سياسةمختارات

“سيف العدل”.. مرشح محتمل لقيادة “القاعدة”

 

نزيف قيادات متواصل يعيشه تنظيم القاعدة، خلال الفترة الماضية. ففي حين تداولت عدة منصات إخبارية مقربة منه نبأ مقتل عبد الله أحمد عبد الله، المُكنّى بأبي محمد المصري، في طهران، أعلنت أجهزة الأمن الأفغانية نبأ مقتل حسام عبد الرؤوف، المعروف بأبي محسن، الذي شغل عدة مناصب بارزة داخل التنظيم.

لم يكن مقتل “المصريين” سوى حلقة جديدة من عملية خلخلة البنية التنظيمية التي تعرض لها “القاعدة” في قيادته المركزية وأفرعه الخارجية، خاصة داخل سوريا واليمن، غير أن مقتلهما أعاد تسليط الضوء على خليفة أيمن الظواهري المحتمل في قيادة التنظيم.

المجموعة المصرية

على مدار السنوات الماضية، تحكمت مجموعة قيادات مصرية في مفاصل تنظيم القاعدة، أبرزها أيمن الظواهري، الزعيم الحالي، وسيف العدل محمد صلاح الدين زيدان، رئيس اللجنة العسكرية للقاعدة، وأبو محمد المصري، عضو مجلس شورى التنظيم، وأبو محسن المصري، المسؤول عن الجناح الدعائي وعضو مجلس الشورى أيضًا، ومع مقتل الأخيرين، لم يبق من مجموعة القيادات البارزة سوى أيمن الظواهري، الذي يقترب عمره من سبعين عامًا، وسيف العدل، الذي يُرجح أن يتولى إمارة التنظيم حال غاب الظواهري عنها.

أيمن الظواهري

ووفقًا لدراسة سابقة أجراها مركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية، فإن سيف العدل، محمد صلاح، يمثل الأمل الأخير لما يُعرف بحرس القاعدة القديم، أي مجموعة القيادات التاريخية للقاعدة، وعلى رأسها أيمن الظواهري وأعضاء مجلس الشورى.

قيادي بارز ومنظر إستراتيجي

يعد محمد صلاح الدين زيدان، سيف العدل، أحد القادة البارزين للقاعدة، وواحد من المجموعة القليلة التي بقيت على قيد الحياة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وتولى إمارة التنظيم خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت اغتيال أسامة بن لادن، أمير التنظيم السابق، وتولي أيمن الظواهري الإمارة خلفًا له، كما يشغل عضوية مجلس شورى التنظيم.

سيف العدل

أكثر ما يميز “صلاح” هو اختلافه في الرؤى والإستراتيجيات عن قيادة القاعدة التقليدية، فضلاً عن سماته الشخصية والكاريزما التي تؤهله لأن يغدو أميرًا للتنظيم حال غياب الظواهري.

ولد “سيف العدل” بمحافظة المنوفية في مصر، أوائل ستينات القرن الماضي، ورغم أنه لا توجد معلومات موثقة عن نشأته المبكرة، تشير الأقوال الرائجة إلى أنه نشأ في أسرة ليست لها علاقة كبيرة بالدين، والتحق بكلية التجارة جامعة المنوفية وتخرج فيها في وقت لاحق، ويبدو أنه بدأ اعتناق الأفكار الأصولية خلال تلك الفترة، لكن لا توجد معلومة مؤكدة عن كيفية تحوله إلى الفكر الجهادي أو انضمامه إلى جماعة الجهاد المصرية.

في منتصف الثمانينات، التحق بالقوات المسلحة المصرية، وخدم كضابط احتياط بوحدات القوات الخاصة، قبل أن يُعتقل في عام 1987 بتهمة محاولة اغتيال وزير الداخلية المصرية، اللواء حسن أبو باشا.

لم يُدَن “سيف العدل” في القضية، وأُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة وقتها، ليسافر إلى أفغانستان عام 1989 وينضم إلى أسامة بن لادن الذي أسس، حينها، ما سماه بـ”جماعة قاعدة الجهاد”، المعروفة إعلاميًّا بـ”تنظيم القاعدة”.

أسامة بن لادن

ومن الواضح أن تجربته مع جماعة الجهاد المصرية كانت ذات تأثير كبير على مستوى تكوينه الفكري والتنظيمي، فقد نُقِل عنه قوله إن تلك الجماعة فشلت بسبب الحماسة المفرطة والتسرع في تنفيذ العمليات، لذا صار يُفضل الدراسة الجيدة لكل خطوة، كما أنه أدرك أهمية وجود قائد وخبير مخضرم لنجاح العمليات، وأن هذا مما تفتقده الحركات والتنظيمات الإسلامية عمومًا.

وانعسكت طريقة تفكيره على أدائه داخل التنظيم، ومنهجية اتخاذه القرارت وإعطائه الأوامر والتكليفات الروتينية وغير الروتينية.

رحلة صعود في الهرم القيادي للقاعدة

ورغم أن “سيف العدل” لم يكن من مؤسسي “القاعدة” الأصليين، فقد كان له دور كبير في بناء التنظيم، خاصة من الناحية العسكرية، بسبب خبرته في المجال العسكري وتفكيره الإستراتيجي.

وفي سنواته الأولى بعد الانضمام إلى القاعدة، عمل كمدرب ومعلم في مخيمات تدريب أعضاء القاعدة في أفغانستان على عمليات الخطف والاغتيال في سلسلة من التدريبات المكثفة، كما كان له دور في تعزيز جهاز استخبارات التنظيم.

وفي منتصف التسعينات أصبح “سيف العدل” قائد اللجنة الأمنية في التنظيم وكان مسؤولاً عن حماية بن لادن وذراعه اليمنى، محمد عاطف، أبو حفص المصري، كما تشير مصادر أمريكية. كما كان صاحب الفضل في تأسيس بنية ووجود للقاعدة في إفريقيا، خاصة في الصومال، بسبب نجاحه في تأسيس علاقة جيدة مع قبيلة “أوجدان” المتحالفة، حينئذ، مع القائد العسكري الصومالي فرح أديد، ما سمح للقاعدة بالعمل على تخطيط هجمات إرهابية عدة.

أبومحمد المصري بجوار حمزة بن لادن

وبحسب خطاب مرسل من صهر “سيف العدل” إليه، ضبطته القوات الأمريكية في وقت لاحق، فإن القيادي بالقاعدة خطط لتنفيذ هجمات إرهابية ضد المصالح الأمريكية في إفريقيا انطلاقًا من الصومال.

ومع حرصه على توسيع إطار التنظيم وتأسيس عدد من الشبكات الفاعلة، أقنع القيادي المصري زعيم تنظيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، بتوثيق صلته بجماعة التوحيد والجهاد، التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي الأردني، الذي التقي “سيف العدل” عام 1999 بعد وصوله إلى أفغانستان.

ورغم رفض الزرقاوي، خلال وجوده في أفغانستان، أن يبايع “القاعدة”، فإن “سيف العدل” استطاع إقناع بن لادن أن يعطيه الأموال ليؤسس معسكرًا جهاديًّا في هيرات، على الحدود بين إيران وأفغانستان، وهذه المعسكرات الحدودية ظهرت فائدتها لاحقًا عندما استطاع “سيف العدل” تهريب عدد من النشطاء من أفغانستان إلى إيران بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، بعدما أصبح الهروب عن طريق التهريب عبر باكستان محفوفًا المخاطر.

وتدلل المعلومات السابقة على أن “سيف العدل” لديه بعد نظر، ويحاول دائمًا إيجاد وسائل للتكيف والاستمرار في العمل.

تدريبات عسكرية لتنظيم القاعدة

الأمل الأخير

يعتبر “سيف العدل” أمل القاعدة الأخير لقيادة التنظيم، بعد مقتل العديد من القيادات والرموز البارزة، كأبو بصير ناصر الوحيشي اليمني، 2015، وأبوالخير المصري، 2017، وحمزة بن لادن، 2019، وأبو محسن المصري وأبو محمد المصري، 2020، إضافةً إلى الشائعات المتداولة بشأن مرض الظواهري.

وإن نظرنا إلى أبعد من فكرة كونه مرشحًا محتملاً لخلافة الظواهري، سنجد أن “سيف العدل” يتمتع بمهارات تنظيمية وقيادية عديدة، فضلاً عن خلفيته العسكرية التي اكتسبها من خدمته بقوات الاحتياط بالجيش المصري، كما أنه يمتلك تفكيرًا إستراتيجيًّا ويحظى بقدر كبير من التأني والتريث في اختيار الأهداف والقرارات، حتى إنه رفض فكرة تنفيذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول لاعتقاده أنها ستؤدي إلى الدخول في حرب متعجلة مع الولايات المتحدة الأمريكية تكون محصلتها دمار “القاعدة” وفقدانه للفاعلية التنظيمية، وهو ما تم بالفعل لاحقًا، بعد رفض بن لادن الاستجابة لطلب معارضي تنفيذ الهجوم داخل التنظيم.

أبو بصير ناصر الوحيشي

تفكير “سيف العدل” قائم على وضع خطط إستراتيجية يستطيع فيها جمع واستثمار كل موارد التنظيم والعمل على تطويرها، بالإضافة إلى إرساء أسس بنية تحتية للتنظيم تقيه التفرّق في أوقات الشدة والضعف، على حد سواء، كما أن “سيف العدل” لديه إسهامات عديدة في جانب التنظير الإستراتيجي لفكر القاعدة الحركي، وفي هذا الإطار قدم العديد من الدراسات بالتزامن مع ما عُرف بموجة ثورات “الربيع العربي” في 2011، وتكشف إسهاماته المذكورة عن امتلاكه رؤية سياسية براجماتية تتفق مع الطرح الجديد الذي يتبناه القاعدة في الفترة الراهنة.

وعلى نفس الجانب، يمكن بسهولة إدراك أن القاعدة تعرض لانتكاسات عديدة وتراجع واضح خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع صعود تنظيم داعش كفاعل أساسي في قيادة الجهاد العالمي، ما يشكل تهديدًا وجوديًّا للقاعدة الذي يستمد رمزيته من فكرة قيادته للحركة الجهادية العابرة للحدود.

أبو محسن المصري

في النهاية، يمكن القول إن “سيف العدل” أو محمد صلاح الدين زيدان، مرشح وبقوة لخلافة أيمن الظواهري في قيادة تنظيم القاعدة. فهناك تيار داخلي يراهن على توليه القيادة لإحداث سلسلة تغيرات بنيوية وتنظيمية داخلية، ليستعيد التنظيم فاعليته التي تناقصت على نحو كبير خلال الفترة الأخيرة.

 

سارة رياض

باحثة مصرية مساعدة

رقية ممدوح

باحثة مصرية مساعدة

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى