عودة مستر سيجموند فرويد

“الجنس.. الجنس.. الجنس.. لماذا ينبغي على كل شيء أن يتعلق بالجنس؟ وإلى أين يوصلنا هذا الأمر؟ ماذا عن العوامل الاجتماعية والثقافية، لمَ نتجاهل أثرها؟ وإلى متى يدوم صلف هذا الرجل ورفضه لكل رأي يخالفه؟”.

صاح عالم النفس “ألفرد آدلر” بهذه الكلمات في غضب، فحاول المحيطون به تهدئة انفعالٍ تسببت فيه مناقشة جرت بين “آدلر” والبروفيسور “سيجموند فرويد” انتهت بانصراف الأخير دون استكمال ما بدأه الاثنان من حوار.

كان “آدلر” ثاني أهم شخصية في مدرسة فيينا، وأول رئيس لها، لكن إصرار أستاذه على رفض أي تعديلات على نظرية “التحليل النفسي” أو تطويرها حرّض “ألفرد” وعددًا من أنبغ التلامذة على الانشقاق، كان أولهم “آدلر” بعد ملازمة لفرويد لمدة 9 سنوات، وأشهرهم “كارل يونج”.

اختلف مؤسس علم النفس الفردي مع “فرويد” حول محورية الجنس وصلاحية هذا العامل في تفسير كافة سلوكيات الإنسان، حيث رأى “آدلر” أن العوامل الاجتماعية والثقافية لها نصيب “مهضوم حقه” في الطرح الفرويدي، وأن الأمراض النفسية ترجع إلى شعور الفرد بالنقص لا إلى الكبت الجنسي، كما ذهب صاحب “التحليل النفسي”.

وبدافع من الصدام بين الرجلين ومن تصور “آدلر” أن “فرويد” بالغ في تبجيل الجنس، تجاهله “آدلر” عند وضع نظريته، كما استبعد أغلب الاستبصارات الثرية لمدرسة التحليل النفسي مثل: الكبت، والتكثيف، والصراع النفسي، والإزاحة، حتى فكرة اللا شعور، الإنجاز الفرويدي الأهم، أهملها “آدلر”، مدعيًا أنه وقع على عامل أكثر فاعلية في تفسير السلوك الإنساني وهو الشعور بالنقص.

ألفرد آدلر (1870 - 1937)

بحسب رؤية “آدلر” فإن الأمراض العُصابية تعود إلى هذا الشعور، فالإنسان لا يستطيع أن يتسامح إزاءه، بما طبع عليه من حب السيطرة والرغبة في التفوق، وفي حالة إذا أحس المرء بنقص أو أنه أقل من غيره فإما أن يسعى لتعويض هذا النقص والتفوق على غيره، وإما أن يستسلم لينساق نحو الموت.

صدام آخر عنيف لفرويد كان مع تلميذه الأشهر “كارل غوستاف يونج”، ورغم أن جانبًا منه اعتُبر شخصيًّا بسبب طبيعة الرجلين: “فرويد” صاحب النزعة المتسلطة والمحبة للسيطرة، و”يونج” المعتد بنفسه المتمرد على ما وصفه بـ”لعبة فرويد التي تقوم على رفع الأستاذ ومكانته دومًا بحيث يظل يشغل موقع الأب الأعلى، محولًا تلاميذه إلى أبناء طيعين ما يخلق لديهم حالة من العُصاب الحقيقي”.

هذا الجانب عضّد الاختلاف العلمي بين العالِمين، فعارض “يونج” أستاذه في كون الليبيدو (الطاقة الحيوية المحركة لسلوك الإنسان) جنسيًّا بكليته، واعتبره طاقة لا ترتبط بالجنس بقدر ما تستهدف النمو والفاعلية والإنتاج بصفة عامة، رافضًا فكرة الميل الجنسي نحو الأب والأم أيضًا.

كما عارض تبجيل أستاذه للجنس عمومًا، ويروي مستهجنًا فيما ذكره عن “فرويد”: “ما زلت أتذكر بوضوح كيف قال لي: عزيزي يونج، عاهدني على عدم التخلي عن نظرية الجنس أبدًا، فذلك أمر بالغ الأهمية. يجب أن نجعل منها عقيدة، وحصنًا لا يُهدم!”.

الخلاف ثم الصدام لاحقًا، لم يمنعا عالم النفس السويسري من الاشتغال على عددٍ من أفكار “فرويد” وتطويرها مثل فكرة اللا شعور، فكان له تصور بشأنها، طرح من خلاله نظرية مهمة عن “اللا شعور الجمعي” إلى جوار اللا شعور الشخصي الذي روج له “فرويد”.

أثرى الانشقاق عن “فرويد” ومدرسته علمًا جديدًا كان في طور التكوين، حيث أسس “آدلر” علم النفس الفردي، وأنشأ “يونج” علم النفس التحليلي، وكانت المدرستان بمثابة رد على “التحليل النفسي” ليُحسب هذا لها مثلما حُسب عليها.

كارل غوستاف يونج (1875 - 1961)

بالنسبة لفرويد ورفضه محاولات تلامذته إدخال أي تعديل على نظريته حول الجنس، أرجعه البعض إلى سبب عملي يتعلق بأن العالم النمساوي الأشهر بحث عميقًا في أغوار النفس الإنسانية ليقيم بناءً مكينًا لنظريته، من ثمّ لم يكن ليسمح باعتراضات أو ملاحظات يبديها أي من تلامذته أو تُزحزح حجرًا في بنائه الضخم.

هذا الرأي لم يُرضِ آخرين فروجوا أن اعتناق “فرويد” لنظريته عن الجنس كان اعتناقًا عقائديًّا لا علميًّا، وربما عبّر عن عُصَاب رأي “فرويد”، في حوار له مع “يونج”، أن لا أحد ينجو منه، فهل كان للبروفيسور “سيجموند فرويد” عُصاب شكّل موقفه المتصلب تجاه تلامذته وعضّد رفضه أي نقد أو إدخال تعديلات على نظريته حول الجنس؟

للإجابة عن التساؤل، وكما علّمنا “فرويد”، ستكون البداية من الطفولة، من ارتباط الفرد القوي واللصيق بأمه تحديدًا وحبه العميق لها، وبحسب سيرته المكتوبة كان “سيجموند” طفلًا مدللًا ومُفضلًا لأمه، يصدر الأوامر فلا راد لها.

ومنها -على سبيل المثال- أنه حَرَم أخته الصغرى، وهو في العاشرة، من تلقي دروس البيانو؛ لأن ضجيج الآلة الموسيقية أزعجه، لتتخلص منها الأسرة فورًا.

ويذكر أحد تلامذته أن “فرويد” في طفولته طالما كان يغار بشدة من أخيه “فيليب”، وكان مسكونًا بهاجس كون أخيه عشيقًا لأمه، ويُروَى أنه توسل باكيًا ذات مرة لفيليب ألا يجعل أمه حبلى مرة أخرى.

التعلق العنيف بالأم انتقل مع “فرويد” إلى زوجته “مارتا”، فترصد سيرته عاشقًا غيورًا في فترة الخطوبة، يمنع خطيبته من مخالطة أي شخص يشعر أن فتاته تبدي اهتمامًا نحوه، لتطال هذه الغيرة المرضية حتى عائلة “مارتا”، فأمرها “فرويد” ألا تتوقف عند حد انتقاد أمها وأخيها، بل وتتخلى عن “اعتقاداتهم السخيفة”، ثم تطور الأمر فحرضها على كراهية أسرتها لأنهم أعداء له.

"فرويد" وزوجته "مارتا" في شبابهما

بعد الزواج خمد هذا الحب الجارف، وأهمل “فرويد” كل إشارة إلى زوجته، متحدثًا لأصدقائه المقربين عن “فراغ يصم وجوده”، ولا ينفي هذا الشعور المثبط إلا التقدم في عمله.

ولم يُعرف عن البروفيسور المحب للسفر أنه اصطحب “مارتا” في إحدى سفرياته، فسافر مع أصدقائه وتلامذته وحتى مع شقيق “مارتا” لكن ليس مع الزوجة، وهذا يُسلمنا إلى فكرة “إريك فروم” من أن “مارتا” الحبيبة المعشوقة أمست بعد الزواج “مارتا” الأم الحنون.

رافق العُصاب “فرويد” في علاقاته حتى بالرجال، بعدما نقل الدور الأمومي وما يستوجبه من تبعية إلى ثلاثة من المقربين هم: زميلاه وصديقاه جوزيف برويير، وفيليس، وتلميذه كارل يونج.

وتكرر السنياريو في كل مرة، صداقة وثيقة تتبعها قطيعة تصل إلى حد الكراهية، هكذا كان حال علاقاته مع فليس، برويير، آدلر، يونج، وكذلك حتى مع “فرنيزي” أحد أخلص تلامذته.

اعتداد “فرويد” بنفسه وغروره دفعه في كل مرة إلى قطع علاقة الصداقة، واتخاذ موقف حاد في سبيل كبت الوعي بتبعيته للصديق الذي لا يقوم بدوره الأمومي.

كان الأول هو “برويير” الزميل الأكبر سنًّا وربما الأستاذ الذي أسبغ رعايته على “فرويد” في مطلع الشباب، وكثيرًا ما قدم المساعدة لـ”سيجموند” حتى المادية منها، وهو من أهدى “فرويد” الفكرة النواة لنظريته.

فمن خلال إحدى حالاته استنتج “برويير” أن الأعراض المرضية اللا عقلانية تختفي لدى المريض بمجرد اكتشاف أصلها، فحمل هذه النتيجة إلى “فرويد” لتصبح نواة نظريته “التحليل النفسي”.

رغم ذلك كان هناك خلاف بين الرجلين في الجانب العلمي اتسعت رقعته إثر تطوير “فرويد” لطرحه، غير أن الاختلاف في الرأي لم يكن كافيًا لتفسير موقف عنيف اتخذه صاحب “التحليل النفسي” من صديقه الأقرب وقتها، ليكتب في إحدى رسائله إلى “فليس”: إن مجرد رؤيته (برويير) تحثني على الهجرة.

على الجانب الآخر كان موقف “برويير” متسامحًا إلى حد بعيد، فعندما أراد “سيجموند” تسديد دين عليه، رفض الأول، معتبرًا أن المبلغ سُدد عندما عالج “فرويد” أحد أقاربه.

"فرويد" يجلس بين عدد من تلامذته ومريديه

الأمر عينه وقع مع “فليس” الذي اعتاد البروفيسور بثه همومه وأفكاره وأمنياته بشأن مستقبل “التحليل النفسي”، ومن إحدى رسائل فرويد لفليس نقرأ: “إنني حزين، وأعيش في الظلمة، بانتظار وصولك، وعندئذ سأشعر مجددًا بأنني على ما يرام..”.

وفي رسالة أخرى: “إن مزاجي قاتم. لا أستطيع سوى أن أقول شيئًا واحدًا، إنني أنتظر بفرح لقاءنا القادم، كمن سيُشبع أخيرًا جوعه ويروي ظمأه، لن أحمل إليك سوى أذنين صاغيتين وفم مقفل..”.

غير أن العلاقة تنتهي بعد تخلي “فليس” عن دوره الأمومي بتوجيه بعض الملاحظات النقدية وإصراره عليها، ولا يخرج عن هذا النمط ما جرى مع “آدلر” ثم “يونج”.

أما عن سبب تحوّل حب “سيجموند” لأمه إلى الرجال، فهذا يعود -وللمفارقة- إلى كون الرجل الذي احتل الجنس الصدارة في نظريته كان اهتمامه بالجنس والنساء على المستوى الشخصي ضعيفًا، وكذلك قدرته الجنسية كانت ضئيلة، ويؤكد تلميذه “جونز” أن “زوجة فرويد بكل تأكيد المرأة الوحيدة في حياته العاطفية”.

رعاية الأم وحبها -بحسب من تناولوا سيرة “فرويد”- منح عالم النفس الأشهر ثقة بالغة، بينما تفضيلها وتدليلها غذّى داخله حب السيطرة والتسلط، وأضعف قدرته على قبول النقد.

وهناك سمة أخرى حملتها تلك العلاقة، وهي الولاء غير المشروط الذي نشده البروفيسور لدى أصدقائه بعدما حوّل (والتحويل أحد الميكانيزمات الدفاعية في “التحليل النفسي”) موضوع حبه (أمه) نحوهم.

كان “فرويد” على الدوام في حاجة ماسة إلى الحب الأمومي لما يرتبط به من حماية وإعجاب وولاء كامل، ولدى تحصيله هذا الحب يهبه ثقة بالغة بالنفس ودافعًا لشحذ همته في أبحاثه وأعماله، ليتردى في مهاوي الإحباط واليأس (والكوكايين) حينما لا تُشبع حاجته تلك.

لهذا بجّل “فرويد” الأم التي لبت احتياجه دون شرط أو قيد، كذلك مجّد نظريته حول الجنس بعدما جلبت إليه تقدير وإعجاب العالم فأحاطها بهالة من القداسة وحرّم مسها بأي نقد وأراد لها أن تكون دينًا جديدًا.

- الطبيعة البشرية، ألفرد آدلر.

- علم النفس التحليلي، كارل غوستاف يونج.

- مهمة فرويد.. تحليل لشخصيته وتأثيره، أريك فروم.

- فرويد وأتباعه: الأيام الأخيرة، بول روزان.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

Mohamed.altanawy1@gmail.com

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search