ثقافة وفن

سينما فلسطين.. ما سقط من القضية باقٍ في “باب الشمس”

“لكل بداية بداية ولكل حكاية حكاية”.. إلياس خوري، أديب لبناني

في جزئه الأول (الرحيل) يحكي فيلم “باب الشمس” 2004 للمخرج المصري يسري نصر الله قصة النزوح واللجوء الفلسطيني، كتغريبة سينمائية عن معاناة الفلسطيني بين شتات المخيمات وعنف العقوبات الجماعية والإخلاء القسري من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي. تتداخل الحكايات وأبنية الحكي والشخصيات على نحو بانورامي، بإيقاع سردي رشيق

أن نأكل فلسطين

فيلم باب الشمس
فيلم باب الشمس

في “باب الشمس” الذي تبدأ أحداثه عام 1943 في قرية “عين الزيتون” بمنطقة “الجليل”، تتقاطع قضية فلسطين مع القضية الشخصية لـ”يونس”؛ وهو رجل يحاول تحرير بلده ومجابهة خطر القبض عليه من قبل الاحتلال، ويتسلل خلسة طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من لبنان إلى الجليل الفلسطيني لمطارحة زوجته وحبيبته “نهيلة” الغرام في مغارة “باب الشمس” في الجليل الفلسطيني، ويعود لينضم إلى زملائه الفدائيين في تنظيمات المقاومة الفلسطينية.

يستهل يسري نصر الله “باب الشمس” بمشاهد من مخيم “صبرا وشاتيلا” بلبنان عام 1994، حيث يُلقي “يونس” الفدائي العجوز، السلام على “أم حسن”، صاعدًا السُلم متجهًا إلى شقة ابنه الروحي “د.خليل “. تستوقفه أغصان شجرة معلقة على الجدار تتدلى منها حبات البرتقال، وحينما يسأل عن مصدرها يجيبه “خليل” بأنها برتقال أتت به “أم حسن” من فلسطين.

ينتزع “يونس” حبات البرتقال ويقشرها، قائلًا وهو يُطعم خليل البرتقال في فمه: “دوق.. علينا ألا نعلق الوطن ليعطب على الجدار،علينا أن نأكل برتقال الجليل وبرتقال فلسطين كله، بل علينا أن نأكل فلسطين”.

“ناكل فلسطين”، تلك الجملة الحسية الملهمة، تعني عيش فلسطين والبعد عن تنميطها أو سجنها في صورة رمز أيقونة أو شعار.

اقرأ أيضًا: الرابر “شب جديد”.. فلسطينيون بالقضية ومن غيرها

برهافة شديد يلتقط “نصر الله” بهذا المشهد خيط السرد الناظم لرؤية الأحداث، لينفذ بنا إلى لُب الحكاية عبر تمزيقها والتهامها والاستمتاع بها “قطمة قطمة”، فيروي عبر فيلمه سيرة فلسطين عبر قصص الحب والشتات، حكايات تتأرجح بين اللذة والمرارة تماما كطعم برتقال فلسطين.

يسترد “نصر الله” حقه الشخصي في سرد سيرة فلسطين والبشر كحكايته هو الشخصية عبر نسجها في فضاءات شعرية وسينمائية وإنسانية وعاشقة أرحب، منتزعًا إياها من ضجيج الشعارات والقوالب الأيديولوجية والتعبوية التي علبّت فلسطين في أيقونة “القضية”.

يحكي المخرج يسري نصر الله في إحدى الندوات التي أعقبت عرض الفيلم، أن ما استوقفه عند قراءة رواية “باب الشمس” للروائي اللبناني إلياس خوري، ودفعه لصناعة الفيلم هو جملة بليغة سطرها “خوري”: “أنت لست بطل لأنك مقاتل، أنت بطل لأنك عاشق”.

الكوما الفلسطينية 

خليل يحاول إفاقة يونس في فيلم باب الشمسس
خليل يحاول إفاقة يونس في فيلم باب الشمسس

تتداخل حكايات “باب الشمس” فتبدو قصة حب “خليل” لـ”شمس” في الثمانينيات والتسعينيات وكأنها متوالية موسيقية لقصة حب “يونس” و”نهيلة” في الأربعينيات.

تتوالى أحداث الفيلم، فتنزع “شمس” نفسها من أحضان “خليل” لتقتل زوجها السابق “سامح أبو دياب”. تنتشر المليشيات الفلسطينية في مخيم صبرا وشاتيلا بحثًا عن “خليل” و”شمس” لتصفيتهما بعد أن اتُهم بالتواطؤ معها في قتل “أبو دياب”، يختبئ “خليل” عند “أم حسن”.

يسقط “يونس” في غيبوبة فيهرع “خليل” و”أم حسن” لإنقاذه ويدخلانه المستشفى. رقاد يونس في غيبوبته يمكن تأويله كمعادل بصري لحالة الموت السريري التي أُصيبت بها القضية الفلسطينية وخبو جذوة انتفاضتها الأولى عام 1987 بتوقيع اتفاقيات أوسلو 1993، وأزمات الفلسطينيين مع محيطهم العربي في أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991.

تتشابه محاولات بعث الحياة في القضية الفلسطينية مع محاولات “خليل” في إفاقة أبيه الروحي، دون جدوى، وهو يقص على “يونس” في غيبوبته، وعلينا، سيرته الأولى مع “نهيلة” في “عين الزيتون” ومغارة “باب الشمس” ويتذكر “خليل” قصة حبه هو لـ”شمس”. خليل يحاول أن يهون الأمر على نفسه وهو يجابه مأساة “الكوما” والموت القريب ليونس.

أجاد “نصر الله” الفيلم في توظيف شخصية “خليل” كراوي للأحداث عبر بناء السيناريو المحكم الذي شارك فيه كتابته مع الروائي “إلياس خوري” والكاتب “محمد سوّيد”.

أهمية شخصية “خليل” للأحداث تنبع أنه يتحرك كراوي عبر زمنين، زمن حكايته مع “شمس” في لبنان 1994، وزمن حكاية “يونس” و”نهيلة” بالجليل في فلسطين في خمسينيات وستينيات القرن الـ20.

عبر سرده لسيرة “يونس” يساهم “خليل” في تكثيف الأحداث بجمل حوارية بليغة وبسيطة، وأحيانًا تقع مشاهد “يونس” و”خليل” في فخ المونولوجات الطويلة، لكن حدتها تنكسر مع حكي “خليل” عن شجاعة “يونس” في مقاومة الهزائم، كشخص لا يعترف بنهاية مذلة أبدًا بل يردد “من الأول” أي لنعاود النضال كرّة أخرى، مستنهضًا همم من حوله لمقاومة الاحتلال.

تظهر اهمية الحكي حين يتحدث “خليل” عن رفض “يونس” تفجير ملجأ أطفال إسرائيليين ورفضه قتل المدنيين كيلا يتماهى مع جلاديه الصهاينة في العنف، وكذلك نقده لخطف الطائرات وقتل المدنيين والمشاركة الفلسطينية المسلحة في حرب لبنان الأهلية.

فحكي “خليل” على رأس “يونس” في “الكوما” أقرب إلى المناجاة منه إلى الحوار ودلالة ذلك واضحة: أجيال القضية الفلسطينية تناجي ذاكرتها في غرفة الإفاقة وجسدها راقد في حالة موَاتٍ السريري.

كذلك تدل وظيفة “خليل” كطبيب على أن حكيه أقرب إلى تشخيص وتشريح المسألة الفلسطينية، يحكي مثلًا:  لما وقعت هزيمة الـ 1967 صرخ يونس: “من الأول”.

وحين سألته أم فلسطينية عن ابنها في أعقاب “أيلول الأسود” 1970 قال لها “من الأول يا مرّة”.

وصاح بـ “من الأول” مجددًا عقب الاحتياج الإسرائيلي للبنان 1982.

من باع الأرض؟

فيلم باب الشمس
فيلم باب الشمس

في الفيلم نلاحظ بيع الأراضي الفلسطينية للصهاينة من قِبَل “مخاتير” الأتراك البكوات الذين يملكون أراضٍِ في الشام ولبنان وفلسطين، ويعمل الفلسطينيون بجوارها في أراضيهم الصغيرة كمزارعين.

وبموازاة صفقات بيع الأرض ينعقد اتفاق بين “الشيخ ابراهيم” مع “أم نهيلة” على تزويج ابنه “يونس” بابنتها، كمعادل اجتماعي لمنطق “البيعة والشروة”. “أم نهيلة ” تريد التخلص منها، والشيخ “إبراهيم” يريد تزويج ابنه حتى يكوّن عُزوّة تحميه من غوائل الزمن.

في “اغتسال العرس” يدور حديث بين “يونس” وأمه عن رغبته في الزواج من فتاة شلبية (جميلة ومَرِحة) رغم أن “يونس” مراهق أقرب للطفولة مثل “نهيلة”؛ فكان زواجهما “زواج قاصرات”، وهي عادة تتميز بها أغلب المجتمعات الزراعية، ويكتمل المشهد في هذا السياق بحلاقة شعر رأسه ما عدا مقدمته لتظهر أطرافه الأمامية فقط من أسفل الطاقية تمامًا مثل الفلاحين المصريين.

“باب الشمس” حاشد بتوصيف بصري نادر لأنماط الحياة الاجتماعية وعادات الزواج، ففي مشهد العرس تُقبل “نهيلة” الطفلة على عريسها الصغير “يونس” بأصابع عشرة مشتعلة من الشمع.

وفي ليلة الدخلة يعترف “يونس” لـ”نهيلة” بأنه عضو في ميليشيات “عز الدين القسام” المناهضة للاحتلال الإنجليزي والدوريات الإنجليزية ويكافح استيلاء الصهاينة على الأراضي الفلسطينية في جبال “الجليل”  الواقعة بالقرب من حدود “لبنان” الجنوبية.

يتواطأ “يونس” بنُبل مع “نهيلة” ضد العادات الذكورية المرتبطة بـ”الدخلة البلدي” ودم فض غشاء البكارة، فيكتفيان ببعض الدماء التي نتجت عن إصابة ركبتها إثر سقوطها ليلة العُرس، ويخرج “يونس” بمنديل يحمل قطرات دم الركبة إلى أمه حتى تزغرد فرحًا بتأكيد عذرية عروس ابنها.

محاكاة أجواء القرى الفلسطينية في فيلم باب الشمس
محاكاة أجواء القرى الفلسطينية في فيلم باب الشمس

ما يبدو لافتًا هو براعة مدير التصوير الراحل “سمير بهزان”  بالتعاون مع المخرج وبالتنسيق مع مصممة الأزياء “ناهد نصر الله” ومهندس الديكور “عادل مغربي” في استلهام ومحاكاة أجواء القرى الفلسطينية وجمالياتها، خاصة في ديكورات قرية “عين الزيتون”.

فنلاحظ إتقان تفاصيل الأبواب الخشبية وآبار المياه وملء الجرار والأحواض وألوان البيوت الحجرية البيج والبني وفرش المنازل بالكليم النبيتي، بالإضافة إلى تناسق الألوان في مشاهد غسيل الملابس في طشت النحاس ومشاهد الفلاحة في الأراضي الزراعية وأزياء الفلاحات الفلسطينيات أثناء الحصاد والتهجير.

وتظهر البراعة أيضًا في تنسيق المناظر وخلفيات المشاهد ما بين ألوان المزارع وأشجار الزيتون والليمون الأميل إلى الصفرة، كما في مشهد لقاء “يونس” و”نهيلة” هي تحمل الفأس وهو يحمل السلاح (البارودة).

فيما ساهم توظيف الألوان الصفراء والبرتقالية والذهبية الدافئة  الأميل لألوان لحظات العصرية أو الغروب أو وقتGolden  Hour  في أغلب مشاهد الفرح أو الحزن والزراعة، في إضفاء مسحة شاعرية على أغلب مشاهد الفيلم، سواء في مشاهد لقاء “يونس” و”نهيلة” في مغارة “باب الشمس” الدافئة أو في مشاهد حصاد ثمار الزيتون والليمون، والتي تشبه جماليات لوحات الفنانين الانطباعيين.

يظهر ذلك بوضوح كامل في اللقطة التالية على صوت “نهيلة” الهامس تناجي “يونس”:

“شوفتك بالمنام وضو الشمس وراك زي النبي إيليا”

ساهم توظيف الألوان الصفراء والبرتقالية والذهبية الدافئة في إضفاء مسحة شاعرية على فيلم باب الشمس
ساهم توظيف الألوان الصفراء والبرتقالية والذهبية الدافئة في إضفاء مسحة شاعرية على فيلم باب الشمس

أجاد “نصر الله” في إخراج الفيلم بإيقاع هادئ بلقطات طويلة زمنية مع الإقلال من “القطع” (المونتاج) حفاظًا تدفق الإيقاع؛ حيث تسمح اللقطات الطويلة للممثلين/ات بإبراز مهاراتهم التمثيلية والحركية وعلاقتهم بالمكان، كما تسمح بامهال المشاهد/ة هضم الأحداث وتدبرها ببطء وسلاسة.

وتجدر الإشارة هنا إلى نعومة الانتقالات الزمنية التي نفذها المخرج بالتعاون مع مونتير العمل “لوك بارينه” خاصة في مشاهد مرور الفلاحين بجوار مستوطنات الصهاينة الزراعية /العسكرية “الكيبوتز” وأبراج المراقبة التي تعلوها الكشافات الصهيونية والأسلاك الشائكة بينما الفلاحات الفلسطينيات عائدات لبيوتهن، مُظهرًا ترقب المواجهة بين الطرفين.

راعى “نصر الله” في توجيهه لممثليه، تشديد أهل “الجليل” وقرية “عين الزيتون” في نطقهم لحرف القاف، بصورة مشابهة لنُطق أهل “جبل الدروز” بلبنان، ومشابه لتشديد أهل “تونس” في الحرف نفسه، مما سهل على “ريم تركي” الممثلة التونسية إتقان اللهجة والاندماج في شخصية “نهيلة” التي لعبتها بجدارة.

في “باب الشمس” كسر نصر الله المقاييس النمطية لهيئة “البطل” ذي الرشاقة الهوليودية؛ فـ”يونس” الفدائي ممتلئ قليلًا وأقرب للبدانة.

ويتجلى كسر النمطية بأوضح شكل ممكن في مشهد مغازلة “يونس” لـ”نهيلة” وهو يشير لاستدارتها وامتلاء بطنها: “إنتي مدورة كيف التفاحة” لترد عليه نهيلة بسرعة بديهة وخفة دم مشاكسة “إنت كمان مدور كيف التفاحة” إشارة منها إلى امتلاء جسده هو أيضًا.

وفي مشاهد النزوح القسري عبر القرى والمخيمات يظهر حُسن توظيف المخرج لموسيقى “تامر كروان” بما تحمله من شجن ووجد، دون ميلودرامية زاعقة.

ويُظهر الفيلم تلصُص “نهيلة” على مهارات فتيات أوروبا الشرقية اليهوديات في المستوطنات المقابلة لمزارع “عين الزيتون” وتشميرها البنطال كي يبدو كـ” شورتات” الأوروبيات وثيابهن العملية.

ويُظهر أيضًا توق “نهيلة” إلى التعلُّم مثل الصبيان، واصطدام رغبتها تلك مع حماتها “أم يونس” التي تعارضها كممثلة للنظام الأبوي الذكوري، قائلةً: “نحن النسوان ما نقراش كتب، نقرأ القرآن وبس” وتحاول استظهار بعض الآيات القرآنية، لكنها تعجز عن ذلك فأقصى ما وصلت إليه هو تلاوة “الفاتحة” غيبًا وهي تُمسك بالمصحف المفتوح من منتصفه.

هامش على تاريخ السطو

نزوح الفلسطينينن عقب النكبة
نزوح الفلسطينينن عقب النكبة

يتناول “باب الشمس” أحداث ما قبل نكبة 1948؛ حيث وقعت أولى المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني ونجم عنها إنشاء أول مخيم للاجئين في مخيم “شعب” بمنطقة “الجليل”.

كما يعرض وقائع ما بعد النكبة وقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين الفلسطينيين، أصحاب الأرض العُزل، وعصابات السطو المسلح من لصوص المستوطنات والعصابات الصهيونية “الهاجاناه” الأوروبيين اليهود.

يسلط الفيلم الضوء في البداية على المستوطنين وتراصهم في طوابير ومارشات عسكرية أقرب لطوابير النازية، يلحقه مشهد هجوم وحدة “البلماخ” وعصابات “الهاجاناه” (نواة الجيش الإسرائيلي فيما بعد) على قرية “عين الزيتون” في جنح الظلام وإخلاء الأهالي قسريًا وتدمير بيوتهم والاستيلاء عليها ودحرجة البراميل المتفجرة من أعلى التل.

وأثناء نزوح أهل القرية وحرق بيوتهم تصيح فيهم مكبرات الصوت الصهيونية: “ممنوع على العرب التواجد في هذه المنطقة” تلك المشاهد تكاد تتطابق مع مشاهد إخلاء الفلسطينيين من بيوتهم بحي “الشيخ جراح” في القدس الشرقية حاليًا، وقصف الطيران الإسرائيلي لأبراج غزة ومبانى وكالات الأنباء وأحياء المدنيين الفلسطينيين، واستهداف المدنيين العزل وقتلهم.

تتوالى مشاهد أسر أهل القرية تحت وهج الشمس، وقتل الأسرى الفلسطينيين المدنيين وإلقائهم في قبور جماعية، وصرخات النسوة والأطفال بعد قتل الشباب والرجال وسط أطلال البيوت وأدخنة الحرائق لتبدأ محنة النزوح الفلسطيني.

وتتضح هنا الرسالة من التوظيف الدرامي لتنفيذ المذبحة علنًا في النهار؛ فالصهيونية ترتكب جرائم الحرب ضد المدنيين الفلسطينيين العُزل في وضح النهار.

الذاكرة.. نثار المحو والعنف

إلياس خوري
إلياس خوري

في أحد لقاءاته التليفزيونية ذكر إلياس خوري أنه عقب إصداره روايته “باب الشمس” عام 1998 تعرّف في ألمانيا على مؤرخ إسرائيلي معارض للصهيونية؛ روى له أنه كان يناقش أمه التي قرأت عن مذبحة “عين الزيتون” التي ذكرها خوري في “باب الشمس” ضمن مقال عن الرواية في جريدة هآرتس الإسرائيلية، وأنكرت الأم التي كانت مقاتلة مسلحة ضمن فرقة “بلماخ” ارتكاب أي مجزرة بحق الفلسطينيين في “عين الزيتون”.

قالت الأم لابنها المؤرخ: “كنت هناك. هذا كذب. لم يحدث شيء في عين الزيتون” وقررت مراسلة”هآرتس” لنشر شهادة تنكر فيها حدوث مجزرة في “عين الزيتون”.

روى المؤرخ فيما بعد لإلياس خوري، أن الأم هاتفت ابنها وهي تبكي عبر التليفون، قائلة: حين كنت أكتب ردًا على إلياس خوري، تذكرت ما محوته من ذاكرتي: نعم  هذه المجزرة حدثت.

علق “إلياس خوري” على ذلك قائلًا: الشعب الفلسطيني محروم من الوثائق، سُرقت منه كما سرقت أرضه، لذا فالأدب والسينما منوط بهما استعادة السردية الأولى للشعب المُهجَّر.

حين يتحدث الفيلم عن المحنة الفلسطينية يتحرك من أرضية فريدة يحكي عنها “إلياس خوري” في رواياته: “الموقف الثوري العميق ينطلق الآن من اليأس، والحقيقة ينطلق مما بعد اليأس، تنطلق من افتراض أن الهزيمة حاصلة وتظل صامدََا.. ساعتها.. أنا أرى أن ما بعد اليأس يعطي شيء يمكن أن نسميه أمل”.

يروي إلياس خوري عن حادثة مُلهمة وقعت في 2013، أنه في يومٍ ما هاتفه صديق له من فلسطين قائلًا: “سمعت؟ عمرّوا قرية إسمها (باب الشمس) ظن خوري أن صديقه يمزح، ثم توالت الأنباء من فلسطين تُفيد بأنه حين قررت سلطات الاحتلال تخصيص قطعة أرض فلسطينية لإنشاء مستوطنات إسرائيلية عليها، قام حوالي 250 شابًا وفتاة من أبناء فلسطين باحتلال قطعة الأرض تلك وانتزاعها من الإسرائيليين وبنوا عليها قرية سموها “بيت الشمس”.

يضيف “إلياس خوري”: “قالوا إنهم سموا القرية على اسم الرواية، وطبعًا حكوا معي وحكينا فيديو وحكينا سكايب، وعملت خطاب، والحقيقة أنا لم أشعر بأن الحياة تعطيك أكثر مما تستحق أكثر من هاي اللحظة اللي فيها الأدب يتحول إلى واقع.. والشباب والصبايا أُحتلت ضيعتهم، إجوا الإسرائيليين هدّموها .. رجعوا بنوا ضيعة أخرى سموها (أحفاد يونس) بطل (باب الشمس) ورجعوا عمروا الضيعة تالت مرة. 3 مرات بنيت هذه القرية و دُمرت، وعملوا مجلس بلدي للقرية وعطوني المواطنة فيها، فأنا هلأ مواطن من قرية مدمرة ومُهجرة وأطالب بحقي بالعودة بالمعنى الشخصي غير المعنى السياسي”.

ويبقى الفيلم يلوح بحكاياته العذبة عبر الذاكرة والمخيال ما بقيت فلسطين، أو كما قال “يونس”: من الأول!

إسلام ميلّبا

مخرج سينمائي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى