شارلي إبدو

أزمة المجتمع الفرنسي أم الإسلام؟

صباح الثاني من سبتمبر الجاري أعادت صحيفة “شارلي إبدو” الفرنسية نشر الكاريكاتير المسيء لنبي الإسلام محمد (ص)، والذي أسفر نشره سابقًا عن مقتل اثني عشر عاملًا بالصحيفة، من بينهم صحفيون بهيئة تحريرها، في هجوم وقع في يناير عام 2015، وتزامنت إعادة النشر مع محاكمات المتهمين في هجمات باريس الإرهابية، التي وصل عدد ضحاياها إلى سبعة عشر قتيلًا.

لـ”شارلي” تاريخ صدامي طويل مع الأصولية الإسلامية، ففي عام 2006 أعادت نشر كاريكاتير عن النبي محمد، كان قد نُشر في صحيفة Jyllands-Posten الدنماركية قبل عام، وأثار انتقادات واسعة من قِبَل المسلمين. وعقب ذلك بخمس سنوات نشرت رسومًا أخرى ساخرة من نبي الإسلام، رآها غالبية المسلمين مستفزة لمشاعرهم الدينية؛ إلا أنه في تلك المرة تخطى الأمر الاحتجاج السلمي، وأحرق غاضبون مقر الصحيفة بزجاجات المولوتوف، كما تم اختراق موقعها الإلكتروني.

التجديف وأغلال اليسار الأوروبي

يرى مؤيدو موقف الصحيفة أن السخرية حق مكفول دستوريًّا، وفرنسا منذ الثورة كفلت حق التجديف الديني والسخرية من الرموز الدينية أيًّا كانت، ومهما بلغت حساسية الآخر، كما يرون “الصوابية السياسية” التي بات اليسار الأوروبي والجماعات المناهضة للإسلاموفوبيا، والحركات النسوية، وروابط المثليين، يفرضونها على الفرنسيين، أنها خانقة للروح الفرنسية الحرة، وتعصف بنموذج المجتمع العلماني الفرنسي.

ماكرون، رئيس فرنسا

ينحاز موقف فرنسا الرسمي بزعامة رئيسها “إيمانويل ماكرون”، لجانب صحيفة “شارلي”. “ماكرون” اختيار الطبقة السياسية لتفادي تطرف مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية في الانتخابات الرئاسية السابقة “مارين لوبان”، صرّح حول غلاف “شارلي” الأخير قائلًا: “كرئيس للجمهورية، لا يجب أن أعلق أبدًا على خيارات تحريرية لصحفي أو صحيفة، لأن هناك حرية الإعلام”. مضيفًا: “في فرنسا هناك أيضًا حرية التجديف، وعليه ومن حيث أقف، يتوجب عليّ حماية كل هذه الحريات”.

ثغرة في خطاب اليمين الفرنسي
إيمانويل تود

يقف “إيمانويل تود” المؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي الشهير، عكس هذه الرؤية ومعه تيار كبير من اليسار. فبعد مرور خمسة أشهر على هجمات باريس أثار جدلًا واسعًا بصدور كتابه في مايو من العام نفسه تحت عنوان “من هو شارلي؟”، حلل خلاله المظاهرات التي حشدت لها فرنسا ملايين الفرنسيين عقب الهجمات، واصفًا ردة الفعل هذه بالمبالغ فيها. بل واعتبر مساندة النظام لها محض محاولة للتستر على فشل الطبقة السياسية في حل أزمة العدالة الاجتماعية، التي تجلّت منذ عشر سنوات في تمرد الضواحي الكبير، وهي مظاهرات وقعت بين الشرطة وسكان الضواحي الفقيرة، التي يشكل فيها المهاجرون غالبية، بعدما تعرض شاب للموت صعقًا وهو يحاول الاختباء من الشرطة خلف كشك كهرباء، انتهت بأحداث شغب وحرق للسيارات.

يعتقد “تود” أن: “إدانة العمل الإرهابي لا يترتب عليها تقديس شارلي إبدو. إن حق المرء في ازدراء دينه لا يجب أن ينسحب على حقه في ازدراء دين الغير، وبشكلٍ خاص في السياق الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي يسم المجتمع الفرنسي حاليًّا”. كما قارن الباحث بين ما يحدث للمسلمين اليوم بما وقع لليهود قبل الحرب العالمية الثانية، حيث سبقت جرائم الإبادة الجماعية رسوم كاريكاتورية لليهودي ذي البشرة السمراء والأنف المعقوف وزعت على نطاق واسع، وساهمت في تنميط اليهود على مستوى القارة.

مظاهرات مؤيدة لشارلي إبدو

ويرى “تود” أن الخطاب الإعلامي كان هستيريًّا خلال حشد التظاهرات المنددة بما وقع بصحيفة “شارلي” في يناير 2015، وقد أغفل عمدًا مطلب المساواة، بالرغم من أنه القسم الثاني من شعار الثورة الفرنسية “حرية، مساواة، أخوة”. ويزعم أن الجمهور الذي تراوح تعداده بين ثلاثة إلى أربعة ملايين يقتصر على الطبقة الوسطى والعليا، أصحاب الدخول والتعليم العالي، بينما غاب فقراء فرنسا. واعتمد في زعمه على استخدام الخرائط والإحصاءات، محاولًا من خلال تحليل سوسيولوجي استشفاف من كان مدعيًا للحضور، ومن كان مستبعدًا من طقس فرنسا القومي.

وقد سخر “تود” بشدة من محاولة الإعلام الفرنسي استنطاق الأقلية المسلمة وقتها، وجعلها تردد معه “أنا شارلي” على شاشات التلفزيون، مرغمًا إياها على قبول التجديف في حق مقدساتهم عُنوة. وهي الممارسات التي أسماها بـ”الومضة الفاشية”.

البحث عن أشباح الإسلام
مظاهرات رافضة لشارلي إبدو

بعد كل حادث إرهابي ينكب المتجادلون في الشرق الأوسط على النص، يبحث قسم منهم عن نصوص التسامح في المصادر الإسلامية الدينية، ليبرهن على قابلية الإسلام للتعايش. ويبحث القسم الآخر عن النصوص التي تحض على العنف، للتأكيد على أن العنف كامن داخل النصوص الإسلامية، والذي لا يحتاج لكثير كي يترجم نفسه في أحداث إرهابية. بينما يغيب عن رؤية كلا الطرفين المسلمين أنفسهم، مما يعطي إيحاءً بأن النص الديني منفصل تمامًا عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعيشه المسلم. وبالرغم من التعارض الظاهري لتصورات الفريقين، يبدو أن كليهما يغذيان التطرف.

يحتل المسلمون خُمس التعداد البشري، لكنهم متنوعون من حيث طبقاتهم الاجتماعية ومواقفهم الإيمانية، والسياقات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي نشئوا فيها، بحيث يمكن الزعم أن هناك أكثر من مليار ونصف نسخة من الإسلام. فإسلام وسط آسيا ومشكلاته الموروثة من عهود الاستعمار، يختلف كليًّا عن إسلام أوروبا الموسوس بكراهية الأجانب، والمرتبط بدولة قومية شديدة السيطرة والتحكم، وكلاهما يختلفان عن الإسلام العربي الذي يشهد لحظة انسداد صعبة معبرة عن إفلاس مشروع دولة ما بعد الاستعمار.

إن الحديث باسم الإسلام، باعتباره نسخة واحدة جامدة لا تتأثر بأي سياق محيط، سواء كان الحديث دفاعيًّا أو هجوميًّا؛ يخلق وهمًا لدى المسلمين بأنهم تكتل واحد عابر، الشيء الذي ينمي الشعور بالتهديد الجماعي، ويعزز الهستيريا. إن أنسنة الإسلام، ومحاولة فهم كل حالة حسب معطياتها، ربما يكون الحل الأمثل لمنع اختطاف عدد صغير من المسلمين لهذا العدد الكبير الموزع على قارات العالم ودوله.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

معتز حجاج

صحافي مهتم بالشؤون الثقافية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram