سيرة الرواية على لسان أبطالها

في قاعة مخصصة لحفلات التوقيع، يجلس الكاتب مبتسمًا في وجوه قرائه المتحلقين حوله طلبًا لتوقيعه على الرواية الجديدة. يكتب إهداءً لأحدهم، ويداعب آخر، مجيبًا على استفسار لثالث. تتبدى على ملامحه سعادة مُضاعَفة، ليس فقط لحفاوةٍ غمره بها القراء، بل لتخففه من ثِقَلٍ صَحِبَه زمنَ اعتكافه على مؤلَّفه.

رسم الشخصيات، إدارة الصراع فيما بينها، بناء أحداث يعقبه هدمها فإعادة بنائها مرة أخرى؛ عملية تترك الروائي في حالة اضطراب وقلق دائمَيْن لا يعفيه منها إلا انتهاء العمل الأدبي، أما البداية فتكون من الفكرة.

هناك من هو مثل الروائي “أشرف العشماوي”، يُطاردها بين الصحف القديمة، وفي الأرشيفات الصحفية، وعبر كتب التاريخ، ومراجع علم النفس، أو من خلال السير لمسافات طويلة، أو عبر جلسات للتأمل.
“كل التفصيلات السابقة تُعطيك فكرة ما. ملمح صغير يبدأ في التكوين. الأمر أشبه بعملية اكتمال جنين، تلح الفكرة على عقلك، تنشغل بها، وتشعر أنك ترى الشخصيات، تسمعها بوضوح، وتتحاور معها، ترسمها على ورق، تتخيل حركتها، حياتها، وتقول من خلالها فكرتك”.

يقضي صاحب “البارمان” في الكتابة خمس ساعات يوميًّا كحد أدنى، وكثيرًا ما تصل إلى عشر ساعات، ويمتد هذا ستة أيام أسبوعيًّا. أما عن المسودات الأولية للرواية فيعرضها “العشماوي” على زملائه وأصدقائه الذين يثق في ذائقتهم الفنية، مع مراعاة تنوعهم، فأحدهم يمثل قارئًا عاديًّا، وآخر قارئًا نوعيًّا متعمقًا، وثالث له عين سينمائية، ورابع فنان تشكيلي، فضًلا عن بعض الكُتّاب، بخلاف محررته الأدبية.
وعن المرحلة التي تسبق تقديم العمل لدار النشر، يقول “العشماوي”: “عندما أشعر أنني لا أستطيع إضافة أي حرف للنص بعد مسودات عديدة، وعمل يستمر لنحو عامين، أترك شهرًا فاصلًا بين المراجعة الأخيرة وبين تقديمها للناشر، ثم أقرأ روايتي قراءة حرة، فإذا لم أجد ما يستحق الإضافة أو الحذف، أقدمها للناشر، لكني لا أقرؤها وهي مطبوعة بعد ذلك”.
يمر الكاتب بفترات يعجز فيها عن التقدم في عمله الروائي، وحتى لا يخرج من “مود الرواية” يراجع “العشماوي” ما سبق أن خطه لعل ذلك يستحثه على التقدم مرة أخرى.
في رواية أخرى للكتابة لا يبذل “طارق إمام” جهدًا في البحث عن الفكرة، فالأفكار في مذهبه تكون كامنةً بداخله، وعليه فقط أن يستخرجها، أو هذا على الأقل ما يحدث معه. ففي لحظةٍ ما تتبلور أو يستدعيها للظهور “ظرف ما أو تفصيلة تجعل الفكرة المضببة متجسدةً في لحظة”.
في رأي صاحب “الأرملة تكتب الخطابات سرًّا” و”طعم النوم”، الفكرة تبدو مثل سمكة في بحر عميق، لا يعني عدم إخراجها في شبكة الصياد أنها لم تكن موجودة، الأمر يتطلب بعض الوقت.

تطوير الفكرة هي الخطوة الأولى التي يخطوها “إمام”، لأنه يرى أن الكيفية التي تُصاغ بها فكرة ما، هي التي تجعل نصًّا مبهرًا عند كاتبٍ، ونصًّا رديئًا عند آخر.
عند “إمام” “الفكرة وشخصياتها تولد ملتبسة بشكل ما، وهذا الفصل بين الفكرة وأبطال الرواية إجرائي فقط، لذا فلحظةُ البدء في الكتابة تمثل الاختبارات الأولى لأفضل طريقة لصوغ العالم الروائي كله، كيف ستُروَى الحكاية، من أي وجهة نظر، وفق أي بناء، وبأي مستوى لُغوي؟.
أسئلة متشابكة تتصاخبُ في ذهن “طارق” إلى أن تظهر “النغمة المناسبة”، وبالعثور عليها يصبح كل ما بعد ذلك أسهل.
يُشبِّه “إمام” النص بـ”غرفة موصدة يقف الروائي أمام بابها حاملًا سلسلة من المفاتيح لا يعرف أيها سيفتحه، وبالعثور عليه، تتجسد الغرفة”.
لا يلتزم كاتبنا بعدد ساعات معين في اليوم، فحين يشرع في نص جديد ويعثر على “النغمة المناسبة”، يستحوذ عليه النص تمامًا، فلا يتوقف عن الكتابة إلا إذا شعر بأنه لا يستطيع إضافة حرف واحد.
يرى “إمام” أن “الرواية يلدها الإلهام وتُشيدها الحرفة لأنها معمار كامل، وليست محض ومضة أو بارقة”.
أما عن طقوسه في الكتابة فيقول الروائي الشاب: “أُفضّل الكتابة ليلًا، فلستُ من الكتاب النهاريين، ولا أميل للكتابة في الصمت. حضور الأصوات من حولي ضروري لأكتب، حتى إنني كنت في فترة أكتب في مقاهٍ صاخبة. حتى وأنا أكتب في البيت، لا بد من تليفزيون مفتوح أو أغنية في الخلفية”.

وبخصوص مسودات أعماله لا يميل “إمام” لعرضها على أصدقائه، خاصة وأنه لا يكف عن التعديل حتى مرحلة البروفة النهائية، لهذا يعتمد على رأي واحد، هو رأي والده؛ معللًا ذلك بأنه يثق في ذائقته، و”لأنه يتمتع بمرونة جمالية لا تجعله يقرأ النص وفق مزاجه المحدد أو قانونه الشخصي”.
في رأي “إمام” لا توجد رواية انتهت كتابتها “كل ما يحدث أننا عند نقطة ما نقول كفى، النقطة في نهاية الرواية مثل الموت في نهاية الحياة، لا يعني وقوعه أن الحياة انتهت حيث يجب أن تنتهي”.
توقف “إمام” عن الكتابة لسنوات، أولًا بين عامي 1997 و2003، وكان قد نشر بالفعل مؤلفاته الثلاثة الأولى، وضمت مجموعتين قصصيتين وكتابًا للفتيان، في هذه الفترة كان يبحث عن صيغة جديدة لتوسيع عالمه السردي، ليعود للكتابة مجددًا عام 2003 ويصدر روايته الأولى “شريعة القطة”.
بعدها توقف ثانيةً أربعة أعوام، تَوَّجَهَا بروايته الثانية “هدوء القتلة” في يناير 2008، وهو ما تكرر في أعقاب ثورة يناير، عندما نشر روايتين كانتا قيد الكتابة قبلها بسنوات (الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس 2012، وضريح أبي 2013)، ثم توقف ليعود بـ”مدينة الحوائط اللا نهائية”.
يُرجع صاحب “هدوء قاتل” سبب انقطاعه لفترات قد تمتد لسنوات إلى أنه يحتاج إلى “مراجعة الذات، وإعادة التساؤل، ومراقبة نفسه من مسافة ما”، فالانخراط الدائم في الكتابة قد يجعل الكاتب يكرر نفسه دون أن يعي.
يكتب “إمام” في موجات، تضم كلٌّ منها حزمةً من الأعمال، ثم يتبع ذلك فترة توقف لإعادة شحن التجربة، إن جاز التعبير. شيء أشبه بحركة المد والجزر.

يعترف “العادلي” بأنه قبل رواية “الزيارة” لم يكن يهتم بمرحلة البحث، و”هذا خطأ جسيم”، لكنه تلافاه بعد ذلك.
يحاول أغلب الكتاب، بحسب رأي “العادلي”، اقتفاء أثر “نجيب محفوظ” في التزامه اليومي الصارم بعدد ساعات معين للقراءة والكتابة، لكن الأحوال المضطربة، والظروف الصعبة التي نشهدها -في رأي “عمرو”- تحول دون هذه العادة، فضلًا عن أن الكتابة لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر دخل.
يكتب صاحب رواية “رجال غسان كنفاني” ساعتين صباحًا وساعتين مساءً يوميًّا، ويحتاج دومًا إلى “عين ثانية لضبط زوايا وأهداف العمل الروائي”، لهذا يعرض المسودات الأولية لعمله الأدبي على أصدقاء له قبل الدفع بها إلى دار النشر. ويرى “عمرو” أن ذلك يجنّبه انحراف الرواية عن المسار الذي أراده لها، فضلًا عن أخطاء كثيرة أخرى.
أما الأسماء التي يستشيرها في أي عمل أدبي له، فهم شقيقه “عماد العادلي”، والروائي “أشرف العشماوي”، وصديقه المقرب “إبراهيم محمد علي”.
في رأي “العادلي” الحالة المزاجية “لها تأثير بالغ على الكاتب، لكنها لا تُغير حدثًا في الرواية.. البهجة، الانتصارات، الانكسارات، كلها عوامل تترك تأثيرها على الكاتب، ولعل هذا هو سبب ازدهار الأدب بالدول المستقرة، والعكس بالدول التي بها صراعات”.
يجد “العادلي” صعوبة كبيرة في تفسير عملية الكتابة نفسها فـ”أحيانًا أضع خطة لكتابة ألف كلمة، ثم أكتب جملة وأتوقف، وفي اليوم الثاني أُزيل هذه الجملة لأبدأ من جديد، وأحيانًا أجد نفسي متدفقًا في الكتابة”.

 

القرار الخاص بدفع الرواية إلى دار النشر قد يكون صعبًا على الكاتب، لهذا لا يقرر “العادلي” ذلك إلا بعد أن يتجاوز “مرحلة التأرجح بين عبارة وأخرى ليثبتها أو يعيدها إلى صياغتها الأولى”.
بالنسبة للروائي “أحمد مدحت سليم”، الفكرة مكافأة على “التعب المتواصل والبحث ليل نهار عن شيء غير معلوم”، ويُشبّه سليم العملية الغامضة لسطوع الفكرة بالأغنية التي يستيقظ الكاتب في الصباح متفاجئًا بترديدها بلا انقطاع.
أما الجانب العقلي الذي يمكن أن نرصده فيتحقق “أثناء قراءةٍ ما، أو عبر كتابة فكرة أخرى، وربما تظهر الفكرة نتيجة الانشغال الدائم بموضوع ما، ولكني لست متيقنًا في الحقيقة من الطريقة التي تنشأ بها الفكرة، فجميع الأسباب المتقدمة قد لا تنجب فكرة أيضًا”.
وعن تطوير الفكرة وبناء الشخصيات في الرواية، يقول “مدحت”: “تختلف طريقة التعامل مع الفكرة الأولية وبناء الشخصيات من كاتب لآخر. وأقول الفكرة الأولية، لأن العمل على الفكرة أثناء بناء النص ربما تتمخض عنه مفاجآت”.
يصف “سليم” كيفية تعاطيه مع الفكرة بأنه يختبرها على عدة مستويات، الدرجة الأولى تتعلق بمدى تشبعه بالفكرة، ثم مدى أهميتها للإنسان، “وتحديدًا الإنسان المعاصر الذي يعيش حولي ويقرأ لي، ويعاني مثل معاناتي، ويبحث عن حلول لأسئلة مشابهة لما يتولّد عن الفكرة”.
تخضع شخصيات “سليم” أيضًا لاختبار صعب في أول صفحات العمل، فالشخصية إما أن تكون حية ومفعمة بالحركة الذاتية، بحيث تتجاوب مع الفكرة، وتنسجم معها كأنها ترقص على أنغامها، أو تستبعد.

بعد اختبار الفكرة واختبار الشخصيات، يبدأ كاتبنا في البحث وجمع معلومات “حتى أضمن سلامة الأصول الفنية والأدبية لعملي”، لكن في رأي “سليم” يتوقف دور عملية البحث عند كونها خطوطًا إرشادية تضمن ألا تكون هناك أخطاء فادحة في النص.
يقسم الروائي الشاب الكتابة لشقين، كتابة مباشرة وتكون عند الجلوس للورق أو اللاب توب، وفيها لا يلتزم بمواعيد ثابتة أبدًا فـ”ربما أكتب في الصباح الباكر، وربما أكتب مساءً، في المواصلات أثناء سفر طويل أو في حجرتي، وربما تزورني الفكرة في وقت لم أخطط مطلقًا لاستقبالها فيه”.
أما “الكتابة غير المباشرة” فتتمثل في “الأبحاث والتأملات والاختبارات الدرامية الخاصة بالعمل محل الكتابة.. هذه الأنشطة تستغرق 24 ساعة في اليوم”.
وعن الحالة المزاجية وتأثيرها على الكتاب يقول صاحب “لقلبي حكايتان”: “(المود) يؤثر على مسار الأحداث، ويصل بها إلى نواحٍ لم أخطط لها قبل دقيقة من كتابتها، كذلك ربما صادفت شخصًا في مقابلة عمل أو في الشارع، يهديني عمقًا في شخصية من شخصياتي أو في تفسير سلوك معين، وربما سمعت خبرًا اصطدم بشكلٍ ما مع حدث من أحداث روايتي”.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

عرفة محمد أحمد

صحفي مصري

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram