ثقافة وفن

سينما فلسطين الجديدة.. أنت منذ الآن عاديا

تناولت سينما فلسطين الجديدة اضطراب الهوية لدى الفرد الفلسطيني، الاضطراب الناتج عن الحلم بتحرير الأرض واستعادة الحقوق، والأمل في الوقت نفسه، في التملّص من الهيمنة الثقافية والسياسية القسرية لدولة الاحتلال التي تسعى لمحو وجوده المادي والرمزي، والناتج أيضًا عن الانخراط الإجباري في النضال السياسي ضد الاقتلاع بموازاة رغبة الفلسطيني في العيش كفرد يعاني مشكلاته الخاصة وطموحاته الصغيرة.

لم يكن هذا التناول ممكنًا حين كانت الثورة الفلسطينية في أوج اشتعالها، إذ كانت السينما آنذاك صوت الثورة وذراعها الفني، فيما جرى هذا التناول بلمسة ذاتية ما بعد حداثية كان من الوارد اتهامها بأنها لا تخدم منحى النضال الفلسطيني بل تطيح به.

غير أن خروج تلك الموجة عن المألوف سلط الضوء على الفرد الفلسطيني في سياقه المُجتمعي كفرد مُهمّش مجبول على قضية تصنع مصيره، ولديه حياة خاصة أيضًا.

وقد جرت أمواج سينما فلسطين منذ موجتها الأولى عقب نكبة عام 1948 كوسيلة للمقاومة، مروراً بالموجة الثانية التي انطلقت تحت غطاء منظمة التحرير في الأردن بعد نكسة عام 1967، والتي عُرفت بـ”سينما الثورة الفلسطينيّة”، والثالثة عقب أحداث “أيلول الأسود” عام 1970، في لبنان عقب انتقال منظّمة التحرير الفلسطينية وفصائلها إليها.

وخلال الموجتين عملت السينما على توثيق حياة الفلسطينيين في الخارج، حتى اختفاء أرشيف سينما فلسطين عام 1982، ليتلقفها الجيل الرابع أو كما يسميهم النقاد الموجة الجديدة في الـ سينما الفلسطينية، والتي بدأت على يد ميشيل خليفي وإيليا سُليمان، لتبدأ قصة الصراع الهوياتي الفردي مُعبرةً عن تجارب ذاتية بعيدة عن النضال الوطني النموذجي أو أقاصيص البطل الشعبي.

أعطت الموجة الجديدة للفلسطيني الحق بأن يكون عاديًا، وخلعت عنه كُل الجديّة النضالية التي تحيطه بطبقات يختفي تحتها كإنسان له حضور بمعزل عن قضيته السياسية.

ظلت القضية موجودة في البناء القصصي والسردي للموجة الجديدة في الـ سينما الفلسطينية، كشيء مؤثر على الوجود اليومي للفلسطينيين، لكن وجهتها، كشكل وحيد لوجود الفلسطيني، تغيرت لصالح تجريبية جريئة.

الفرد قبل القضية

فيلم عرس الجليل
فيلم عرس الجليل

نشأت الموجة الجديدة في ظروف قاسية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية أوسلو 1993، حيث اضُطر كل مُخرجي الموجة، سواء في المنفى أو في الوطن، أن يبحثوا عن مُمول لأفلامهم، مضطرين للتقديم في مِنح إنتاجية تقدمها المؤسسات والمعاهد الأوروبية؛ بعد أن غابت مؤسسات رعاية الأفلام الوطنية.

ورغم صعوبة إنتاج الأفلام في ذلك الوقت، إلا أن المخرجين تمتعوا بحُرية إبداعية كاملة، ولهذا نجد تنوعًا كبيرًا في الأفلام وجرأة في الطرح، رغم الضغط المُمارس من قبل أطراف كثيرة لصُنع أفلام تخدم الأهداف النضالية كما في السابق، وبناء عليه حصدت الموجة الجديدة عدة جوائز عالمية كرد فعل على تلك المنهجية المُتحررة بعض الشيء.

وحسب نوريث جيرتز وجورج خليفة، في عملهما المُشترك، “ Palestinian Cinema-Landscape Trauma and Memory” فإن أغلب رواد هذه الموجة لم يدرسوا السينما في فلسطين، بل تغربوا في أكثر من دولة ليحظوا بقدر كاف من التدريب:

“درس ميشال خليفي المسرح والتلفزيون في بلجيكا. ودرست مي مصري التصوير السينمائي في قسم السينما بجامعة سان فرانسيسكو. وصبحي الزبيدي وهانا إلياس ونجوى نجار درسوا السينما أو الإخراج في الولايات المتحدة، ودرس جورج خليفي وعمر القطان في بلجيكا. كما درست عزة الحسن السينما الوثائقية في إسكتلندا، وناظم الشريدي، وعلي نصار في أوروبا الشرقية، وتوفيق أبو وائل في جامعة تل أبيب. لم يدرس إيليا سليمان ورشيد مشهراوي وهاني أبو أسعد ونزار حسن وعبد السلام شحادة السينما بشكل رسمي إطلاقاً”.

تأثر مُخرجو تلك الموجة بتجارب ذاتية مروا بها في طفولتهم؛ وكوّنت شخصياتهم، وأثّرت فيما بعد على أسلوبهم السينمائي أشد التأثير، بجانب أسفارهم الخارجية، وخبرتهم في الحياة كمغتربين، كما عاصروا الانتفاضة الأولى والثانية، واتفاقية أوسلو، وقد طوّر هذا كُلّه لدى مُخرجي تلك الموجة شعوراً بالقلق الهوياتي طبع أفلامهم، ودفع كُل منهم للاستفادة من تراكم الخبرات والتجارب في تكوين صوته الخاص ومنهجيته المتفردة بعيداً عن الآخرين.

لذا تميّزت تلك الموجة بالفردانية، وأضحت مهمومة بالفرد الفلسطيني أكثر من القضية ذاتها، فمن الطبيعي أن تُنتج طفولة مُشتتة ودراسة مُغرّبة موجة سينمائية ذات أيديولوجية فردانية وموقف أخلاقي واجتماعي مُستقل يؤكد على قيمة الفرد داخل النسق الاجتماعي ويبتعد عن الثيمة الواحدة والفكرة النهائية التي تفرض نفسها.

إفشال الذاكرة

أندري تاركوفسكي
أندري تاركوفسكي

من النظرة الأولى لأعمال إيليا سُليمان نجد أنها تنتمي لما يُسمى الـ Art House ذلك النوع من الأفلام الذي يحتاج لعدة مشاهدات لتفكيكه والاستمتاع به، وهذا النوع ليس معتاداً في الـ سينما العربية والفلسطينية، لأنه يحتاج إلى قدر عالٍ من الأصالة في الحكي، ويتسم بالطرح الجرئ والشجاعة في كسر الأنماط السردية، مثل أفلام تساي مينغ ليانغ وإدوارد يانغ وتاركوفيسكي وغيرها من الأعمال التي تُحركها مشاريع فنيّة أصيلة أو ذاتية مُفرطة؛ التي، ليس بالضرورة، تفشل في شباك التذاكر، ولكنها تنجح في إبهار مُحكمي المهرجانات وعشاق السينما.

في سرده للأفلام يتحرك إيليا من كونه ذات لها وعي مُستقل، ولا يُلزم نفسه برواية تاريخية مُعينة، بل ينطلق من شهادات فردية تعطيه القُدرة على “إفشال الذاكرة”، ويمنح نفسه حُرية تامة للتحرك في المكان والزمان.

سردية سليمان تتحرك في متوالية لا تلتزم بخط تقليدي، ولكن تعتمد على الموقف بشكل أعمق وأبطأ، تُثبّت الزمن وتتأمل الفرد المُهمّش، تحتفي بالعادي واليومي بهزلية لا تُغيّر الحقائق ولكنها تؤكد على ارتيابه من التجربة المُشتركة وانتصاره للفرد بتفاصيله اليومية وقلقه اللحظي وعاطفته المُتغيرة.

يقول إيليا في محاورة مع آن بورلوند:

“أنا لا أريد أن أحكي قصة فلسطين، حقي كفلسطيني فقَدَ دلالته في أن يكون نقطة انطلاق لأعمالي، على الأقل من الناحية السياسية. بالطبع أنا على دراية بضرورة مُشاركة الخلق في لغة مشتركة وطريقة حياة آمنة وديموقراطية، ولكني سأظل دائماً أشكك في هذه المؤسسات الجماعية المسماة الأمة/دولة، مُصطلح الجذور/التراث لا معنى له بالنسبة لي. الأرض ليست العُنصر الذي يُحفز العاطفة في حالتي”.

لذلك يبتعد إيليا عن الأفكار السائدة في الدفاع عن القضية، فأفلامه لا تبدأ من الأرض بل من الذاتي واليوميّ، وبدلاً من الاهتمام بالسرد الجُغرافي يحاول حشد أكبر قدر من التفاصيل اليومية ليصنع حبكة صوريّة تطفو على السطح.

يحاول إيليا نقل الوضع الداخلي الدائر في شوارع فلسطين، والنظر في دواخل الفرد الفلسطيني بعد أن أصابته لوثة القلق الهوياتي تحت وطأة الاحتلال الذي سلب الفلسطينيين حق الوجود المُستقل ككائنات فردية، ليلبثوا في أماكنهم، مُجرد تمثيل رمزي لكيان فلسطيني يحاول النهوض من الرماد.

يخلق إيليا في ثلاثيته الشهيرة (سجِل اختفاء ــ يد إلهية ــ إن شئتَ كما في السماء) لغة سينمائية تمزج بين التوثيق والسرد الدرامي، يستخدم منهجية الكاميرا الثابتة Static Camera مثل ياسوجيرو أوزو وإدوار يانغ، وهي تقنية صعب تطويعها في ظل الانفتاح الحداثي والمُخالطة بين الأنواع الفيلمية (Genres)، وفي ظل المجتمعات الرأسمالية التي تُطالب بنوعية مُعينة من الأفلام ذات السرد المُتلاحق، غير أنه يطوّع الكاميرا ليمزج بين نزعة تسجيلية لظواهر اجتماعية تُكثف عاطفة الفرد، وبين سردية ذاتية مُركبة تتسم بالهدوء والكوميديا السوداء.

تبدو أفلام سليمان للوهلة الأولى مُجرد خفقان، مثل منارة تقع على بحر هائل، تخفق لتُرشد السُفن لبر الأمان، عدا أن أفلام سُليمان غرضها طرح الأسئلة وليس الإجابة عليها وإرشاد الحائرين.

يقطع سُليمان حبكة الفيلم، ويصنع تتابعاً له صوت مُعين، ثم يُخِل بهذا التتابع على نحو ساخر، ويخلق تتابعاً آخر بصوت مُختلف، يوقف الزمن ليُعبئ أكبر قدر من العاطفة، كأنه يصنع تشوهات في الزمان، يثنيه ويُقيمه حتى يصل للنهاية، ويدفع الأحداث لأكثر من ذروة منفصلة، وفي النهاية يجمع كُل هذه التشوهات والانثناءات والوقفات لتشهد على تمزق الهوية الفلسطينية.

يقول سُليمان عن سينماه:

“أنا أود أن أفتح الطريق لفضاءات مُتعددة تصلُح لقراءات مُختلفة، أحاول خلق صورة تسمو فوق التعريف الأيديولوجي لما يعنيه أن تكون فلسطينياً، صورة بعيدة تماماً عن أي صورة نمطية”.

إيليا سليمان
إيليا سليمان

تتضافر جميع السمات الفيلمية التي يحوّرها سُليمان لتصنع تلك الفضاءات، وتُظهر المساحة الخاصة به، مساحة تتسم بطابع شعري تُعبّر عن هواجسه وتخيُلاته، وتصنع هويته المشوشة، وتوضح علاقته بالأرض ذاتها.

هذه المشاهد الساخر والفنتازية تؤكد منهجيته المُتحررة من السرد التقليدي، مثل أن يختار قصة من بين قصص كثيرة، قصة موجودة في الواقع اليومي، يخلع عنها ردائها اليومي فتبهت القصة، لكن خلف كُل الأقاصيص الصغيرة قصة أكبر على المُشاهد أن يكتشفها، قصة عن معنى الهويّة الفلسطينية.

في أفلام سُليمان تظهر مشاهد ساخرة وغير قابلة للحدوث في العالم الواقعي، ففي فيلم (سجل اختفاء)، يبث الراديو أخباراً مُضحكة وغريبة وليس لها وجود. بنت جميلة تحاول البحث عن مسكن ورغم جمالها لا تجد. رجُل عجوز يهزم مجموعة من الشباب في تحدي الساعد. جنود يقتحمون منزل إيليا ولكنهم يتجنبوه كأنهم ليس موجودًا مثل هواء، لا ينتمي لهويّة معنوية وليس له وجود ماديّ.

وفي “يد إلهية”، يستعين الضابط بشاب مغشي على عينيه بقماشة لكي يصف لفتاة الطريق، والغريب أنه يستطيع وصف الطريق للفتاة وهو مُعمى، وعلى هذا المنوال تتقدم القصة مشحونة بسرد فاقد للمنطق ولكن له دلالة يتلقاها المُشاهد ويفسرها حسبما يريد.

يرتبط سُليمان في حكيه بالمكان، فهو دائماً ما يصوّر في منزل والديه في الناصرة، لأنه المُجتمع الذي يعرفه أكثر من غيره، أو لا يعرفه ويستكشفه عن طريق أفلامه، يقول سُليمان في مقابلة مع جاسون وود، في محاولة لربط المكان بفيلمه الأول:

“الناصرة هي جيتو، تنبعث روح الدعابة من التعامل مع سُكان هذا الجيتو، الذين يقعون تحت حالة من الركود الخانقة، لعجزهم عن تغيير هذا الواقع، وفشلهم في الانفكاك أو التملص من القوى الحاكمة التي تُهيمن عليهم، مما يجعلهم في النهاية يفرجون عن غضبهم في وجوه بعضهم البعض ويتناحرون”.

في كثير من الأحيان يستخدم سُليمان المنزل كطبقة مُنعزلة عن الجُغرافيا الخارجية المحيطة به، لا أحد يدخل إليه أو يخرج منه، منزل يحمل ذاتية سليمان نفسه، ويتكلم فيه عن نفسه من خلال الصورة، في مقابل طبقة ثانية خارجية، هي كل ما يقع خارج المنزل، والذي يظهر فيها المجتمع الفلسطيني المُشتّت بفعل الاحتلال .

يستخدم إيليا نفسه سينمائياً كأداة صامتة تكتفي بالحركة وبالتعبير بالجسد، لا يتكلم إلا في مناسبات قليلة جداً، يستخدم العيون لتصدير المشاعر، واليدين للتعبير عن الحُب والشوق، كما في مشهد السيارة، حيث يُمثّل الفرد الفلسطيني المحروم من الكلام.


في ثُلاثيته لا يهتم سليمان ببناء الشخصيات، ولا يُمهد للمشاهد، بل يترك الشخوص تتحرك في المشهد فقط، بدون سابق معرفة بهم، تظهر دون سبب، وتختفي دون سبب، وحينما تظهر تجترح أفعالاً عادية، وتقوم بأشياء مألوفة لحظية حسب المواقف الواقعة فيها، ولكنها تُفرِّج عن عاطفة مُكثفة، بحيث يتم تأطير كُل الشخصيات عن طريق العقل أو العاطفة، لا عن طريق نتائج ملموسة تظهر بالتتابع، لأن الكثير منهم يختفون ولا يعودون إلا في مشاهد خاطفة، ولا يضمنون إكمال قصة أو إظهار نتيجة، كأنها لعبة اختفاء وظهور.

بحثاً عن الهوية في المنفى

ميشيل خليفي
ميشيل خليفي

عكس سينما سُليمان، تتحرك سينما ميشيل خليفي من جُغرافيا المكان، وتستقي حدودها من حدود المكان، مما يُدخل قصصه السينمائية في إشكالية “الاحتجاز” التي كثيراً ما يُناقشها ويعبر عنها.

في فيلمه (حكاية جواهر ثلاث) يطوّع خليفي الكاميرا في تصوير المعابر ومناطق التفتيش والحدود بشكل مكثّف، وعلى الرغم من أن كاميراته تُعطي مساحة هائلة لعين المُشاهد أن تتفرج وتتغذى، إلا أنه ولوهلة، مثل السراب أو الحُلم، يُكمل السير بكاميراته للأمام، في لقطات طويلة وبطيئة، كأن لا حدود للعالم ولا هوية ولا نهاية.

يستغل خليفي المونتاج في جعل عالمه مُوحداً، بتراتبية واضحة تتوالى اللقطات من الانغلاق إلى الانفتاح في تدفق ناعم، لتخلق رابطاً بين الطبيعة والإنسان، رابط يؤكد رفض الإنسان لبقائه محجوراً ورغبته في استكشاف الطبيعة حوله.

وكما يقول بعض النقاد فإن:

“ميشيل خليفي يرسم خريطة جغرافية لفلسطين في أفلامه، في محاولة لكسر الحدود الصهيونية ونقاط التفتيش. يستخدم خليفة في أفلامه أبطال مُفرطين في العادية، مُهمّشين جغرافياً، يعيشون مثل أقرانهم، لا يُميزهم سوى الموقف، وردود أفعالهم هي من تصنع القصة، وتفاعلهم مع قوى الاحتلال هو من يصنع الدراما، وليس البطولة أو رفع شأن القضية، فيلم مثل فيلم (عُرس الجليل) يرفعه حدث واحد فقط، وهذا شيء مثير للدهشة”.

فيلم حكاية جواهر ثلاث
فيلم حكاية جواهر ثلاث

في “حكاية جواهر ثلاث” تتشكل في خيال الفتى “أرض الأحلام” خارج البلاد، يحاول السفر ولكن الحدود تسجنه داخل أحلامه. تتشكل هويّة الفتى في مُجتمع ينبذه كطفل فلسطيني فقير، لكنه لا يُتيح له الخروج أيضاً.

هُنا نرى تركيز خليفي على رحلة الطفل وتطوّر شخصيته، مانحاً قيمة عظيمة لأشياء بسيطة، ويفتح المجال للأحلام والأقاصيص القديمة والخرافية أن تأخذ مكانها داخل الحكي، مُستعرضاً فضاءات واسعة تسمح للفتى الصغير بالجري واللعب، وكُل هذه العناصر تُشكل هويّة ومعرفة جغرافية تُساعد بعد ذلك في فهم الأيدولوجية الفلسطينية، وتمنحنا فكرة عما يحدث في الداخل الفلسطيني.

وفي “عُرس الجليل” يُناقش خليفي فكرة الاحتجاز في المكان، ولكن بأفعال أصيلة مثل الزواج. يضطر والد الزوج أن يتخلى عن بعضٍ من هويته ليُقيم العُرس (بالسماح للإسرائيليين بالحضور كشرط لإقامة الزفاف) وهُنا يظهر تأثير ذلك القرار على جيلين، الجيل الصغير المُتحمس لهويته المسروقة، والجيل الكبير الذي رأى كُل شيء واضطر لأن يتعايش مع الوضع تحت الضغط.

تُظهِر الكاميرا مدى هيمنة قوى الاحتلال على الحدود بالسيارات والأسلاك الشائكة وأبراج المُراقبة، لكنها تُظهر تحرُك الفلسطينيين في تلك المناطق بشكل عشوائي ولكنه تحرك قائم على كل حال.

تنبعث الذكريات القديمة من الماضي في أفلام خليفي عبر استعادة الأقاصيص والحكايات التي يمثلها على أرض الواقع سواء بشكل رمزي أو واقعي، ومنها مراسم العُرس نفسه، فقد صوَّر الزفاف كما كان يحدث في الماضي بالضبط.

عطفاً على ذلك، هُناك مثال للاضطراب الهوياتي في “عُرس الجليل” وهي شخصية “سُمية” أخت العريس، فقد جعل تمردها على البيئة والحياة الاجتماعية أقرانها يقولون إنها من الممكن أن تتزوج شخص من جيش الدفاع الإسرائيلي حتى تخرُج من هذا المكان.

هذا الاضطراب في الهويّة هو وليد الحصار والانحباس داخل بيئة مُعينة، والإجبار على البقاء فيها، وفقدان القدرة على الاستقلال، ولكن إذا كان العالم مفتوح أمامها فلرُبما تغيرت الأمور، ورُبما تخلصت الفتاة من هويتها الفلسطينية بالكامل، أو استبقتها بالكامل.

على الناحية الأخرى نجد الابن/العريس، الذي يُعاني من اضطراب داخلي يضعه بين خيارين مُهمين، أن يرضى بحُكم أباه ويتزوج تحت أعين الحُكم العسكري الإسرائيلي ويخسر كرامته أمام نفسه وأمام القرية، وإما يرفض الزفاف ويذهب تعب أباه سُدى، وهُنا تبدأ شخصيته بالتحور، من شخص متلهف على الزواج إلى شخص يفقد قدرته الجنسية خوفاً من العار والثقل الذي أحدثه صدى القضية الفلسطينية في نفسه، وتجول في خاطره الأسئلة: هل هو خائن أم أباه هو الخائن؟

اقرأ أيضا: سينما فلسطين.. ما سقط من القضية باقٍ في “باب الشمس”

بحثاً عن الهويّة تحت الرقابة

فيلم عمر
فيلم عمر

في فيلميه الشهيرين “عُمر” و”الجنة الآن” يجعل هاني أبو أسعد أبطاله أسرى منظومة الاحتلال القاهرة التي تضعهم تحت الرقابة الدائمة وتقتل فيهم إحساسهم بالفردانية (وفق تحليل فوكوه لآليات اشتغال السلطة في العالم الحديث) وكُل محاولات الأبطال للإفلات من الرقابة تبوء بالفشل.

الجميع في سينما هاني أبو أسعد مُراقبون بشكل غير مُباشر حتى في بيوتهم، وهذا ينقلنا إلى مستوى آخر من المُراقبة، وهو مُراقبة الأشخاص لأنفسهم، وإن كان أبطاله يحاولون الخروج عن المألوف عبر الانخراط في المقاومة والقيام بعمليات تستهدف جيش الاحتلال لكسر القيود والمُراقبة التي تُحيطهم من المهد إلى اللحد.

يفشل الأبطال ويسقطون في المصيدة دائماً، وتقع كل محاولاتهم لكسر القيود في قلق الهوية ذاته عندما يدخلون في الخطوات الأخيرة من العملية الاستشهادية، فيما يقطع المُخرج تسلسل الحدث ويُنهي الفيلم ليُعطي انطباعاً غريباً عن تهميش التجربة ذاتها، غير أنه يفتح مجالاً لخيارات أكبر، لا تتعلق بتأكيد الهوية بل بتمزّقها.

فالمُخرج ليس صاحب قرار بقدر ما يعرض من أقاصيص، فهو يترك الحكاية تتحرك من خلال السرد وليس له هدف يخدم جهة مُعينة إلا الإنسان ذاته.

لذا يتفرد هاني أبو أسعد، بـ سينما ذات ديناميكية عالية على مستوى الفكرة بين أقرانه، إذ يستطيع أن يصنع لُغة بصرية توحده بالمتلقي العادي دون الكثير من التفكير.

فعلى عكس زملائه من مخرجي الموجة الجديدة، ترتبط أفلام هاني أبو أسعد بالقضية الفلسطينية، لكن كمحطة انطلاق فقط، وعند الوصول بالحكي لنُقطة مركزية تتغير الوِجهة، ليصبح الفيلم يدور حول الإنسان، والأسئلة التي تؤرقه عن الهوية، ما هو الصواب والخطأ؟ الجنة أم النار؟ الجُبن أم التضحية؟

كُل هذا من خلال رواية تفاصيل اليومي بشكل ينجح في إرواء عطش المُشاهد من ناحية الإثارة، فينغرز معه المشاهد في تفاصيل لم يعرفها، وفي مناطق لم يدخلها من قبل، ويُعامل الفرد الفلسطيني كشخص طبيعي ويحكم عليه من وجهة نظر إنسانية غير مسيّسة، وفي نهاية أفلامه لا يتمكن أبطاله من الإفلات من الرقابة، وبالتالي تبقى هويتهم مضطربة.

أحمد الخطيب

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى