدود بلاد المغرب العربي حالة الانهيار السياسي والأمني للأنظمة لتوسع نفوذها وموادرها من الأموال والأسلحة وكذلك حدودها، لتستولي على بعض المدن كما هي الحال في ليبيا.

وبعد إعلان العديد من تلك التنظيمات البيعة لزعيم تنظيم داعش توسع نفوذ التنظيم ليصل إلى دول المغرب العربي، وإن كان بدرجة أقل مما تواجهه ليبيا ومن بعدها مصر.

يمكن القول إن الأزمة الأمنية الكبيرة التي واجهت دول شمال إفريقيا تسبّب فيها عاملان رئيسان:

الأول انتشار الأسلحة، خاصة الصغيرة والخفيفة، لتكون في حيازة المدنيين وليس أفراد التنظيمات الإرهابية فقط.

أمّا الثاني فهو عدم قدرة دولة مثل ليبيا على السيطرة على حدودها، ما جعل منها ملاذًا آمنًا لأفراد التنظيم، خاصة بعد انهيار داعش في سوريا والعراق والتضييق على أفراد التنظيم في مصر.

وكان السبب في حيازة الأسلحة سقوط مخازن الأسلحة التقليدية في ليبيا، ما سمح بظهور سوق سوداء إقليمية واسعة لبيع الأسلحة وعرض الأسلحة الصغيرة على الإنترنت من خلال منصات إعلامية مختلفة، نضيف إلى ذلك تمويل المسلحين التابعين للقوتين المتنازعتين على حكم ليبيا.

وقد انخرطت التنظيمات الإرهابية في شمال إفريقيا في ما يُسمى بـ“اقتصاديات الحماية” كعقد تحالفات أو فرض ضرائب أو تجارة التهريب، وقد ساعدت حيازة تلك التنظيمات للأسلحة الصغيرة والخفيفة على تأمين وضعها الاقتصادي، فاستطاعت، على سبيل المثال، عقد تحالفات مع جماعات التهريب لتأمين البضائع المهربة، وكذا فرض الضرائب والاختطاف مقابل فدية.

ختامًا، اعتمد استمرار أنشطة التنظيمات الإرهابية وانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة على عاملين رئيسين يشتركان في كونهما صراعًا سياسيًّا بالأساس، الأول هو ما أسهم به التنافس الإيراني-السعودي عبر عدة مناطق بالشرق الأوسط، والثاني هو الانقسام السياسي في ليبيا بعد انهيار نظام القذافي عام 2011، إذ استغل الكثيرون سقوط الترسانة العسكرية الليبية والتي اتسمت بالتنوع، فضلاً عن فقدان السيطرة على الحدود، ما مكّن البعض من التهريب والاتجار في الأسلحة، فضلاً عن نقل الخبرات العملية بعد تفكك دولة داعش وهروب أفراد التنظيم إلى البؤر الأكثر أمنًا، والالتحاق بالتنظيمات الأكثر استقرارًا.

المصدر:

 Méryl Demuynck, Tanya Mehra, and Reinier Bergema, ICCT Situation Report: “The Use of Small Arms & Light Weapons by Terrorist Organisations as a Source of Finance in the Middle East and North Africa”, International Centre for Counter-Terrorism, 3 June 2020.

URL: https://www.jstor.org/stable/pdf/resrep25264.pdf

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram