سيكولوجية الجمال.. القلب يعشق كل جميل

 الجمال كلمة تعبر عن قوة غامضة تظهر عندما تبصر عيوننا شيئا ما يثير فينا انفعالات وأحاسيس تخلق داخلنا بدورها حالة من النشوة والارتياح، والجمال مفهوم نسبي يختلف تقديره من شخص إلى آخر، فيعمد كل أحد إلى تعريف الجمال بطريقته الخاصة.

ليس هناك معايير صارمة تحدد بدقة ما هو الشيء الجميل، فما كان يُعتبر في الأزمنة السابقة جميلا ربما بات اليوم قبيحا، والعكس صحيح، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يتأثر الجمال بحسب قناعات وتنشئة الناظر؟ بمعنى آخر هل تحديد مفهوم الجمال نتاج موروثات اجتماعية معيّنة؟

سيكولوجية الجمال

الإحساس بالجمال قديم قدم الوجود البشري، ويتضح ذلك من خلال الرسومات والزخارف التي تزخر بها الكهوف والآثار العمرانية للحضارات القديمة، وقد اهتم الفلاسفة، على مر العصور، بعالم الجمال، بحيث بحث أفلاطون في فكرة الجمال وفي كيفية تمثلها في الموجودات المحسوسة والأعمال الفنية، كما بحث أرسطو في عالم الفن، وانتهي إلى القول بأن الفنون الجميلة هي نوع من المحاكاة ليس مطلوبا منها النقل الحرفي لما هو في الطبيعة بل محاكاة ما ينبغي أن يكون.

وبرز في علم النفس مصطلح “سيكولوجية الجمال” الذي يهتم بالدرجة الأولى بدراسة الجمال دراسة تجريبية وتحديد المبادئ التي يبنى عليها التعبير الجمالي، فالإنسان بطبيعته يسعى لاكتشاف الجمال، وهنا يأتي دور علماء النفس لتحليل اللذة المصاحبة للإحساس بما هو جميل وتحليل القيمة والتقديرات الذوقية.

وفيما يخص مثلا التفضيل لبعض الصفات الجسدية، على غرار الطول  والعضلات المفتولة، تشير عدد من الدراسات إلى أن تفضيلاتنا قد تكون مشفرة في جيناتنا، حيث أكدت دراسة حديثة إلى أن تجاربنا الفردية في الحياة هي التي تدفعنا لاعتبار وجه ما أنه أكثر جاذبية من غيره.

وبهدف إنهاء النقاش المرتبط بدور التربية والبيولوجية في تحديد معايير الجمال، عرض باحثون على547 زوجا من التوائم المتطابقة و214 زوجا من التوائم من نفس الجنس، 200 وجه وتقييمها من 1 إلى 7، على أن يكون 1 الأقل جاذبية و7 الأكثر جاذبية، وبعدها خضعت مجموعة مؤلفة من 660 شخصا من غير التوائم لنفس الاختبار.

فإذا كانت الجينات هي الأكثر تأثيرا في تفضيل ملامح وجه معينة، سيكون للتوائم المتماثلة نفس التقديرات والتقييمات، أما إذا كان هناك من تأثير من البيئة الأسرية فعندها سيختار التوائم نفس الجواب، وخلصت النتيجة إلى أن معظم أجوبة التوائم كانت مختلفة تماما عن بعضها البعض، مما يشير إلى وجود عوامل أخرى في هذه المعادلة، حيث يرجح الباحثون أن تكون خبرات وتجارب الفرد هي الموجهة لآرائه حول الجاذبية.

وفي حال أردنا فهم الجمال من الناحية الفيزيولوجية، سنجد أن رؤية وجه جميل تشعرنا بالإثارة، بعد أن يبعث الوجه برسالة كهربائية إلى الدماغ الذي بدوره يصنف الوجه جميلا، أما من الناحية السلوكية، فيشير غولدشتاين إلى أننا لا ندرك الوجه ككل بل نتعرف على أجزاء منه كدلالة على الجمال ( عيون جميلة، أنف جميل، شفاه جميلة…) وبالتالي نصنف الوجه بأكمله على أنه جميل، دون أن نتوقف عند أجزائه.

 

لكن ما هو السبب الذي يجعل الدماغ يعمل بهذه الطريقة؟

يمكن تفسير ذلك من خلال المعالجة من أعلى إلى أسفل، كما يقول غولدشتاين، شارحا ذلك: “المعالجة تبدأ من معرفة الشخص أو توقعاته السابقة، فإذا كان لديه تصور معين عن الجمال، فإن الدماغ سيقوم بتمييز الجمال كلما قابله بحسب هذا التصور”، بمعنى آخر إننا قادرون على تحديد الجمال لأننا نتعلم ذلك في بيئتنا.

من خلال ما ذكرناه، يتضح أن الجمال هو مزيج من العمليات الداخلية والخارجية تؤثر على إدراكنا له، حيث نعتمد على عملياتنا الفيزيولوجية لتلقي المحفزات وإرسالها إلى عقولنا لتقييم ما نشاهده، وذلك عبر تحيزات متأصلة في أدمغتنا. لنفترض مثلا أنه في مجتمعنا يعتبر النمش صفة بعيدة عن الجمال، فعندما نرى شخصا لديه نمش، فإن المخ لا يتعرّف على هذا الوجه كمثال على الجمال، ويساعد هذا المثال البسيط على فهم وتوضيح كيف أن الجمال ليس فكرة عامة، بل يعتمد على إدراك الفرد.

معادلة الجمال والنجاح

الجمال مرتبط بمدى إدراكنا للعالم الخارجي من حولنا وكيفية دمج احتياجاتنا وإظهار رغباتنا فيما نراه، لكن هذا لا يمنع أن تتبدل تفضيلاتنا مع مرور الوقت، وفي العديد من الثقافات يرتبط الجمال، وبخاصة جمال الوجه، بالنجاح، بحسب ما يؤكد الخبير الاقتصادي ومؤلف كتاب Beauty Pays  دانييل هاميرش.

فبعد جمع البيانات اللازمة، اتضح لهاميرش أن الشركات التي تحرص على توظيف أشخاص جذابين ويتمتعون بنسبة عالية من الجمال تحقق في المتوسط عائدات أعلى من الشركات الأخرى.

وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، كشف دانييل أنه، وبغض النظر عن المواقف المعلنة، “فإننا كزبائن نفضل الشراء من مندوبي مبيعات يتمتعون بمظهر جيد، وكأعضاء في هيئة المحلفين نفضل الاستماع إلى محامين يتمتعون بمظهر جميل وبصفتنا ناخبين نحب أن يقودنا ساسة يتمتعون بالجمال وكطلاب نحب أن نتعلم على يد أساتذة يتمتعون بمظهر جميل”.

والشائع أن النساء الجميلات ينلن نصيبا أكبر من الامتيازات، بحيث تحصل المرأة الجميلة على المزيد من الفرص والكثير من الاستثناءات، مع ذلك يمكن أن يصبح جمال المرأة في بعض الأحيان عقبة، فقد تلاحق صاحبته الكثير من الصور النمطية والموروثات الاجتماعية والأفكار التقليدية التي تعتبر أن نجاح المرأة يعود لمظهرها وليس إلى قدراتها وإمكاناتها.

هنا يتضح أن الجمال يحمل في طياته آثارا إيجابية وسلبية، فالمرأة الجميلة قد تكون لديها امتيازات خاصة، كما إنها قد تخوض معارك شرسة من أجل إثبات نفسها بعيدا عن مظهرها الجميل، هذا هو حال سولافا، البالغة من العمر 28 عاما، والتي دفعت إلى حدّ ما ضريبة جمالها.

توظفت سولافا مهندسة معمارية، في إحدى الشركات اللبنانية، إلا أنه لم يكن يُسمح لها بالنزول إلى “الورشة”، على اعتبار أن شكلها الجميل سوف يعرضها للكثير من الانتقادات.

تقول سولافا لنا: “سمعت انتقادات كثيرة خلال عملي وفُرض علي أن أبقى في المكتب، ولو لم أتخذ قراري بمغادرة العمل، لكان هذا الأمر أثر سلبا على تطور مسيرتي المهنية”.

وتضيف: انتقلت إلى عمل جديد لكن المحاذير لم تختف.

الجمال والصور النمطية

بدورها اعتبرت الناشطة النسوية اللبنانية ساندرين إفرام أن الصور النمطية والأفكار السلبية التي تلاحق المرأة الجميلة هي نتيجة الصناعة الإعلانية وتحديدا وكالات الإعلان، عبر عملية “ترويج صورة نمطية للمرأة في الأفلام والبرامج التلفزيونية”.

وبحسب إفرام فإنه نتيجة لتروّيج معايير جمالية معيّنة مثل أنف صغير وشعر أشقر وعيون ملوّنة وشفاه كبيرة ومنتفخة، أصبحت النساء يشبهن بعضهنّ البعض، فلم يعد هناك جمالا خاصا بمنطقتنا العربية.

من هنا شددت الناشطة النسوية على أنه وبهدف كسر تلك الصور النمطية المتعلقة بالجمال، فإنه “يتعيّن علينا كمجتمع أن نتجاهل المعايير الغربية”.

وفيما يتعلق بإحساس المرأة بجمالها فقد يصل الاهتمام إلى حدّ الهوس بعمليات التجميل، حيث يخضع بعضهن لمشرط الطبيب على أمل الحصول على نسخة طبق الأصل عن نجماتهنّ، لكن النتائج تكون غالبا غير مرضية، وذلك وفق ما قاله أخصائي علم النفس محمد جمال إسماعيل، معتبرا أن المرأة، ومنذ ولادتها، تتربى على أهمية الجمال، بحيث تخضع مقاربة الجمال بشكل خاص لتأثير ما تصوره الأفلام عن معاييره.

ويرى إسماعيل أننا نجد في المقابل بعض الرجال الذين ينحدرون من بيئات تقليدية، لديهم صورة نمطية عن المرأة الجميلة على أنها متكبرة وغير واقعية كما يذهب البعض إلى أن يقرن المرأة الجميلة بالغباء، بالإضافة إلى تهميشها والتقليل من دورها، انطلاقا من مقولة: “كوني جميلة واصمتي”.. ومن المهم النظر إلى الشخص، أيا يكن جنسه وشكله، بطريقة مجرّدة خالية من الأحكام المسبقة حتى نتمكن من تجاوز السطح إلى العمق.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

مونتاج

طه حسين

قصــة

نور نعمة

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search