سيرة جامعة القاهرة "فرع الخرطوم":

وسَرَى العِلمُ في عرضِ الجبال

يتعانق النيلان الأبيض والأزرق في العاصمة السودانية الخرطوم فيُشكِّلان شِبهِ جزيرةٍ تُسمى (المُقرنْ) حيثُ نشأتْ جامعة القاهرة فرع الخرطوم قطعةً معمارية فريدة -وسط بيوت الطوب اللبن المتواضعة- ومِشكاة للتنوير والعلم، في وقتٍ لم يكن فيه بالسودان سوى جامعة الخرطوم، فسدّتا معًا فراغًا كبيرًا إلى أن انضم إليهما المعهد العلمي بعد تحوله إلى جامعة أم درمان الإسلامية 1965، ليكتمل مثلث التعليم العالي حينها.  

عندما كانت جامعة القاهرة فرع الخرطوم مجرد فكرة تترقرق في أذهان المسؤولين المصريين والسودانيين، لم يكن أحد يتصور أنّها سترى النور خلال سنوات قليلة، إلا أنّ الثورة المصرية في 23 يوليو/ تموز 1952 أخذت الأمر بجديّة، فقرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إطلاق الجامعة 1956، لتكون جسرًا علميًّا ومعرفيًّا وثقافيًّا تقوم عليه العلاقات السودانية المصرِّية، مُستفيدًا من مباني مدرسة الملك فاروق الأول الثانوية التي أُنشئت عام 1946 بضاحية المُقرن في الخرطوم.

سيرة باذخة

قبل ظهور الجامعة في شكلها الأخير، كانت مدرسة كبيرة تُسمَّى مدرسة الملك فاروق الثانوية، وكانت قِبلة للنابغين من الطلاب السودانيين والمصريين المقيمين بالسودان، وقد صُمّمت على طراز هندسي رفيع وبنية تحتية قوِّية لا تزال قائمة بعد مرور نحو 75 عامًا على إنشائها، وقد بذلت وزارة المعارف المصرِّية حينها تمويلاً مقدّرًا للمدرسة ورفدتها بأفذاذ المُدرسين والإداريين، الأمر الذي يسر مهمة تحويلها إلى جامعة مكوّنة من 4 كليات (الحقوق، الآداب، التجارة، العلوم) تخرج فيها آلاف الطلاب السودانيين، شغل كثيرون منهم مناصب رفيعة في الدولة وحظوا بمكانة مرموقة في المجتمع. 

لم تقتصر أنشطة جامعة القاهرة فرع الخرطوم على العلوم الأكاديمية فقط، بل تجاوزتها إلى الأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعلها تحت بصر الأجهزة الأمنيّة للحكومات المتعاقبة، العسكريّة منها على وجه الخصوص، وكان الرئيس السوداني الأسبق، وقائد أول انقلاب عسكري بعد الاستقلال، الفريق إبراهيم عبود (1958 – 1964) يراها  -وفق زعمه- “معقلاً للشيوعيين والمخربين من دعاة الديمقراطية”، فوضعها تحت رقابة نائب مُدير شُرطة السودان، آنذاك، وأشهر ضابط مباحث في تاريخ الشرطة السودانية الفريق أحمد عبد الله أبارو، الذي كانت ترتعد الفرائص وترتجف الأوصال لمجرد ذكر اسمه، فقد أذاق منسوبيها من الناشطين السياسيين، اليساريين منهم بصفة خاصة، فنونًا من الترهيب والتعذيب والاعتقال.

مدرسة الملك فاروق

ظلّت جامعة القاهرة فرع الخرطوم -مُنذ تأسيسها وحتى مُصادرة أملاكها وإحالة ملكيتها إلى حكومة السودان؛ وتغيير اسمها إلى جامعةِ النيلين بقرار سياسي صدر في عهد نظام البشير/ الترابي- الأكثر استيعابًا للطلاب من بين كل الجامعات السودانية، وأسهم خريجوها في إدارة الدولة وفي إضافة كوادر متميزة إلى الفضاء الثقافي والأكاديمي والسياسي.

علاقات أزلية

في الواقع، لم يبدأ المشروع التعليمي المصري المُتصِّل بالسودانِ كما يُؤرِّخ له كثيرون بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، ولا بالمدرسةِ التي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي، الذي حط بالخرطوم منفيًّا بأمر الخديوي عباس عام 1850، ولم تمض أعوام قليلة حتى افتتح أول مدرسة نظاميّة في البلاد 1855، إلا أنّها كانت مدرسة نخبويّة إلى حد كبير، فلم تكن الدراسة بها مُتاحة إلا لأبناء بعض النخب المصرية والسودانية والتركيِّة، ولا بالمدارس الخمس التي أطلقتها الحقبة التركية في عواصم المديريات السودانية عام 1863  لتكون النواة الأولى للتعليم النظامي، وإنما بدأ قبل ذلك بقرونٍ طويلة، إبّان الدولة السنَّاريِّة (السلطنة الزرقاء)، عندما اتجه الشيخ محمود العركي شمالاً عام 1534 قاصدًا الأزهر الشريف لتلقي التعليم على يد كبار علمائه، مثل الشيخين شمس الدين وناصر الدين اللقاني، ما أهّله لإنشاء 15 مدرسة دينية (خلوة) على امتداد النيل الأبيض، أسهمت في نشر التعليم ومحو الأُميِّة وشكّلت نواة صلبة للتعليم الديني الصوفي في السودان. 

أتوبيس مدرسة الملك فاروق بالخرطوم - أربعينات القرن الماضي

وقد شهدت العلاقات المصريّة السنَّاريِّة (السودانية)، اهتمامًا كبيرًا بالتعليم، وكانوا يوفدون الطُلاب ويستقبلون عُلماء الأزهر ويبجلونهم ويبذلون لهم العطايا وسُبل الراحة. لاحقًا وبعد سنوات طويلة تمكّن طالب سوداني أزهري يدعى محمد وداعة من الحصول على موافقة من حاكم مصر محمد علي باشا، لإنشاء رواق بالأزهر الشريف تحت اسم رواق السنارية عام 1846، الذي انبثق عنه رواقان آخران هما رواقا دارفور والبرابرة، والأخير كان موقوفًا على طلاب تشاد وما جاور بحيرتها، إلى أن تحول اسمه إلى رواق شمال السودان بناء على رغبة عبد الرحمن المهدي إمام الأنصار، ووافق عليها الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر مطلع ثلاثينات القرن العشرين.

انقلاب ومصادرة واستعادة

هكذا مضت مسيرة التعليم المصري في السودان، إلى أن وصلت قمتها وتبلورت بإطلاق جامعة القاهرة فرع الخرطوم عام 1956، فضلاً عن مدراس البعثة التعليمية المصرية الثانوية مثل الكلية القبطية ومدرسة جمال عبد الناصر وغيرهما، وقد لعبت البعثة التعليمية المصرية والجامعة دورًا مقدرًا وفعالاً في بناء النظام التعليمي بالسودان، وكانت الأمور تمضي بسهولة وسلاسة إلى أن أعلن الإخوان المسلمون عبر ضابطهم بالجيش، عمر البشير، انقلابهم على الحكومة الديمقراطية في يوليو/ تموز 1989، وسرعان ما تدهورت علاقات السودان الخارجية خاصة مع جيرانه، ولم تكن مصر استثناءً، فقد بلغ التدهور ذروته في تسعينات القرن الماضي، بُعَيد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حتى وصل إلى قطيعة كاملة، كانت إحدى نتائجها مصادرة جامعة القاهرة فرع الخرطوم 1993 وأيلولة كل مبانيها ومنشآتها إلى جامعة النيلين الحاليّة التي حلت مكانها.

افتتاح مدرسة الملك فاروق الأول بالخرطوم 1946

وبعد نجاح الثورة السودانية في إطاحة نظام البشير 11‏ إبريل‏/ نيسان 2019، بدأت العلاقات المصرية تعود تدريجيًّا لطبيعتها، وكان إحدى ثمارها الإعلان الذي صدر في أغسطس/ آب 2020 عن الشروع في الترتيبات اللازمة لعودة الجامعة مُجددًا إلى مصر بعد مصادرة استمرت نحو 27 عامًا، وهو أمر أعقبه ترحيب كبير من مدير جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، مُعلنًا عن تشكيل لجنة عُليا تحت إشرافه تُعنى بوضع الخطط اللازمة لتشغيل فرع الخرطوم، بالتعاون مع الجانب السوداني، الشقيق في المصير وجريان النيل.  

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram