زوايامختارات

سيرة التباهي المحظور.. جبران باسيل: نهاية وشيكة لأسطورة لبنان

 

يتصدر اسم جبران باسيل، وزير الخارجية اللبنانية السابق ورئيس تيار الوطني الحر، دومًا أزمات بلاده كمتهم رئيس يثير الجدل بتصريحاته الاستفزازية،  أو كرمز لفساد رجل الطبقة الحاكمة، الذي يعرقل أي تسوية سياسية لا يكون فيها حائزًا على الصلاحيات الأكبر.

كان آخر مظاهر هذا الجدل الدائم هو فرض عقوبات أمريكية على “باسيل” بتهمة الفساد، والتي أدت إلى عرقلة مهمة تشكيل الحكومة التي يعمل على تشكيلها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وسط دفاع باسيل وبعض مكونات السلطة اللبنانية عنه.

سيرة رسمية للتباهي

لباسيل سيرة رسمية يتباهى بها دومًا أمام شاشات التلفاز ويصدح بها في الخطب أمام جمهور تياره من المسيحيين اللبنانين بمفردات استعلائية، فهو مهندس سياسة بلاده الخارجية لنحو 6 سنوات تقريبًا بحكومة سعد الحريري، ووزير سابق تنقل بين حقائب تنوعت بين الطاقة والاتصالات، والأهم من هذه المناصب الوزارية هو زعامته للتيار الوطني الحر، الممثل لمسيحيي لبنان، بعد انتخابه بالتزكية عام 2015، والذي صعد به ليحمل راية حقوق المسيحيين في لبنان كمدافع عن وجودهم تاريخيًّا وسياسيًّا في الشرق.

جبران باسيل

وباسيل أيضًا رئيس أكبر كتلة برلمانية تتيح له النفوذ الأكبر في تشكيل الحكومة، التي تعطيه الحق في تمثيل بلاده في المنتديات الخارجية، حيث يطير لها بطائرة خاصة أهداها إليه أصدقاؤه الذين لم يُفصح عن أسمائهم، ويُحيط نفسه بهالة المسؤول الأول والحاكم الفعلي لبلاده، غير عابئ بالحملات الرافضة لذهابه وتمثيله لبنان في هذه المؤتمرات.

الزيجة التي صعدت به إلى دوائر السلطة

هذه المناصب السياسية التي صعد إليها باسيل، وتزكيته ليكون ممثلاً لمسيحيي لبنان والدفاع عنهم كحامل مطالبهم، لم تكن لتحدث غير بعلاقة مصاهرة جرت عام 1999 مع ابنة العماد ميشيل عون، الزعيم السابق للتيار الوطني الحر والرئيس اللبناني الحالي، وهو زواج تُوّج بثلاثة أبناء.. إنها رحلة صعود بين مناصب عدة كوزير، رئيس حزب، نائب في البرلمان.

فسرعان ما اختار عون زوج ابنته ليكون ظلاً له في السلطة والتيار السياسي، ليعطل تشكيل الحكومات شهورًا طويلة من أجل توزيره كما حدث عام 2009، حين حاول الدفع به في منصب وزير الاتصالات، ثم منصب وزير الداخلية، وتكرر هذا الأمر في السنوات اللاحقة، ساعيًا في كُل مرة لحصد النسب التصويتية التي تهيئه للدفع بباسيل إلى الواجهة، حتى لو اضطره ذلك إلى تعطيل تشكيل الحكومة وحدوث فراغ سياسي.

عون ونصر الله وباسيل

طالب عون الجميع بوجوب الإصغاء له، ومنحه الأفضلية في التصعيد السياسي كزعيم للتيار الوطني الحر على أشقائه وأبناء عمومته -الأكثر أهلية- لينتقل بعض منهم للمعارضة وينشق عن تيار عون، ويؤثر البعض الآخر الصمت.

أبرز هؤلاء كان العميد شارل روكز، صهر عون الأكبر، الذي انشق من التيار الوطني الحر بسبب خلافات واستياء من سلطات باسيل، وأسس “حركة الإنقاذ الوطني”، التي تضمّ عسكريين متقاعدين، وخرج منتقدًا عون وباسيل، ومطالبًا بالتظاهر في ساحة الشهداء لإسقاط النخبة الحاكمة.

الحصانة والنفوذ اللذان تحصن بهما باسيل بفعل مناصبه وعلاقته بعون، ظهرت تجلياتها في إصدار القضاء اللبناني حكمًا بسجن الصحفي اللبناني فداء عيتاني 22 شهرًا وإلزامه بدفع غرامة مالية تصل إلى نحو 50 ألف دولار أمريكي، لكتابته منشورًا على فيس بوك ذكر في ختامه عبارة: “بلاد بتسوى جبران باسيل انتو اكبر قدر”، بالإضافة إلى حكم قضائي آخر يمنح باسيل براءة اختراع اسم “تيار”، بعد منع استعمال كلمة “التيار” في أسماء بقية الأحزاب اللبنانية.

هذه الحصانة والنفوذ السياسي والمادي الذي اكتسبه باسيل في السنوات الأخيرة وعزز به موقعه داخل الطبقة الحاكمة في لبنان، تراجعت أمام خروج آلاف المتظاهرين في ميادين لبنان كافة في انتفاضة نوفمبر/ تشرين الثاني، التي طالبت بعزله من منصبه، ليخرج من تشكيل حكومة حسان دياب التي تشكلت بعد استقالة سعد الحريري، غير أن ذلك لم يخصم نفوذ باسيل بالكامل، بعدما واجه التظاهرات بتظاهرات مضادة قادها دفاعًا عن الرئيس ودعمًا لمطالب المتظاهرين في الوقت ذاته، متحايلاً على مطالب عزله وتجريده من سلطاته، وقدم نفسه في موقع “الثائر والداعم” الذي خرج مخاطبًا: “تابعتكم لحظة بلحظة وسمعت صوتكم ورأيت الحماس في أعينكم، ونحن مثلكم انتفضنا على الظلم، لذلك نحن لا نظلم أحدًا”.

الرجل الذي يستفز الجميع

تُشكل الخلفيات التي دفعت بباسيل للصعود السياسي عاملاً رئيسًا في تحوله إلى رمز للطبقة الحاكمة التي يطالب المتظاهرون بإسقاطها، غير أن أسبابًا أخرى تقف وراء هذا الكم من الشتائم التي يكيلها اللبنانيون للرجل، حتى أصبح مادة للسخرية والتوبيخ في التظاهرات وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

لقد كرّسنا مفهوماً لانتمائنا اللبناني هو فوق اي انتماء آخر، وقلنا انه جينيّ وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معاً، لتحملنا وتأقلمنا معاً، لمرونتنا وصلابتنا معاً، ولقدرتنا على الدمج والاندماج معاً من جهة وعلى رفض النزوح واللجوء معاً من جهة أخرى

— Gebran Bassil (@Gebran_Bassil) June 7, 2019

وأبرز هذه الأسباب هي التصريحات التي يُثير بها جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتحول لمادة للتندر والسخرية منها، حديثه الدائم عن المؤامرات الكونية، أو تصريحاته التي تندرج تحت تصنيف “العنصرية” نحو قضية اللاجئين، والتي ظهرت في تفسيره للهجوم الشديد على اللاجئين في بلاده حين فسر هذا الهجوم بما أسماه “تفوق الانتماء اللبناني على أي انتماء آخر”، قائلاً في تغريدة على حسابه بموقع تويتر: “انتماؤنا اللبناني هو فوق أي انتماء آخر، وقلنا إنه جينيّ، وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معًا، لتحملنا وتأقلمنا معًا، لمرونتنا وصلابتنا معًا، ولقدرتنا على الدمج والاندماج معًا من جهة، وعلى رفض النزوح واللجوء معًا من جهة أخرى”.

موقف آخر لباسيل، انتشر على حسابات التواصل الاجتماعي يكشف عن أسباب تحوله لمادة مثيرة للجدل دوما، تمثل في رده خلال مقابلة بمنتدى دافوس الاقتصادي على سؤال عن كيفية مجيئه إلى المنتدى بطائرة خاصة قائلاً: “لقد جئت على حسابي، أعرف أنّ الشائعات والأكاذيب لا تزال منتشرة، لكن هذه هي الحقيقة، لم أصرف قرشًا من حساب الخزينة العامة!”

وكان أبرز ظهور لباسيل، والذي أثار موجة انتقادات وسخرية تجاهه، هو ظهوره التليفزيوني بقناة سي إن إن الأمريكية التي وصفته المذيعة فيه  بـ”رمز الفساد” ليدافع عن نفسه بطريقة وصفها البعض بـ”الاستفزازية والفوقية” اللتين ارتبطتا بظهوره دائمًا.

هل تنهي العقوبات حلم باسيل بالرئاسة اللبنانية؟

تحمل العقوبات التي فرضتها واشنطن آثارًا كبيرة على مستقبل باسيل السياسي، وتحديدًا حلمه بالصعود إلى منصب الرئاسة اللبنانية، خصوصًا في ضوء الأسباب التي أوردتها بيانات العقوبات في بيان وزارة الخزانة الأمريكية، التي أشارت إلى العلاقة التي تجمع باسيل مع “حزب الله”، المُدرج على قائمة التنظيمات الإرهابية.

بومبيو وباسيل

بومبيو وباسيل

وتأكدت هذه الآثار من وقع ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من أن “باسيل، من خلال أنشطته الفاسدة، قوّض الحكم الرشيد وأسهم في نظام الفساد السائد والمحسوبية السياسية التي ابتُلي بها لبنان، والتي ساعدت أنشطة حزب الله المزعزعة للاستقرار”.

أحد الآثار المباشرة التي ستطال باسيل من توقيع العقوبات هو حظر تعامل المصارف اللبنانية أو الشركات الكبرى معه، فضلاً عن منع دخوله الأراضي الأمريكية، وإلغاء تأشيرات دخوله، والأهم هو تعرض أي دولة أو كيان تتعاون معه لطائلة العقوبات الأمريكية.

وتضع هذه الآثار نهاية وشيكة لطموحات باسيل السياسية، إذ تجعل العقوبات من باسيل شخصًا معزولاً عن عالمه الخارجي، محظور عليه التواصل مع القادة السياسيين، وتجعل من مزاولة مهامه أمرًا مستحيلاً.

 

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى