ثقافة وفن

سينما الحواجز.. “خراء” الواقع لا نزق الحلم

في روايته “رأيت رام الله”، يكشف الشاعر والكاتب والفلسطيني مريد البرغوثي عن جوهر الاحتلال الإسرائيلي، موضحاً أن جريمة الاحتلال تكمن في “الإعاقة” التي يمارسها ويفرضها على المدن والقرى الفلسطينية.

“الاحتلال يتركنا على صورتنا القديمة”، هكذا يقول عندما يصل إلى قريته “دير غسانة” في رام الله بعد منفى طويل، ويرى أن ماضي القرية مازال هناك “يجلس القرفصاء في ساحتها، ككلب نسيه أصحابه”.

يبلور البرغوثي رؤيته في كلمات دالة: “الاحتلال يمنعك من تدبّر أمورك على طريقتك. إنه يتدخل في الحياة كلها وفي الموت كله. يتدخل في السهر والشوق والغضب والشهوة والمشي في الطرقات. يتدخل في الذهاب إلى الأماكن ويتدخل في العودة منها”.

مريد البرغوثي
مريد البرغوثي

تشترك رؤية البرغوثي مع العديد من الخطابات العامة الآتية من الخبرة المباشرة للمواطن الفلسطيني. ومقارنةً بالخطاب الغربي أو الموجه إلى الخارج، إلى “الآخر” الأوروبي أو العالمي، فإنها تؤكد على معاناة الواقع اليومي الفلسطيني لا على المعنى الحقوقي بوصفها قضية “إثنية” مثلاً.

بنفس المعنى، اختار المخرج الفلسطيني الشاب “أمين نايفة” (مولود في طولكرم عام 1988) أن يواجه العالم من خلال خبرته المباشرة كفلسطيني؛ إذ يصيغ في فيلمه الروائي الأول “200 متر“، سينمائياً كلمات البرغوثي عن الطبيعة التدخلية للاحتلال في شؤون وتفاصيل الحياة اليومية.

حبكة بسيطة عن أسرة فلسطينية مقسمة على جانبي الجدار العازل، الأب (علي سليمان) في الجانب الفلسطيني بالضفة الغربية، والأم والأبناء في الآخر الإسرائيلي، والمسافة بين الجانبين لا تتعدى الـ 200 متر.

وبعد علمه بتعرض ابنه إلى حادث، يحاول الأب الوصول إلى أسرته، لكن عبور الحاجز الفاصل بينهما يلزمه تصريح، وتجديد بطاقة الهوية، وعراقيل أخرى من قوات الاحتلال، فيلجأ إلى اجتياز المسافة عن طريق “التهريب”.

وتتحول المسافة القصيرة، حد تبادل الأب وأبنائه التحية وكل منهما في شرفته بإنارة الأضواء وإطفائها، إلى رحلة غاية في الخطورة، ومعاناة إنسانية تهدد الحياة نفسها.

الفلسطيني في مواجهة العالم

فيلم الابن الآخر 2012
فيلم الابن الآخر 2012

تتعدد الخطابات حول القضية الفلسطينية، وكذلك تتعدد المقاربات السينمائية لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الفلسطيني و”الآخر”، المحتل.

المقاربة السينمائية لهذه المسألة يمكن أن تُبنى وفق خطاب قائم على مسلمات أو فرضيات مسبقة، لا تتفهم السياقات السياسية الاجتماعية، كما نجد في خطابات “أنسنة” المسألة الفلسطينية، التي تُسقط السياق التاريخي للمأساة، وتساوي بين الضحية وقاتلها.

يتجلى خطاب الأنسنة في بعض الأعمال الغربية عن ما يوصف بـ “الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، مثل الفيلم الفرنسي “الابن الآخر 2012” للمخرجة الفرنسية لوريان ليفي.

تطرح ليفي سؤالاً وجودياً في ظاهره: ماذا يحدث لو اكتشفت أنك لست أنت.. لست من كنت تعتقد؟

تقوم حبكة الفيلم على اكتشاف شابين مصادفة، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي، أنه قد تم تبديلهما بالخطأ بعد ولادتهما في إحدى مستشفيات حيفا. أي أن الابن الإسرائيلي عاش وتربى مع الأسرة الفلسطينية كأنه عربي مسلم، والفلسطيني عاش في كنف أسرة إسرائيلية كيهودي إسرائيلي.

يدفع هذا الاكتشاف كلاً منهما إلى محاولة التعرف على أسرته الحقيقية، إلى التعرف على الآخر، ومعايشة الجهة الأخرى بعد العبور إليها.

ورغم لماحية الفكرة وعمق السؤال الوجودي، فإن الفيلم يفترض مسبقًا أن الصراع في جوهره قائم على الهوية، وأنه بتذكير الطرفين بالصفة الإنسانية لكل منهما، يصير باستطاعتنا أن نكون جميعاً أسرة واحدة.

على النقيض من ذلك يعيد “200 متر” تذكيرنا بحقيقة القضية، وأنها بالأساس قضية انعدام للمساواة وغياب للعدالة الاجتماعية. هناك جانب يحظى بكافة الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية، وآخر لا تتوافر لديه أبسط مقومات الحياة.

وإلى جانب أسطورة أنسنة القضية وفق المنظور الليبرالي الغربي، نرى محاولة أخرى تأريخية في فيلم “ميرال” 2010، للمخرج الأمريكي جوليان شنابل.

يتناول “ميرال” قصة ثلاثة أجيال من نساء عرب 48، منذ بدايات النكبة وحتى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994. تتنقل كاميرا شنابل بين أطلال المنازل الفلسطينية المدمرة وترصد الأوضاع المزرية في مخيمات اللاجئين.

يحكي الفيلم عن محاولات امرأة مقدسية توفير تربية وتعليم جيدين من خلال عملها الخيري والتطوعي، وقرارها بإنشاء دار للأيتام ومدرسة فتيات بعد رؤيتها للأطفال اليتامي جراء مذبحة دير ياسين.

وتُطرح إمكانية المستقبل الوحيدة للفتاة ميرال في الإيمان بأهمية التعليم، والحرص على سفرها إلى إيطاليا واستكمال دراستها.

في أحد مشاهد “200 متر”، تسأل فتاة ألمانية مصطفى عن سبب إجادته الإنجليزية، فيجيب بأننا نتعلمها في المدارس، وحين تُضيف مستنكرة: إذن لماذا البقية ليسوا مثلك، يقول: ربما تعلمت جيداً بالمدرسة.

لكن إذا كان التعليم هو كل شيء في الأمر، لماذا لم تمنح إجادة “مصطفى” التامة للإنجليزية فرصة أفضل للعيش، بدلاً من كونه مجرد عامل بناء؟

في “الابن الآخر” و”ميرال”، تصبغ مشاعر الامتنان عملية التلقي. فنتفهم النظرة الإنسانية في الفيلم الأول ونقدر شجاعة ونزاهة المخرج في الفيلم الثاني.

لذا كان السؤال الأكثر محورية أمام أي صانع أفلام فلسطيني في بداية مسيرته هو ما يمكن أن تضيفه وتتمايز به رؤية القضية من الداخل، من خبرة الواقع اليومية، أمام مثل تلك الأعمال الغربية الأكثر انتشاراً، وأمام الإنجازات السينمائية لمخرجين فلسطينيين وعرب مرموقين، مثل إيليا سليمان وهاني أبو أسعد ويسري نصر الله؟

الفلسطيني بعيداً عن الرمز

فيلم 200 متر
فيلم 200 متر

التقط أمين نايفة فكرة ملقاة على قارعة الطريق، بتعبير الجاحظ، أو بالأدق، فكرة ملقاة أمام الحاجز. وهي فعل “العبور”، الذي أصبح يمثل ثيمة مهمة في سينما نايفة. ويعتبر فيلمه الوثائقي القصير “العبور” إرهاصة أو توطئة لفيلم “200 متر”.

يقدم “العبور” محاولة 3 أخوة عبور الحاجز من أجل زيارة الجد المريض، وتعيق قوات الاحتلال عبورهم رغم وجود التصاريح، ويصل إليهم نبأ وفاة الجد قبل نجاحهم في الوصول إليه. في النهاية يساعدهم موظف إسرائيلي على العبور.

تُغري بساطة “200 متر” بالانتباه إلى نقاط تميزه، لعل أهمها أن الفيلم يقوم بتمثيل الفلسطيني بعيداً عن الترميز.

“من مصلحة الاحتلال، أي احتلال، أن يتحول الوطن في ذاكرة سكانه الأصليين إلى باقة من الرموز، إلى مجرد رموز”.. مريد البرغوثي

يبين نايفة نضالية الوجود اليومي للفلسطيني لكنه يعلم أن تحويل “مصطفى”، الأب الفلسطيني، إلى رمز يُفقد الحكاية معناها وفرادتها، “فشرط الشخصية الرمزية هو قدرتها على أن تتكرر” حسب البرغوثي.

لذلك يمنحنا السرد، بسلاسة، التفاصيل المتنوعة التي تجعل “مصطفى” شخصية فلسطينية من لحم ودم، فهو الأب، وعامل البناء، يعاني من آلام الظهر ويجيد الإنجليزية.

رفض مصطفى من قبل استخراج هوية إسرائيلية، ولا يوافق على انضمام ابنه إلى فريق الناشئين بالنادي الإسرائيلي “مكابي حيفا” لكرة القدم، وفي الوقت نفسه، يعمل في أعمال البناء والإنشاء لدى إسرائليين ومستوطنين.

 يبين الكاتب الفلسطيني فاروق وادي في دراسته أن السينما الفلسطينية، حتى عام 2004 تاريخ كتابته للدراسة، قد لا تكون أفلحت في “التقاط الغنى التراجيــدي المتجــدد على حواجز القهر وتفصيلاتــه الثرية. لكنهــا مع ذلــك لم تعــدم المحاولة، باحثة عن معالجات إنسانية أكثر بساطة”، كما في “يد إلهية” و“القدس في يوم آخر“.

قدّم المخرج إيليا سليمان فعل عبور الحاجز من خلال مشاهد شهيرة في فيلم “يد إلهية”، كما في مشهد اقتحام بطلة الفيلم للحاجز الإسرائيلي، يُغشي جمالها عيون الجنود المدججين بالأسلحة، وتزلزل ثقتها وإرادتها برج المراقبة، أو في مشهد البالون الذي يحمل صورة ياسر عرفات، يطلقه البطل فيطوف عاليًا في السماء متجاوزًا الحواجز والأسوار ليستقر فوق قبة الصخرة.

وفي مقابل تلك المشاهد الحلمية السريالية، يرسم نايفة لوحة دقيقة ملطخة بـ “خراء” الواقع لا نزق الحلم. “أنا عايش هدا الخرا كل يوم”، هكذا يصيح مصطفى.

فكانت النتيجة أن واقعية “مصطفى” في “200 متر” تناقض رمزية وعاطفية “رنا” بطلة “القدس في يوم آخر” للمخرج هاني أبو أسعد.

لا يوحي “200 متر” بأن “العبور” هو في ذاته فعل مقاومة وإنما ضرورة يومية، مخاطرة من أجل لقمة العيش أو بسبب ظروف طارئة.

وتتباعد تلك الرؤية عن اعتبار فعل التحايل والالتفاف حول الحاجز تحدياً أو مقاومة بالمفهوم الذي  يقدمه أبو أسعد. هكذا يغمر نايفة “تراجيديا الحاجز”، بتعبير فاروق وادي، في تيار اليومي والعادي.

نجحت كاميرا نايفة في تصوير الجغرافيا الفلسطينية المعقدة من خلال اللقطات الواسعة. وقدم تكويناً متميزاً في الأماكن الضيقة والخانقة كممرات التفتيش أو داخل السيارة وعربة المكيروباص.

فيما يوظف السرد عناصر سينما الإثارة وسينما “الطريق” أيضاً. طقس العبور بمثابة الرحلة، والطريق مفتون بالواقع.

الفلسطيني وصمت العالم

فيلم 200 متر
فيلم 200 متر

في أحد المشاهد قرب منتصف “200 متر”، يختبئ “مصطفى” و2 آخران في الشنطة الخلفية للسيارة قبل المرور بنقاط التفتيش. يقود المهرب السيارة وبجواره الشابة الألمانية صديقة أحد المختبئين بالخلف. يرتاب المهرب في الفتاة الألمانية. ينشب شجار بينهما حين يرى كاميرا بحوزتها. يركض هارباً بعدما ضربها وتركها فاقدة الوعي.

الفلسطينيون الثلاثة في شنطة السيارة يشارفون على الاختناق. وبالطبع، لا تقرع أيديهم صاج السيارة من الداخل ولا ترتفع أصواتهم بالاستغاثة خشية اكتشاف أمرهم، في إعادة خلق ذكية لنهاية رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس”.

الفلسطينيون الثلاثة في رواية كنفاني دخلوا إلى خزان الماء في شاحنة سائق، وماتوا في جحيم الخزان قبل عبور نقطة الحدود العراقية الكويتية. لم يفعلوا شيئا ولم تقرع أيديهم جدار الخزان.

المخرج المصري توفيق صالح قام بتغيير النهاية في الفيلم المقتبس من الرواية، فبدلاً من أن يسأل مثل الرواية لماذا لم يقرع الفلسطينيون جدار الخزان؟ رأينا أيديهم تقرع بكل ما أوتوا من قوة.

لكن في الرواية والفيلم تساوى القرع مع عدمه، فرجال نقطة الحدود الكويتية ما كان في مقدورهم أن يسمعوا وهم جالسون في غرف مكاتبهم وأصوات المكيفات تصم الآذان.

وبذلك التغيير الذي أحدثه صالح، “يصير السؤال الحقيقي ليس عن خرس الفلسطينيين بل عن صمم العالم عن سماع صراخهم”، كما يقول إلياس خوري.

أما في 200 متر، فإن “آني”، الشابة الألمانية، تستفيق من إغمائها وتبادر إلى فتح شنطة السيارة ومساعدة الفلسطينيين، فما دلالة تغيير أو تناص نايفة؟

يشير ذلك الحدث إلى تغير موقع العالم من القضية الفلسطينية حالياً. فقد اكتسبت القضية نوعاً من الزخم في السنوات القليلة الماضية.

ربما كان آخر علاماته تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش” الذي يصف النظام الإسرائيلي بـ “الأبارتيهايد”، أي نظام الفصل العنصري، ووكذلك تصدر صور أطفال غزة، ضحايا القصف الإسرائيلي الأخير، صفحات جريدة نيويورك تايمز.

نايفة يلمح إلى أهمية التضامن الغربي، ورغم محدودية أثر ذلك التضامن واقعياً فإن الفيلم يوسع من تلك المحدودية عبر أحداثه. تمثل “آني”، بإجادتها العبرية وملامحها الأوروبية البارزة، كارت/تذكرة العبور لـ”مصطفى” ومن معه حين تتولى قيادة السيارة.

ورغم ما يمكن أن تثيره دلالة الحدث من استهجان فإنها تبقى على قدر كبير من الواقعية. فالرأسمال الرمزي للقضية لا يحول وحده  دون ارتكاب الفظائع الإسرائيلية.

 استعادة الفلسطيني

جورجيو أجامبين
جورجيو أجامبين

يكشف الفيلم في بساطة عمَّا يسميه المفكر الإيطالي جورجيو أجامبين “حالة الاستثناء“. العيش تحت حالة طوارئ دائمة لا نهاية لها. حولت سلطات الاحتلال حالة الاستثناء إلى “الوضع الطبيعي”، وتعمل على تعميمه وإدامته.

اعتياد الناس العيش تحت حالة الطوارئ الدائمة “يختزل حياتهم إلى وظيفتها البيولوجية فقط، ويفقدها بذلك ليس بُعدها الاجتماعي والسياسي فحسب، وإنما الإنساني والعاطفي أيضاً”، كما يوضح أجامبين.

هكذا يصبح صراع “مصطفى” على المستوى الداخلي/الذاتي أيضاً. النضال من أجل استعادة البُعد الإنساني والعاطفي المهدد بالضياع نتيجة الحاجز.

يشير الفيلم في بعض المشاهد إلى تبرم الزوجة من ظروف “مصطفى” وضغوطات المعيشة، وتسلل الفتور الدائم إلى علاقتهما، وكذلك تباعده القسري عن أطفاله، واضطراره إلى التواصل معهم من خلال المحادثات الهاتفية.

يعلن “200 متر” أن الحياة الطبيعية اليومية التي يعيشها الفلسطيني ليست بالصورة المتخيلة السائدة عنها، وأن الهم الإنساني اليومي للمواطن الفلسطيني يستحق أن يُروى بصدق، وبذلك تتحقق الخطوة الأولى في سبيل استعادة الإنسان الفلسطيني من الاستلاب، والغياب.

اقرأ ايضا: الجسد في السينما الفلسطينية.. مصلوبٌ تأكل القضية من رأسه

محمد عمر جنادي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى