ثقافة وفن

وارث كافكا.. كيف يختار ويجز كلماته؟

ربما يسعى أهل الموسيقى والغناء دائمًا إلى التجديد بطرق شتى، ومنها طريقة الريس ستاموني في فيلم الكيف، حيث يتم اختيار كلمات صادمة للمجتمع وآذانه المتفتحة لكل ما هو مدهش، هنا يظهر ويجز، الرابر المصري، صاحب “باظت خالص”، التي صارت أيقونة على مستوى الطرح الموسيقي والكلمات، على حد سواء.

ارتبط ويجز في أذهان مستمعيه بتراك يمثل تجربة اكتشافه، بعدها تبدأ علاقة إخلاص متبادل على مستوى جهده فيما يقدم ومستوى متابعة مستمعيه، لتمثل علاقة فريدة بين الفنان وجمهوره.

انتقل ويجز بمفهوم الغناء إلى تجربة تحاكي فلوج يوتيوب، فتراكاته تعد مدخلًا لفهم عالم يومياته، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من التجارب والتغيرات الأدائية، إذ يخلق حالة مشاركة مع مستمعيه بطريقة أدائية أقرب إلى تعبير تمثيلي عن الحالات والكلمات التي يشعر بها، فيصبح شعورًا مشتركًا، يختلف باختلاف حالات التراك من التبجح إلى الحزن أو السعادة أو الأمل.

لا يمتلك ويجز فقط تنوعًا على مستوى الكتابة والكلمات والموضوعات، بل هو قادر على التنقل بسلاسة بين أنماط الراب وآر أند بي (R&B) والبوب، وحتى موسيقى المهرجان.. ربْط ويجز بلون معين وتصنيفه في قالب ما، يعد نوعًا من الإجحاف لتنوع جهده.

تجربة يمكن وصفها بلذة جنونية، تهدف إلى أقصى مراحل الانتشار.. حكمة وشغف يرسمان لوحة جديدة في عالم موسيقى الإنترنت في مصر والعالم العربي.

وجوزة الحكيم

على تويتر بقول المفيد.. وجوزة الحكيم وجوزة الجديد

يستخدم ويجز “كورس – Chorus” من نوعية Hook، يدفع المستمع لترديده.. على سبيل المثال، في أغنية “باظت خالص“، سيعلق في ذهنك “باظت باظت.. باظت خالص”. ربما هذا ما جعل الأغنية واجهة لعدة إعلانات استخدمت نفس اللحن.

يبقى هذا من أسرار انتشار أي مغن أو صانع موسيقى. تكرر الأمر في تراك “دورك جاي“، وغيرها.. من هنا اكتسب ويجز الانتشار الفيروسي، كلمات تعلق بسهولة في الأذهان.

في أغنية “ساليني”، يلجأ ويجز إلى نمط موسيقى البوب، وهذا ما يفرق بينه وبين أي رابر آخر؛ قدرته على اختراق مساحات جديدة ومتنوعة، قادر على إثبات تمكنه فيها، واستخدام الموسيقى أداةً للتعبير عن الذات.

لا يتمتع ويجز بصوت جميل، لكن لديه أداء مميز، يدفع للانغماس داخل هواجسه، مخاوفه، وشجون تجربته.

في “ساليني” يُشرّح ويجز مخاوفه، حزنه على التعثّر أحيانًا، لكن يحدوه أمل يعبر عنه في لقطات تخترق خط الحزن، تنسحب لصالح هاجس آخر، حزن آخر، ثم تظهر لتكسر رتم الأسى، قبل أن تنسحب مرة أخرى.. لن يتحوّل الأسى إذًا ليأس.

وما بين الأحلام والحنين للحب الغائب، يهرب ويجز لأصحابه ودخان الحشيش.

تحمل الأغنية تنوعًا في باراتها، يبدو للوهلة الأولى مفككًا، لكن في داخله وحدة موضوعية، قلب متكسر رغم نجاحه، تطارده مشاعر فشل مشوشة تقريبًا: “زيّك بعلقها على شماعة الظروف/ قدوتك وحياتي مليانة ذنوب”.

في “ساليني” يضيء ويجز كشافًا على الحب في حياته باعتباره مُستدعيًا لكل تجارب الفشل التي لا يملك إلا أن يواجهها بأمل.

نجد ويجز حقيقيًا جدًا في مشاهد حزنه على حبيبته: “تالت مرة تقولي ابقى قابلني ومابتجيش”، ثم يقلل منها كأنه يجلدها حتى تشفى روحه منها: “قولتلها مش بحبك وانتي عادة”، ويستمر في توجيه غضبه لها: “انتي خدعة كبيرة جمالك مزيف”. مع ذلك، لا ينجح في الهروب من شبحها: “للرصيف بشكي همي للرصيف/ معادنا كان جميل نقتطين الشتا إسكندرية في الخريف”.

يصبر ويجز نفسه بإزاحة مشاعره على الحبيبة الغائبة: “وشي مميز تشرب عشان تنساه/ بتلاقي شكلي اتشكل في الدخان”، لكن سيعود مجددًا لنحيبه: “ساليني.. ساليني”، بأداء صوتي يعتمد على تمثيل تقلبات نفسه.

مسارات اللغة عند ويجز

في تراكات ويجز، سيل من الكلمات/الجنون في مطاردة القوافي وضبط الأوزان. تتركز هذه العملية من التدفق، في فتح مساحات جديدة تتجاوز ضيق اللغة، على أربع مسارات:

  1. الإنجليزية. وهو ما يفعله معظم الرابرز.
  2. اللهجة الإسكندرانية.
  3. القفلة الحرة، أو عدم الالتزام التام بالقوافي التقليدية.
  4. استدعاء كلمات من قاموس العربية/الشارع.

في أغنية “الغسالة” يقول: “مرشتني ممرشتش الهدوم”. مَرش، فعل من العربية الفصحى، بمعنى الحكّ، الخدش والأذية. في أغنية “باظت” يقول: “عادي مش جاضض”. مَرش وجضّ، تستخدمان أيضًا في العامية، بمعان متقاربة من أصلها في الفصحى، فجضّ في العامية تشير إلى الضيق، وفي الفصحى تشير إلى التبختر.

عند ذلك، لا يمكن الجزم ما إذا كان ويجز قصد استخدامها للإشارة إلى التبختر: “عادي مش جاضض/متبختر”، أو للضيق: “عادي مش جاضض/متضايق”.

لكن في تراك “ATM” يقول: “يمرح الصغار وبياخدوا ستوريز”.. ويمرح قطعًا كلمة من الفصحى لم تتسرب للعامية المصرية.

على كل، في “21“، يقول ويجز: “خلصت اللعبة من زمان بس مستقصي الكلام”.

 

لماذا يتراب ويجز؟

المسألة بسيطة: “لسه بكتب أغنية بحط فيها الآمال والهم اللي فيا”، لهذا يكتب ويجز، لهذا بيتراب.

يبدو ويجز كبطل في مسرح العبث الحياتي: “مفيش وقت لو همشي لابس خمس ساعات”، واعٍ لحدود الممكن، وللفرصة: “أي حاجة ببلاش صاحبي ناخد منها كتير”، يشعر بالاغتراب والوحدة بين سبعة مليار إنسان: “صاحبي مفيش بشر غيرنا/ سبعة مليار وأنا في وحدة”، رغم أنهم جميعًا هو: “صاحبي الباقي دول احنا/ بص في عيني البشر دول احنا”.

هنا يكرس للاغتراب مجددًا: “كلامي سوداوي براب في سرداب/كأني بترجم لكافكا الكلام”، وأيضًا كـ”وراث كافكا”.

كان واقف بينا الكلام ومش واقف النزيف

 يشرح ويجز نفسه، ونحن. جيله والجيل الذي سبقه؛ كل طبقات المشاعر ورحلتها الدرامية صعودًا وهبوطًا. يستعرض غضبه: “يشوفوا غضبي الشباب يتحفز”، يستعرض هواجسه/نا: “جيلي اتمرد/ جيلي اتغرب/ جيلي جرب”.

ما ويجز؟

فتى يدعى أحمد علي. في أغسطس 2017، كتب على فيسبوك بوست يقول فيه: “اسمي ويجز. بعمل راب من أربع شهور بس، وهنزّل أغنية هتكسر الدنيا خلال يومين”، ثم نزّل تراك “TNT”.

استطاع الشاب أبو 21 سنة، أن يدس محمد رمضان بإمكانيات توكتوك في مواجهة لامبرجيني. في تراك “دورك جاي”، قدّم ويجز إبهار بصري مرفق بكلمات شوارعي واثق، غير عابئ بمن يدسه: “جسمك ولا يغر” لأن “على قفاك اللوجو”.

ثقته التي تبدو تبجحًا أحيانًا كثيرة، لا يضاهيها لديه سوى شجون لا يعبر عنه فقط، وإنما كمربع حالة في مصفوفة جيل. هكذا شقّ طريقه نحو الشهرة كقاطرة بلا مكابح، بأغنية “TNT”: “احنا الجيل الجديد فرغنا الطاقة/ احنا كافحنا في مجالنا في القمة مكانّا”.

أخطاء جمالية

 يرى ويجز أن الأخطاء جزء من حياة الإنسان، وجزء من صناعة الموسيقى، فقد صرح أنه يستعشر جماليات في أخطاء صناعة الموسيقى، معتبرًا أن القاعدة الجمالية تستند إلى الشعور بالتناغم لا إلى إقرار القواعد التقليدية للموسيقة بصحة ذلك.

هكذا يقدم ويجز فكرة ثورية للفن/الموسيقى/الكتابة، ملتصقة بمنتجها كشخص وسياق وظروف، ويعكس ذلك بأدائه أمام المايكروفون والكاميرا.

محمد سميح

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى