ثقافة وفن

سينما إيليا سليمان.. سيرة مطعمة بالخيبة والحميمية

أفلام إيليا سليمان هي تمثيلات شخصية له ومحاولة للهروب من تاريخه الشخصي في آن.

في مقدمة فيلم “سجل اختفاء- 1996” يبتدئ الفيلم بعرض تقديمي، يمكن أن نسميه عنوان رئيسي للمشهد، تجلس سيدة كبيرة، هي إحدى أقارب إيليا سليمان في الحقيقة، تثرثر حول أشياء شخصية، جيران وأحداث يومية، ومن ثمّ تعرض الشاشة عنواناً آخر، ليوم آخر، به أحداث أخرى، لا تشتبك على أي مستوى سردي، من حيث المتابعة، مع المشهد السابق أو التابع لها.

حداثة بأدوات أولية

بوستر فيلم سجل اختفاء
بوستر فيلم سجل اختفاء

صنع إيليا سليمان سينماه بأدوات كلاسيكية على المستوى التقني، ومن ناحية أخرى، من ناحية “التأسيس الأدائي للفيلم” اعتمد في فيلمه الطويل الأول “سجل اختفاء” على الأداة المركزية في سينما الواقعية الإيطالية الجديدة.

الحقيقة أنه لكي نصنع فيلماً واقعياً، يجب أن نقتل مفهوم “النجم” أولاً، الحكاية لها أصالتها الفنّية، مستمدة من واقعيتها، التي هي بصورة ممتدة تنتمي إلى أشخاصها، لا ينكسر الحاجز السينمائي هنا فقط، بل تنكسر نظم الصناعة نفسها.

السينما منذ الستينات في أمريكا وهي منبع النجومية ومنبت البطل المطلق، المتكامل الذي يأخذ معه طبائع شخصيته السينمائية إلى المهرجانات واللقاءات التليفزيونية، والبيت أحياناً، لذا كان صناعة فيلم بالأهل والأقارب والأصدقاء وفي مدينة محتلة في التسعينيات الراكدة عملاً استثنائياً.

تمت الإشادة بالفيلم في مهرجان فينيسا عام 1996، وعُرض في الولايات المتحدة الأمريكية، كأول فيلم فلسطيني يعرض لفترة ليست قصيرة في عدة ولايات أمريكية.

كلاسيكية في الأدوات وحداثة في العرض، هكذا يمكن أن نقدم أول أفلام سليمان، العائد وقتها من مدينة نيويورك، بعد مكوث طويل في هوامشها، بعيداً عن المركز، قريباً من المقاهي الصغيرة والشوارع الجانبية.

سليمان، ابن بار للناصرة، يُقدّر الكسل، ويعتمد عليه كأداة شحذ أساسية في العملية الإبداعية.

الفيلم أشبه بيوميات درامية لمدينة يسكنها الرماد والضباب وووضوح الاحتلال، تنشغل المشاهد المعنية بوجود الاحتلال في شوارع فلسطين بمدى عبثية وسخرية الفكرة نفسها، فكرة إقامة دولة لأبناء ديانة على أنقاض شعب، بعين ساذجة وحالمة بكونية الأفكار الأولية عن العدل والحريات والحقوق العامة.

تعتبر حالة التشظي السردي، أو بمعنى آخر “السرد المشهدي” أساس البنية الحكائية عند سليمان، أساس امتدّ في بقية أفلامه “يد إليهة” و “الزمن الباقي” و”إن شئت كما في السماء”.

يستعيد سليمان فكرة المنظّرالسينمائي والمخرج السوفييتي سيرجي أيزنشتاين عن نقده للسينما كعدة مشاهد أحادية، تجمعها وحدة تقنية “المونتاج”.

يستعيد التدفق المشهدي في أفلام إيليا سليمان، كلاسيكية نظرة أيزنشتاين للفيلم كمنتج مركب، وحدته الأساسية هي “المشهد”، يتكون المشهد من عدة لقطات تكوّن مجموعة من التكوينات الشعورية المضمرة، وبالتالي تنتج جمالية الفيلم من تعاطي المشاهد مع هذه الحالة.

كمثال، أنت عزيزي القاريء تشاهد فيلماً، تشتبك معه شعورياً من خلال مشهد بعينه، يمكن نزعه من السياق السردي، تتأثر دون أن تفسّر تفصيلات هذا التأثير، أو تدلل عليه منطقياً، هنا يمكن أن نقول أنك فعلاً بدأت مشاهدة الفيلم.

كعودٌ أبدي، يستعيد إيليا سليمان البنية الأولى للفيلم، ومن خلالها ينطلق ليكوّن حكاية، كل مشهد في كل أفلامه حكاية بصرية لها خصوصيتها، حكاية عصية على المَنْطَقة، حالمة أحياناً، ساخرة من الحلم في أحيان أخرى، مُفاجئِة من فرط المباشرة ذات مرة، عبثية وساخرة ومجردة في مرة أخرى.

فعل الموازاة بين القديم المنسي، والحديث غير المألوف، ومحاولة تجميع وتوفيق هذه الأدوات معاً، هو واحد من الأسس التي عززت فردية مخرجين آخرين، مثل روي أندرسون في ثلاثيته الساخرة من الإنسانية: كاميرا ثابتة لا تتحرك، تأثيرات بصرية في اللون وطبيعة العدسات، وسرد مشهدي منفصل على مستوى الخاص ومتصل بالوحدة العامة لفكرة الفيلم.

الأمر نفسه مع جودار في السينما الفرنسية، الذي بدأ من التجريب وتجريد الفيلم من سياقاته التقنية في الستينيات ولم ينتهِ من محاولاته حتى الآن، هذه الأسماء العمدة في سينما الحداثة وما بعدها، أصبح هناك من يضخم ويقدس صورتها، حتى وإن كانت هي بالأساس تنطلق من شك وتطاول مستحق على السردية الكبرى والأكواد السردية المتماسكة.

بالنسبة لإيليا سليمان، تمتد معطيات سخريته الدائمة حتى من نفسه، وتسحب من جدية النظر إلى كيفية تكوينته الخلّاقة لمادة الفيلم، لذا من الضروري تناول سليمان باعتباره مخرج يؤسس للغة فيلمية مركبة.

تعود ممارسة إيليا سليمان لتركيبات لغته الخاصة في السينما، بهدوء وبطء وبمحاولات تنتمي بصدق إلى الهامش، إلى أنه عادةً يتعامل مع السينما ببساطة، أو ربما بسذاجة أصيلة، يتعامل مع نفسه بالأساس كمبدع بتعبيرات أولية، لا تحتمل التتبع أو محاولة تأويلها أو إحالتها إلى “تفصيص” نموذجه الشخصي كمبدع.

إيليا سليمان في مهرجان كان 2019
إيليا سليمان في مهرجان كان 2019

أثناء تكوين المادة البحثية للمقال، لاحظت تطابق ردود إيليا سليمان في معظم حواراته سواء مع محاورين ناطقين بالعربية أو آخرين بالإنجليزية أو الفرنسية، وقتما يأتي الحديث عن شخصه، يسارع بالقول أنه شخص كسول، ولا يربط أبداً كسله بأنه مادة محفّزة للإبداع، بل ينتهي عند محبته للكسل بأنه محبة لذاته.

إيليا سليمان يحب الجلوس لفترة طويلة، لا يفعل شيئاً، ويحلم بأشياء يعرف أنها لن تتحقق، يحب كذلك المقاهي الصغيرة، كتابة الملاحظات من وقت لآخر، حتى يمتلء حائط بيته بملصقات ورقية مدون عليها أفكار متفرقة، هنا، بكل هذه البساطة، يبدأ التفكير في صناعة فيلم.

سيرة الذات وخيباتها

تندرج الأفلام الثلاثة الطويلة الأولى لإيليا سليمان، تحت مسمى سينما السيرة الذاتية، أو سينما “المؤلف”. يُهدي سليمان فيلمي “يد إلهية” و “الزمن الباقي” لوالديه، مرة باعتبارهما وطناً بديلاً، وأخرى لذاتهما ليس أكثر.

بدأ صاحب الجنّة المفقودة ثلاثيته بعرض مشهدي للناصرة، ثم تبعه بمرْكزة والديه جزئياً في الفيلمين الآخرين، ضمن سياق لا يمنع تحقيق لغته الفيلمية الخاصة.

يلعب إيليا سليمان دائماً لعبة كر وفر مع المحتوى الذي يقدمه، ليبتعد به عن قولبته المعتادة في السينما. “الأبوة” و”الأمومة” كأسس حكائية في السينما، العربية خاصة، تتخذ أهميتها من تطعيم وجود الوالدين كمراكز قوى دائماً، تستمد أحقيتها في المركزية من الوصاية الدينية، وامتداد السلطة المجتمعية، للأم كأساس عاطفي ينطلق الابن منه دائماً، وللأب كأساس للسلطة الذكورية.

يبتعد إيليا سليمان عن كل هذه المفارقات، ويضع علاقته الخاصة مع والديه في مساحة اختبار، يجعلها تنزوي لأجل أفكار أخرى تتعلق بتجربته الخاصة، يستعيدها في سياق مفاجئ، يقلب وجهي حكايته مع والديه ويعرضها كاختبار دون تضخيم أو ثبوتية.

كل هذه المعطيات مع سليمان، كابن لوطن محتلّ ولعائلة عاصرت نكسة 48، تعطي له مساحة لخلق حكاية درامية، تأثيرها مباشر وواسع المدى.

فيلم "يد إلهية"
فيلم “يد إلهية”

 

في فيلم “يد إلهية” يبتدئ الأب يومه الثقيل في السيارة تمر من شارع البلدة، يرفع يده للجيران والأقارب من وراء الزجاج ويبتسم، بداخل السيارة يكيل السباب لكل من يرفع له يده بالسلام، هكذا نأخذ الانطباع الأولي عن الأب، شخص مهزوم، مقموع وفاقد للهوية، وهكذا يستمر وجوده الهاديء، المشحون داخلياً في الفيلم، حتى يموت الأب من ثِقل الضرائب المتراكمة عليه، وبسبب إقالته من العمل.

في “الزمن الباقي” يستعيد إيليا سليمان الصورة الحميمية للوالد، “فؤاد” الشاب في نكسة 48، الذي يقاوم ويرفض مغادرة الناصرة بعد هجوم عصابات الاحتلال عليها، يفقد حبيبته وأهله، يتجاوز النكسة مع الأيام ولا تتجاوزه مشاعر الانهزام، تدفعه إلى الانزواء، والانشغال بالصيد والتدخين.

يبتدئ الأب بداية بطولية، ويمتد الفيلم معه بهدوءٍ يظهر ضعفه لأن الحكاية تقتضي أن الضعف من نصيب فاقدي الوطن، ولأنه لا توجد بطولات هنا.

رصاصة الرحمة التي وهبها سليمان لوالده في إعادة إنتاج ذكراه من خلال السينما، هي تحويل موت إلى قطعة فنية، وهي جرأة أمام مقام الأبوّة كسلطة عليا.

من منّا يجعل حادثة موت والده شديدة الهدوء في مشهد بالغ الحميمية؟ وعلى أنغام أغنية لليلى مراد، تسقط رأس الأب تدريجياً ويموت، بينما إيليا الشاب ينظر له مودعاً بالصمت والتسليم.

استعادة التاريخ الشخصي للعائلة، ومحاولة عرضه كنموذج يمثّل كل المهجّرين قسراً من بيوتهم، والذين بقوا تحت اسم “عرب 48” فكرة مغرية لمحاولة تمجيدها، أو عرضها بشكل استثنائي كتجربة استثنائية، غير أن محاولة سليمان بالتخلي عن المشاركة في سياق الحكاية، والاكتفاء بالمشاهدة الصامتة، خطوة متجاوزة لطبيعة سينما السيرة الذاتية في العالم العربي.

النموذج الوحيد، الذي يمكن أن نضع تجربته الذاتية في السينما، في مساحة تباين مع تجربة سليمان، هو المخرج يوسف شاهين. لم يسلم شاهين، رغم نضوج مشروعه، من تعويض شعوره السلبي تجاه عائلته، بتنصيب نفسه حاكماً أعلى، لينسلخ من سياقه المشارك في الحكاية، ويحاكم عائلته بجمل مباشرة في فيلم “حدوتة مصرية”.

يتعامل سليمان مع مشاهده على أنها تقاطعات لها استقلاليتها، مواد أولية تستحق التجريب، لها أحقية حتى في أن تبدو فاشلة، ولها أيضاً فرصة الظهور بصورة استثنائية، لكنها على كل حال، يلزمها أن تبدو بصورة أصيلة، محايدة قدر الإمكان، لذلك يشتبك معها عادة، من خلال الرؤية فقط، يعاصرها بالمشاهدة لا بالمشاركة، ينزع نفسه من السياق، ليعطي للحكاية مساحة أكبر كي تبدو.

القضية وأحلام اليقظة

فيلم "الزمن الباقي"
فيلم “الزمن الباقي”

يركز إيليا سليمان دائماً، في أفلامه، وفي حواراته حينما تذكر القضية الفلسطينية على أحقيته في كونه مبدعاً فقط وليس مبدعاً لأجل القضية الفلسطينية، مبدع بالقضية طبعاً، كمقاوم بديهي عن وطنه، لكنه في النهاية مبدع معني بالشأن الإنساني، ولديه الأحقية في ذلك.

طبيعة القضية عند سليمان هي من نوع استدعائه لذاكرة والده، مشاهد مكثفّة تعتمد على الدلالة المضمرة والترميز المعقّد، وأحياناً مشاهد مباشرة، توثّق لحظة اعتداء، أو مشهد سخرية عابر، لكنها في معظم الأحوال تكون مشاهد نافذة.

هل تعتقد أنني أجلس في المنزل وأفكر في الصراع؟” هو يقول. “أفكر في الأمر وجودياً، حول كيفية تدبير العمل الجماعي. لا أعتقد أن اليأس ضروري، وإلا فلن أصنع أفلامًا. إذا توقفت، يمكنك أن تستنتج أنني استسلمت لليأس.

من حوار مع إيليا سليمان

البداية في “سجل اختفاء”، كان توثيقا لتتابعات الاحتلال على ما هو يومي في مدينة الناصرة، ومن ثم تطورت طبيعة التناول، مع تطور اللغة الفيلمية عند سليمان، وبدأ يحاكي سيرته الخاصة في “يد إلهية” كعاشق.

يوازي سليمان ما بين الحب في أكثر لحظاته حميمية، حينما يقابل حبيبته عند الحاجز الذي يمنع العبور لمدينة رام الله، ومن ثم تتحول هذه اللحظة إلى شاهد توثيقي للاعتداءات الحاصلة على أفراد الشعب الفلسطيني على ذلك الحاجز بالذات.

مشاهد الاحتلال التي تتخذ طابع المفاجئة، تأتي دائماً من خارج السياق السردي، يدلل الشكل المتدفق التي تكون عليه، على الارتباط بين إيليا، كمواطن فلسطيني مهاجر، وبين شعوره بالسلب تجاه الوطن، هو حاضر في كل وقت، لا يحتاج لساعة ونصف أو ساعتين من البكائيات، بل هو سلب مرير، مناسب للسخرية لعدم منطقيته حينما تشتدّ أزمة فقده ويصبح القمع فعلاً يوماً ومستداماً.

تظهر عادة ممارسات الاحتلال في أفلام سليمان عبر شخوص كاريكاتورية، تنطلق من السخرية وتنتهي بها، لديها مطلق القوة والتحكم، لكنها مثلاً تتداعى بما تحمله من سلطة عند سؤال سائحة في فيلم “سجل اختفاء” لضابط إسرائيلي عن معالم المدينة، يتوقف الأخير غير قادر على إرشاد السائحة، يأتي بمعتقل فلسطيني من “البوكس” ليدلّها.

تشبه هذه اللحظة المكثفة، المفاجئة دائماً، لغة “الحطّ على الآخر” في التعاملات اليومية، يلعب سليمان في هذه المساحة على مدى إمكانات لغته البصرية، مثلما يلعب شخص عادي على قدرته على تصدير خطاب مضمر “يحطّ” به على آخرين بسبب موقف أو شعور سلبي.

وبالتالي يسحب بساط المركزية من تحت أقدام الجميع، يبني اللقطة ويكسب انتباه المحيطين، ينتج هذا الأسلوب انطباعاً لدى المشاهد بالدهشة تستحيل إلى إعجاب، مثلما نندهش حينما نتفاجيء بأكثر جالسي المجموعة هدوءاً، وهو يتكلم أخيراً، يرمي جملة من تحت لتحت، تطيح بالمتحدث الدائم بيننا.

في فيلم “الزمن الباقي” طفل صغير يبيع الجرائد، ينادي “الوطن بشيكل وكل العرب ببلاش”. يطلب منه أحد الجالسين نسخة من “الوطن” فيخبره الصبي “ضل ما فيه الوطن.. فيه كل العرب”.

 

عندما تكون فناناً، يجب أن تؤمن أن تجربتك في المقام الأول ليست محلية؛ إنها تجربة عالمية. عند تكوين صورة، يجب ألا تفكر أبداً في حدود تلك الصورة. ولكن في حالة وجود هذه الصورة في مكان واحد، يجب أن تتعدى حدود تلك المنطقة. بمعنى أنه إذا كان أحد الأوروجوايين يشاهد فيلمي، ولديه تطابق مع قصة فؤاد في الفيلم، فهذا هو المكان الذي أعتقد أنني سافرت إليه في تجربة، عالمية من نوع ما، والتي أعتقد أن السينما مناسبة لها. لذلك لا يتعلق الأمر بتشكيل أو تلخيص تجربة موجودة في فلسطين. يتعلق الأمر بجميع التجارب التي يمكن أن يطلق عليها مشتبكة مع فلسطين من ناحية المفهوم. حوار حول فيلم “الزمن الباقي”

عادة في حياته اليومية، يفضّل صاحب “الزمن الباقي” تلك الأوقات التي يحلم فيها لساعات طويلة بأشياء لن تحدث أبداً، وهو يدرك جيداً أنها لن تحدث، لكنه يتعامل مع ذلك النشاط كي يستمد منه حميمية الحلم، ويتعاطى مع أفكاره بشكل ودود، كي يخلق فكرة فى آخر المطاف يمكن أن تصنع فيلماً.

حلم اليقظة الطويل، الموجود في فيلم “يد إلهية” مثلاً، خاصة في السياقات المعنية باحتلال فلسطين، يدلل مبدئياً على سذاجة غريبة عن الطبيعة الطليعية في أفلام سليمان.

شخص أربعيني يتجاوز الحاجز بعصا رياضية، حبيبته تمر على نقطة تفتيش عند أحد الحواجز، يسقط الحاجز متهالكا، بصورة سوريالية، بسبب أصالة جمال الحبيبة العابر خلاله، هي ذاتها الحبيبة التي تحارب كتيبة حربية إسرائيلية بقطعة حديدية على شكل خريطة فلسطين، تسقط بها طائرة وتقتل بها كل الجنود!

أحلام طويلة، شاردة وسارحة، لأشخاص مبّطنين بالألم والمعاناة، يستيعدون صورة البطل المنتصر دائماً في السينما الأمريكية. طبيعة هذه المشاهد تشبه رخصة مؤقتة لاستراحة المواطن الفلسطيني من واقعة المتأزّم، أحقية في الحلم على الأقل، حلم يشطح بالمدى بعيداً عن كل حيثيات الواقع. الأحقية في الحلم في حد ذاتها هي نوع الوقوف في مركز الأمان الإنساني.

جنة مفقودة

بوستر فيلم إن شئت كما في السماء
بوستر فيلم إن شئت كما في السماء

في فيلمه الأخير “إن شئت كما في السماء” يحافظ إيليا سليمان على وضع نفسه كممثل في مساحة المشاهدة من بعيد، الصمت هو لغته منذ أول أفلامه القصيرة في أول التسعينات عن حرب الخليج.

في البداية كان الصمت صدفة، دون تخطيط مسبق، واستمر مع الفيلم الروائي الطويل والأول، ومن ثم أصبح الصمت لغة مقاومة لديه. صمت سليمان، أو حضوره من خلال الهامش يحفظ له حق الرؤية والملاحظة فقط، أو التغافل المتعمد على تداعيات أزمة العالم المعاصر.

يقدم سليمان كل هذه التفصيلات بتماثلات فنّية بديعة، الأمر أشبه بحرفنة لاعب يختار الفريق الخاسر، وفي الأخير يحقق المكسب.

تنتظر المؤسسات التي يعاديها سليمان دائماً من منتقديها أن يتفوهوا بأشياء، الكلام عادة هو المادة الأولية للوقوع في الورطة، والعالم كله يقوم على تبادل التصريحات، ومن ثم استخدامها بصورة تبادلية لبناء قررات وردود فعل، لكن سليمان يخطف من نفسه حق التفوه، أو الاعتراض من خلال خطاب لفظي مباشر، ليكتسب أبعاد أكثر سعة من التحرك من فكرة لأخرى بحرية.

يضع للصمت مساحة مركزية، لتسبب تشابكات هذه اللحظات الفنية حالة من الريبة والقلق، وحينما ينطق بصورة غير مباشرة، من خلال المشهد، وقتها يبدأ في استخدام سخرية حادة.

منذ أول أفلامه، يحضّر الصمت نفسه لتوسيع مدى حضوره، يبدأ من الناصرة، يصل تل أبيب في مشاهد سريعة، يزور بيروت، حتى يتخذ حضوره الأكثر مناسبة، والأكثر جدارة بالمركزية، في فيلم “إن شئت كما في السماء”.

يقدم سليمان عرضاً مجرّداً، يتجاوز محدودية انطباعاتنا عن أزمة فلسطين، وكيفية تعاطينا معها، يحيل وجود العالم كله إلى أزمة كبرى، استشراف لأزمة الدولة البوليسية في فرنسا، تصاعد العنف العالمي بمحاكاة ساخرة لأشخاص يتسوقون بالأسلحة.

“إلى أين تذهب ؟ كلما تحركت إلى مكان آخر، تتحرك معك أزماتك!” هكذا يتحرك سليمان من الناصرة في فلسطين، وطنه الموجود/المفقود دائماً، إلى فرنسا، ليقابل هيئة إنتاجية لفيلمه الجديد، هناك تظل غيمة الاغتراب المختبئ وراء خفّة السخرية، لكنها تظهر أكثر في نيويورك، مركز العالم والرأسمالية ومنبع “التشيؤ”.

يغيب الشعور بحضور أزمة ما، في مشاهد عابرة، حينما يجلس سليمان في بيروت مثلاً مع صديق له، يخبره بأن العالم كله يشرب لينسى، بينما يشرب الفلسطينية لأجل أن يتذكروا.

ربما لذلك يشرب في معظم مشاهده في فيلمه الأخير، الرجل يتقدم في العمر، يحيل رؤيته إلى العالم بسعة قدر المستطاع، يبدأ من الناصرة ويرحل ويعود إليها، لكنه في الحياة الواقعة ما زال مهجّراً في فلسطين. النقطة المشتركة بين كل أفلام سليمان، أنه ينظر إلى العالم بعين جريحة.

إسلام العزازي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى