سيدة الواحة

حكاية "يورديا" الهولندية مُعلمة أطفال سيوة

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

“لا تستهويني الحياة العادية، أحتاج إلى تحدٍّ في حياتي حتى أشعر بالسعادة”.. بهذه الكلمات بدأت “يورديا مونتو” (31 عامًا) رواية قصتها عن الارتحال من عالمها المفتوح في هولندا، إلى الاستقرار في واحة سيوة المصرية المنعزلة، التي تبعد 820 كم عن القاهرة، وتتبع إداريًّا محافظة مرسى مطروح.

قبل عدة سنوات، جاءت الشابة الهولندية إلى سيوة كسائحة عقب تخرجها من الجامعة، ثم تكررت زياراتها للواحة، التي عشقت سماءها ونجومها الساطعة، حتى اتخذت “القرار الكبير” وهو الاستقرار والعيش فيها، واتخاذ مسار جديد لحياتها، منذ 4 سنوات، بعيدًا عن كل ما اعتادته، وهو ما لم تتوقعه في يوم من الأيام، كما تروي لـ”ذات مصر”.

تصف “يورديا” واحة سيوة بأنها مكان “بالغ الجمال”؛ إلا أنها تراها “ليست مكانًا لأي شخص”، لأن هناك أشخاصًا لا يستطيعون مغادرة حياة الرَّفَاهة والتمدن، والعيش في مجتمع بدائي بسيط، لكنها رغم ذلك ترى الواحة المنعزلة “جنة صغيرة” لا تخلو من المنغصات!.

لا تسير حياة الشابة الهولندية في سيوة بوتيرة هادئة؛ إذ إن لديها جدول أعمال مزدحمًا بالأنشطة اليومية، بينما تستحوذ مدرسة “كونكت جروب” التي أسستها بجهودها الذاتية عند مجيئها إلى سيوة لتعليم أطفال ونساء الواحة، على جزء كبير من وقتها، في حين تخصص جزءًا من وقتها لـ”مزرعتها الصغيرة” التي تُديرها مع والدتها التي استقرت معها أيضًا، إضافةً للزيارات والمقابلات الاجتماعية مع جيرانها التي تعتبرها “ضرورة لا غنى عنها مع غياب وسائل الترفيه المعتادة”.

تُعلِّم “يورديا” نساء وأطفال سيوة القراءة والكتابة واللغة الإنجليزية، لأنها ترغب في أن “يكون التعليم شيئًا متاحًا لكل من يرغب فيه”.

لا تتقاضى “مدرسة يورديا” سوى مصروفات رمزية لدفع أجور المعلمات وإيجار المكان، لضمان استمرار العملية التعليمية. وعلى الرغم من ذلك، ليس في مقدور جميع الأهالي دفع المصروفات الدراسية.

وتطمح الشابة الهولندية في أن تحصل على دعم مالي لضم كافة الأطفال للمدرسة، وتدريب مزيدٍ من النساء لنقل ما تعلمنه إلى بقية نساء الواحة بمساعدة امرأة سيوية تشاركها حلمها، وتساعدها في اكتساب ثقة المجتمع السيوي المنغلق، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنسائه.

لا تتصور “يورديا” أن تلتزم بالعادات السيوية، أو تحتجب كنساء الواحة في يوم من الأيام، حيث لا تزال العادات والتقاليد القبلية راسخة في هذا المجتمع الذي لا تُغادر فيه النساء بيوتهن إلا للضرورة القصوى، بينما يتولى الرجل السيوي مهمة العمل في مجالات السياحة أو التجارة في التمور والأعشاب وغيرها، وإحضار احتياجات المنزل من طعام وشراب وغيره، بينما تتولى المرأة أعمال المنزل وتربية الأولاد، وتُسلّي نفسها بالمُطَرَّازت والمشغولات اليدوية، وإذا حدث وأن خرجت فإنها تلتحف بالعباءة والنقاب.

لم تكن مهمة الشابة الأجنبية -ذات العقلية المتحررة- سهلة، كما واجهت صعوبات في كسب ثقة الأهالي للموافقة على إرسال أبنائهم للتعلم في مدرستها، فضلًا عن السماح لنسائهم بذلك؛ إلا أن الوقت كان كفيلًا لكسب ثقتهم شيئًا فشيئًا، بعدما اطمأنوا إلى أنها لا تريد سوى مستقبل أفضل لأبنائهم. واليوم تضم مدرستها ما يزيد على 100 طفل في مراحل مختلفة.

تقتصر طموحات “يورديا” في الوقت الحالي على توسعة المدرسة، وتوطيد علاقاتها مع أهالي سيوة، مكتفية بصحبة والدتها التي تعيش معها في منزل مبني من مادة الكرشيف (الطين الممزوج بالملح) على الطراز السيوي المميز.

تفكر الشابة الهولندية -في بعض الأحيان- في إمكانية تأسيس عائلة وإنجاب أطفال، رغم أنها تصف الزواج من رجل سيوي بأنه أقرب إلى “مهمة مستحيلة”، ولا سيما مع طبيعة المجتمع الذي يبالغ في حماية نسائه، ويرفض خروجهن للعمل أو انكشافهن على رجال. ومع ذلك ترى أن هذه العادات كانت سببًا كبيرًا في حفاظهن على تراثهن الثري حتى الآن.

تعتبر “يورديا” نفسها رجلًا وامرأة في الوقت نفسه، ولا تتصور أن تتخلى عن أحلامها وحياتها في سيوة مقابل الزواج، لذا لا تتعجل اتخاذَ هذه الخطوة، خاصةً وأنها جربت الزواج سابقًا في بلادها، ولم تعد تنظر إليه كـ”قصة خيالية”.

أكثر ما تفتقده الشابة الهولندية في حياتها السابقة هو “الشوبنج”، الذي تعلمت الاستغناء عنه، واستبداله بأنشطة من نوعية مختلفة كالسباحة في عيون الماء الساخنة ورحلات السفاري وجلسات المساء حول كوة النار بصحبة الشاي السيوي، وتعتبر أن سيوة هي وطنها الحقيقي الذي تشتاق إليه كلما غادرته في زيارات قصيرة لهولندا.

تقلق “يورديا” من التغيرات السريعة التي تحدث في واحة سيوة، في سبيل التطور والتمدن، لأنها ترى أن ذلك يُفقد الواحة التراث الحضاري المميز الذي انجذبت إليه وغادرت عالمها من أجل العيش في رحابه.

قصة

رحمة ضياء

صحفية مصرية

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

طه حسين

فيديوجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram