زوايا

سوق الدواء الأفريقي.. مصر تبحث عن فرصة في منجم ذهب

تبحث مصر عن موضع قدم في سوق الدواء الأفريقية كثيفة الاستهلاك، والتي تشهد تنافسًا بين كبار المصنعين، ارتكانًا إلى عناصر القرب والاتفاقيات التجارية البينية التي تعطي الصادرات المصرية بعض المزايا التفصيلية عن غيرها.

انضمت مصر -أخيرًا- إلى اتفاقية إنشاء وكالة الدواء الأفريقية (AMA) بهدف توطين التصنيع المحلي للأدوية واللقاحات في دول القارة، وهي تُعدُّ مشروعًا بدأ العمل عليه إبان تولي القاهرة رئاسة الاتحاد الأفريقي قبل عامين، ولا يزال يجذب الدول الراغبة للانضمام تحت لوائه بصورة مبدئية.

ومن المنتظر إقرار الوكالة رسمًيا، خلال القمة الأفريقية القادمة التي ستعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في الأسبوع الأول من فبراير 2022، ليبدأ بعدها ماراثون من الاجتماعات الخاصة بتوحيد التشريعات المعنية بتداول وتسجيل وتسعير الأدوية بين الدول الأفريقية المنضمة.

أفريقيا.. منجم ذهب لسوق الدواء

يُمكن القول إن أفريقيا بمثابة منجم ذهب بالنسبة للشركات العالمية عمومًا، وشركات الدواء على وجه الخصوص؛ إذ تؤكد المؤسسات الدولية أن أفريقيا سوق واعدة للدواء، وإنْ بشكل غير مباشر؛ إذ تقول منظمة الصحة العالمية إن مساهمة الأمراض غير المعدية في عبء الرعاية الصحية في القارة، سترتفع بنسبة 21% حتى عام 2030. ومع استمرار المعاناة من الأمراض المعدية والطفيلية والأوبئة، يُتوقع أن تشهد أمراض نمط الحياة العصرية -مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان- معدلات نمو عالية هي أيضًا.

ومن المتوقع أن تنمو أسواق الأدوية في أفريقيا بوتيرة سريعة حتى 2030، وفي مقدمتها الأدوية الموصوفة، وذلك بمعدل نمو سنوي مركب قدره 6%، والأدوية التقليدية بنسبة 9%، والأدوية التي لا تستلزم وصفة طبية بنسبة 6%، والأجهزة الطبية بنسبة 11%. كل ذلك على خلفية التوجه السريع نحو التحديث في القارة، ونمو بيئة الأعمال التجارية، وإطلاق مبادرات التأمين الصحي الوطنية.

طموح مصري

حاولت بعض الدول الأفريقية دخول صناعة الدواء، لكنها واجهت مشكلة في نقص الموارد البشرية، إلى جانب ضعف أنظمة المشتريات وسلاسل التوريد، وعدم اتساق السياسات في إدارة التجارة والصناعة والصحة، ونقص القدرة المالية التي تجعل الشركات تضخ القليل من الاستثمار، أو لا تستثمر أصلًا، في البحث والتطوير وحماية الملكية الفكرية.

لدى القاهرة طموح متنامٍ لأن تكون لاعبًا أساسيًا في صناعة الدواء قاريًا، وربما عالميًا أيضًا، خاصة بعد افتتاح مدينة الدواء

وعبر استضافة المقر الرئيسي لوكالة الدواء الأفريقية، تسعى مصر إلى أن تصبح مركز عملية تسجيل وترخيص الدواء في أفريقيا، ما سيحقق لها مكاسب من وراء ذلك بشكل مباشر، كما أنه سيوفر الوقت والجهد والمال على المُصنِّعين المصريين الراغبين في التصدير.

وفي أغسطس المنصرم، أصدر رئيس الوزراء المصري قرارًا بتشكيل لجنة لإعداد إستراتيجية توطين صناعة الدواء، تتضمن 6 وزارات وهيئات، بغرض إعداد إستراتيجية لتوطين الصناعة، وتطوير البني التحتية، وتعديل التشريعات المتعلقة بتسجيل الأدوية وبراءات الاختراع، وتقديم محفزات جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

اقرأ/ي أيضًا: عدالة توزيع لقاحات كورونا.. الفقير يقف في آخر الصف

لدى القاهرة طموح متنامٍ إلى أن تكون لاعبًا أساسيًا في صناعة الدواء قاريًّا، وربما عالميًّا أيضًا؛ خصوصًا بعد افتتاح مدينة الدواء في أبريل الماضي، بمنطقة الخانكة بالقليوبية المتاخمة للعاصمة. وهي المدينة المتخصصة التي تصفها الحكومة المصرية بالأكبر على مستوى الشرق الأوسط. وأقيمت مدينة الدواء على مساحة 180 ألف متر، بطاقة إنتاجية 150 مليون عبوة دواء سنويًا.

 

وتضم المدينة خطوط إنتاج للأدوية المعدة في بيئة صحية عادية، دون تعقيم لكل مدخلاتها أو ما تعرف بالأدوية غير العقيمة، بالإضافة إلى المضادات الحيوية، والأدوية العقيمة.

تضم المدينة مصنعين: أولهما للأدوية غير العقيمة (المُعدَّة في بيئة صحية عادية دون تعقيم كل مدخلاتها) يضم 15 خط إنتاج، ويركز علي الأمراض المزمنة، مثل الضغط والسكر وأمراض الكلى والمخ والأعصاب والقلب، بالإضافة للمضادات الحيوية. والخط الثاني للأدوية العقيمة التي يتم فيها تعقيم المنتج بشكله النهائي، أو كل مادة تدخل في إنتاجه.

سوق بحجم 400 مليار جنيه

يبلغ حجم سوق الدواء في مصر نحو 400 مليار جنيه، بما يمثل 1.3% من الناتج المحلي. وتقدر استثماراتها في 2020/2021 بنحو 88 مليار جنيه، بإجمالي إنتاج يناهز 2.5 مليار علبة دواء سنويًا.

وفقًا لماجد جورج، رئيس المجلس التصديري للصناعاة الدوائية، فإن حجم السوق المصرية يمكن أن يرتفع إلى 468 مليار جنيه (30 مليار دولار) في حال عمل جميع خطوط الإنتاج في المصانع؛ مشيرًا إلى أن الصادرات المصرية من القطاع الطبي بالكامل (دواء ومستلزمات) تبلغ 660 مليون دولار فقط. «لدى المصانع المصرية القدرة على تغطية الأسواق العربية والأفريقية، بشرط عملها بالطاقة القصوى، وتشغيل جميع الخطوط الإنتاجية»، كما يقول جورج لـ«ذات مصر».

وفي مصر 154 مصنعًا للدواء، تنتج نحو 14 ألف مستحضر، بينها 9 آلاف متداولة بكثرة. لكنها تواجه منافسة قوية من الكيانات الدولية الكبيرة. وتضم مصر مصانع لحوالي 18 شركة متعددة الجنسيات، غالبيتها تتصدر المبيعات في السوق.

ووفقًا لآراء اقتصادية، فالأزمة الحقيقية التي اعترضت صناعة الدواء في مصر، ليست اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية واقتراب تفعيلها، أو أي شكل من أشكال تحرير التجارة؛ بل آلية تسعير الدواء التي جعلت كثيرًا من المنتجين يتخلون عن إنتاج أصناف مهمة لبيعها بسعر أقل من التكلفة.

تسهيلات كبيرة

تعهدت الحكومة المصرية بتقديم جميع التسهيلات لصناعة الدواء، بهدف توفيره للمواطنين بجودة عالية وأسعار مناسبة، مع وعود أخرى بدعم الجانب البحثي الذي ظل عائقًا لسنوات أمام نمو صناعة المواد الخام محليًّا.

ورفعت مصر مخصصات قطاع البحث العلمي بصورة ملحوظة خلال السنوات الست الأخيرة، ليقفز من 2.8 مليار جنيه عام 2016/2017 إلى 4.5 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي 2021/2022.

يراهن رئيس المجلس التصديرى للصناعات الدوائية على الوكالة الأفريقية للدواء، في إنعاش الصادرات المصرية إلى القارة السمراء، والقضاء على مشكلة التسجيل؛ خصوصًا عندما تستضيف القاهرة المقر الرئيسي للوكالة، ما سيسهِّل كثيرًا الإجراءات الخاصة بالشركات المصرية، إلى جانب فتح المجال أمام هيئة الدواء المصرية لتبادل تجربتها مع دول القارة.

وترتبط المصانع المصرية بتعاقدات تمنحها حق إنتاج الدواء لصالح شركات عالمية كبيرة مثل «نوفارتس» السويسرية، و«سانوفي» الفرنسية، و«جلاكسو سميثكلاين» البريطانية، و«فايزر» الأمريكية، و«أسترازينكا» البريطانية، وغيرها.

سوق الدواء في مصر
سجلت مصر أعلى معدل استهلاك للدواء في منطقة الشرق الأوسط خلال 2019

وبلغت صادرات مصر من الدواء في 2019 نحو 271 مليون دولار فقط، في ظل استحواذ السوق المحلية على الحصة الأكبر من الاستهلاك؛ إذ سجلت مصر أعلى معدل استهلاك في منطقة الشرق الأوسط للأدوية خلال العام ذاته، وفقًا لمؤسسة “ims” لمعلومات الصناعات الدوائية.

وبحسب المجلس التصديري للصناعات الطبية والدوائية، فإن قيمة صادرات الدواء المصرية للدول الأفريقية لم تزد عن 52 مليون دولار خلال 2020، مقابل 60 مليون دولار خلال 2019، وذلك بسبب تداعيات جائحة «كورونا» وتأخير تسجيل ملفات الأدوية. علمًا بأن 10 دول أفريقية تشتري 90% من صادرات الأدوية المصرية، وهي: السودان، والصومال، وأوغندا، وكينيا، وجيبوتي، ونيجيريا، وإثيوبيا، وتنزانيا، وتشاد، والنيجر.

على هذا، ووفقًا لماجد جورج، لا تتجاوز حصة صادرات الدواء المصرية 0.5% من إجمالي واردات السوق الأفريقية، وهي نسبة منخفضة للغاية في حال مقارنتها بإجمالي واردات القارة من الدواء، والتي بلغت 17 مليار دولار خلال 2019.

وتستحوذ شركات آسيوية على المبيعات في السوق الأفريقية؛ خصوصًا من الصين والهند، غزيرتا الإنتاج، إذ تمتلك الأولى 5 آلاف مصنع دواء، وتصل عدد المصانع في الثانية لأكثر من 10 آلاف مصنع.

المصدرين الكبار لأفريقيا

تطمح مصر إلى أن تكون ضمن أكبر 20 دولة مصدرة للدواء إلى أفريقيا التي يزيد عدد سكانها عن 1.3 مليار نسمة حاليًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 2.3 مليار في 2050، مع معدل كبير لانتشار الأمراض، في حين أنها تعتمد على الاستيراد بنسبة 80%.

على سبيل المثال، استوردت نيجيريا في 2019 أدوية بنحو مليار دولار، بينما استوردت كينيا أدوية بنحو 562 مليون دولار، والكونغو بحوالي 471 مليون دولار.

وفي حال زيادة الإنتاج المصري، ستزيد فرص مصر لتصدير الدواء إلى أفريقيا، بسبب انخفاض أسعاره، إضافة إلى الشراكة القارية، لتبدو السوق الأفريقية مؤهلة بقوة لاستقبال المنتجات المصرية؛ خصوصًا بعد النقص الحاد في الدواء بعد أزمة «كورونا»، والذي عبرت عنه مارجريت إيلوموانا، رئيسة تحرير «المجلة النيجيرية للصيدلة»، والمحاضرة في جامعة لاغوس، بقولها إن الواردات تشكل ما بين 70% و90% من الأدوية المستهلكة في معظم دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة عديد من المنتجات الدوائية، ويجعل المواطنين عرضة لاضطرابات سلاسل التوريد.

اقرأ/ي أيضًا: أرباح لقاح كورونا.. المؤامرة تعود للمربع صفر: ابحث عن المستفيد!

ووفقًا لـ«المجلة الطبية البريطانية»، فإن عدم الحصول على الأدوية يسهم كل عام في وفاة ملايين الأشخاص في أفريقيا، ويقع العبء بشكل رئيسي على عاتق الفقراء والنساء والأطفال.

يُذكر أن غرفة صناعة الدواء المصرية، كانت قد اتفقت مع نقابة الصيادلة في لبنان، على تأسيس أول شركة مشتركة لتسويق الدواء المصري في دول القارة الأفريقية، على أن تغطي الأنشطة التسويقية للشركة 5 دول بصورة أولية، هي: أنجولا، ونيجيريا، والكونغو، وتنزانيا، وإثيوبيا. وتستهدف في المرحلة الأولى تصدير أدوية للسوق الأفريقية بنحو مليونيِّ دولار.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى