سياسة

سيمتد هذا الحصار.. حرب أمريكا الأبدية: لا بيع لا شراء إلا بإذني

"لقد حان الوقت لإنهاء الحروب إلى الأبد".. هكذا تعهد جو بايدن،

“لقد حان الوقت لإنهاء الحروب إلى الأبد”.. هكذا تعهد جو بايدن، العام الماضي قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة، إنه محق بلا شك، ولكن مفهومه عن الحرب ضيق للغاية.

على مدى عقود خلت، أضافت الولايات المتحدة إلى ضرباتها الصاروخية وغارات العمليات الخاصة أداة خفية للتركيع والموت.. تحاصر أمريكا الأعداء الأضعف، وتخنق تجارتهم مع العالم الخارجي، وهذه الاستراتيجية هي المعادل الحديث لتطويق مدينة ومحاولة تجويعها حتى تخضع.. يسمّي المطلعون في الإدارة هذا السلاح بـ”العقوبات الثانوية”، ولكن المصطلح الأكثر دقة هو “الحصار”.

نفذت أمريكا أول حصار لها بعد الحرب الباردة في عام 1990، بعد غزو صدام حسين للكويت. وعلى مدى 13 عاما تالية، كان العراق – الذي كان يستورد قبل الحرب ما يقرب من 70% من طعامه وأدويته – بحاجة إلى موافقة الأمم المتحدة من أجل استيراد أي شيء بشكل قانوني.

وبحجة أن كل شيء قد يكون له استخدام عسكري، من صهاريج المياه إلى معدات طب الأسنان إلى المضادات الحيوية، استخدمت واشنطن نفوذها في الأمم المتحدة لتقييد ما يمكن أن يشتريه العراق بشكل جذري.

بايدن

في كتابها “الحرب الخفية”، لاحظت الأستاذة جوي جوردون، من جامعة لويولا، أنه بين عامي 1996 و2003، كان نصيب الفرد من البضائع المستوردة بشكل قانوني في العراق يبلغ 204 دولارات فقط في السنة، وهو ما يعادل نصف دخل الفرد في هاييتي. وبعد استقالته احتجاجا على العقوبات في عام 1998، أطلق منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق، دينيس هاليداي، تحذيره قائلا: “نحن في طريقنا إلى تدمير مجتمع بأكمله”.

وعندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، أنهت الأمم المتحدة حصارها، ومنذ ذلك الحين، زعمت واشنطن في كثير من الأحيان أنها تطبق عقوبات “مستهدفة”، من شأنها أن تقيد مبيعات الأسلحة أو تعاقب مسؤولين بعينهم أو شركات معينة فقط، وليس شعوبا بأكملها.

وفي بعض الحالات، تكون العقوبات مستهدفة بالفعل، ولكن في حالة بعض الأعداء المحددين -إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا – نفذت الولايات المتحدة أو شدّدت نوعية الحصار الذي يسهم في إحداث نفس النوع من المأساة التي شهدناها في العراق.

تتنوع المبررات التي تعلنها واشنطن لفرض هذه الحصارات: انتشار الأسلحة النووية، الإرهاب، انتهاكات حقوق الإنسان، ومع ذلك، فإن الاستراتيجية المستخدمة واحدة: “العقوبات الثانوية”.

لا تقوم الولايات المتحدة بإدراج الأفراد أو الشركات أو المؤسسات الحكومية في القائمة السوداء فحسب، بل لا تدرج حتى قطاعات كاملة من اقتصاد الدولة العدو، وهو ما  يمكن أن يكون مدمرا بدرجة كافية، ولكنها تطلب أيضا من البنوك والشركات الأجنبية القيام بذلك، وإلا سيتم منعهم من التعامل مع الولايات المتحدة.

صدام حسين

ويمكن أن يترتب على انتهاك العقوبات الأمريكية الثانوية عقوبات قاسية بشكل مذهل. فبعد اتهام البنك الفرنسي BNP Paribas بخرق قوانين العقوبات الأمريكية، أُجبر مدعو العموم البنك في عام 2014 على دفع ما يقرب من 9 مليارات دولار كغرامات.

نظريا، تتضمن هذه العقوبات – مثل الحظر الذي فُرض على العراق في التسعينيات – استثناءات للسلع الإنسانية، ولكن من الناحية العملية، كما أوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش بالتفصيل، فإن الاستثناءات غالبا ما تكون غامضة ومرهقة.

ومن أجل تجنب مخالفة القانون الأمريكي، تتوقف الكثير من البنوك والشركات الأجنبية عن التعامل مع الدول المحاصرة تماما.

في عام 2018، ذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن أحد أكبر المستشفيات العامة في سوريا كانت تعاني من أجل شراء قطع غيار لأجهزة الأشعة بالرنين المغناطيسي وأجهزة التصوير المقطعي لأن، كما ذكر تقرير للأمم المتحدة، “الشركات الخاصة غير مستعدة لتخطي العقبات اللازمة لتضمن قدرتها على ذلك.

إذ إن التعامل مع سوريا يعرضها للاتهام بانتهاك العقوبات الأمريكية وغيرها عن غير قصد”. وفي الربيع الماضي، أثناء خروج موجة فيروس كورونا عن السيطرة في إيران، حذر السيناتور كريس ميرفي من ولاية كونيتيكت من أن العقوبات “تجعل من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، وصول الإمدادات الطبية اللازمة” إلى ذلك البلد أيضا.

من حرب الخليج

وفي عام 2019، اشتكت جمعية خيرية مقرها كاليفورنيا من عدم قدرتها على إرسال الكراسي المتحركة أو العكازات أو العصي الطبية إلى كوريا الشمالية.

ومرة أخرى، أدانت مجموعات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية والمنظمات الإنسانية، مثل اليونيسف، حالات الحصار الأمريكية.

وفي عام 2019، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا بأغلبية 187 صوتا مقابل 3 أصوات، ومع ذلك، فإن هذه الحصارات في واشنطن لا تشكل مصدر خجل بقدر ما هي سبب للتهنئة الذاتية لأنها تشير إلى معارضة أمريكا للحكومات القمعية.

مشكلة هذا المنطق الأخلاقي هي أن حصار نظام قمعي عادةً ما يضر المظلوم وليس الظالم، في دراسة أجريت عام 2019، وجد الاقتصاديان أنتونيس آدم وصوفيا تسارسيتاليدو أنه عندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات على حكومة استبدادية ما، فإن الحريات المدنية تزداد سوءا في ذلك البلد.

وفي مقال نُشر عام 2020 في مجلة دراسات التنمية، خلُص إلى أن عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة تؤدي إلى انخفاض متوسط ​​العمر المتوقع، وكما أوضح عالما السياسة دورسن بيكسون وكوبر دروري، فإن الديكتاتوريين يستجيبون للحظر من خلال مراكمة الموارد الشحيحة، واستخدامها لمكافأة مواليهم وتجويع خصومهم، وبالتالي تعزيز سلطتهم.

وفي عام 2019، صرحت امرأة فنزويلية لم يتمكن طفلها من إيجاد علاج الصرع لإذاعة صوت ألمانيا دويتشه فيله قائلة: “يعتقدون أنهم يؤذون الرئيس مادورو، ولكنهم حقا يؤذون الناس”.

قد يكون الحصار الأمريكي أكثر قابلية للدفاع عنه – أو أقصر مدة على الأقل- إذا كان لديه فرصة معقولة للنجاح.

لقد أضرت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران أثناء رئاسة باراك أوباما الإيرانيين العاديين، ولكنها كانت تستهدف إقناع الحكومة الإيرانية بالتنازل عن برنامجها النووي، وليس الاستسلام تماما، أو التخلي عن السلطة، ويمكن القول بأن هذه العقوبات ساعدت على تحقيق هذا الهدف المتواضع نسبيا.

على النقيض من ذلك، لا يرتبط أي حصار من الحصارات الأمريكية الحالية بأهداف واقعية. فعلى الرغم من الجهود الأمريكية للإطاحة بهما، فإن السيد مادورو والرئيس السوري بشار الأسد يهيمنان بقوة اليوم أكثر مما كانت عليه الحال عندما فرضت الولايات المتحدة أشد عقوباتها عليهما. وبعد أكثر من عقد من العقوبات المتصاعدة التي تهدف إلى الضغط على كوريا الشمالية للتخلي عن أسلحتها النووية، تمتلك تلك الدولة ما يصل إلى 60 قنبلة نووية اليوم.

وتقترب إيران اليوم من إنتاج القنبلة أكثر مما كان عليه الوضع عندما بدأت حملة “الضغط الأقصى” لإدارة ترامب، كما تمتلك إيران نفوذا الآن في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

الحصار الأمريكي على كوبا

على الرغم من ذلك، فإن حروب أمريكا الأبدية هذه لا زالت تحظى بدعم كبير من الحزبين، ويبدو هذا صحيحا بشكل خاص في الكونجرس، حيث يرى السياسيون الذين فقدوا شهيتهم لنشر القوات العسكرية في الخارج استراتيجية خالية من التكلفة على ما يبدو للإشارة إلى معارضتهم للحكومات القمعية والعدائية، ولا يبالون بما إذا كانت التكاليف الحقيقية يتحملها الأشخاص الذين يزعمون أنهم يدعمونهم.

ويُحسب لإدارة بايدن أنها تُراجع ما إذا كانت العقوبات “تعرقل بشكل غير ملائم الاستجابة لوباء كوفيد -19″، ولكن المعاناة التي سببها الحصار الأمريكي لم تبدأ مع الفيروس، ولن تنتهي عندما يرحل.

يريد السيد بايدن إعادة الاتفاق النووي الإيراني مرة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى رفع العقوبات النووية عن طهران، ومع ذلك، وعد وزير الخارجية أنطوني بلينكين بأن العديد من العقوبات الأمريكية غير المرتبطة بالبرنامج النووي ستبقى.

وقد وصف قانون 2019 الذي يهدد الشركات الأجنبية التي تعمل في سوريا بعقوبات ثانوية بأنه “أداة مهمة للغاية”، واقترح أن تطبق الولايات المتحدة عقوبات “أكثر فعالية” على فنزويلا، لكنه أشار إلى أن حصار أمريكا لكوريا الشمالية -والذي أجبر العديد من المؤسسات الخيرية الدولية على مغادرة البلاد- ليس صارما بما يكفي.

والسؤال الآن هو: لماذا يصعُب التراجع عن السياسات التي ثبت أنها غير فعالة وغير أخلاقية؟ لأن التخلي عنها يتطلب الاعتراف بالحقائق الصعبة: لن تتخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية، وسوف تبقى إيران قوة إقليمية، والسيد بشار الأسد والسيد مادورو والحكومة الشيوعية في هافانا لن يرحلوا إلى أي مكان.. يفضل قادة أمريكا معاقبة الشعوب التي تعرضت للوحشية بالفعل بدلاً من الاعتراف بحدود القوة الأمريكية.

وبينما هم يخدعون أنفسهم بشأن مدى قوة أمريكا، فإنهم يستنزفونها في الوقت ذاته.. إن أحد المصادر الرئيسية لقوة أمريكا هو: الدولار، وهو العملة الاحتياطية لمعظم دول العالم، ولأن الكثير من البنوك والشركات الأجنبية تخضع معاملاتها الدولية للدولار، فإن العقوبات الأمريكية الثانوية تخيفهم كثيرا، ولكن كلما استخدمت واشنطن الدولار للضغط أكثر على غير الأمريكيين للمشاركة في الحصارات التي تفرضها، زاد حافز تلك الدول لإيجاد بديل للدولار. البحث عن بديل للدولار يتسارع بالفعل، وكلما قل طلب غير الأمريكيين على الدولار، وجد الأمريكيون صعوبة في الاستمرار في العيش بما يتجاوز مواردهم.

من وجهة نظر مثالية، ستتوقف أمريكا عن محاصرة الدول الأضعف لأنها تضر بها، ولكن لسوء الحظ، من غير المرجح أن نتوقف عن الحصار حتى يؤذينا.

المصدر:

الكاتب:  Peter Beinart

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى