سياسةمختارات

“شارلي إيبدو” إلى ساحات القضاء؟

 

شجب وتنديد ومقاطعة، وانتقادات عديدة تواترت خلال الأيام الماضية، على خلفية التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تكريسًا لفكرة مفادها أن فرنسا لن تتخلى –من وجهة نظره- عن مبدأ الحرية في نشر الرسوم الكاريكاتورية (بعض هذه الرسوم أساء للنبي محمد “ص”).

تصريحات ماكرون أتت على خلفية جدل فرنسي داخلي، عقب حادثة مقتل المعلم صمويل باتي الذي قُطِع رأسه في أحد شوارع العاصمة باريس، بسبب عرضه الرسوم الكاريكاتورية المسيئة على تلاميذه في فصل دراسي.

التنديد بالمواقف الرسمية الفرنسية لم يتوقف عند حد استنكار المسؤولين الرسميين في الدول الإسلامية، بل امتد الأمر إلى صدور قرار من مجلس حكماء المسلمين بمقاضاة صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، المسؤولة عن نشر هذه الرسوم.

شارلي إيبدو

القضاء الفرنسي

قرار المجلس بالاتجاه إلى القضاء واتباع المسلك القانوني في الاعتراض على سلوك الصحيفة الفرنسية، يعتبر –وفق بيان المجلس- “أولى الخطوات الفعلية في التصدي للتصريحات الفرنسية، وهو نابع من رفض المجلس الشديد استخدام لافتة حرية التعبير في الإساءة لنبي الإسلام محمد ومقدّسات الدين الإسلامي، فحرية التعبير لا بدّ من أن تأتي في إطار من المسؤولية الاجتماعية التي تحفظ حقوق الآخرين ولا تسمح بالمتاجرة بالأديان في أسواق السياسة والدعاية الانتخابية”.

برئاسة الإمام الأكبر #أحمدـالطيب عبر الفيديو كونفرنس …*
#حكماءـالمسلمين ” يقرر تشكيل لجنة خبراء قانونية لمقاضاة “#شارلي_أبيدوhttps://t.co/75fX1VqoMV pic.twitter.com/feOtERJeLV

— مجلس حكماء المسلمين (@MuslimElders) October 26, 2020

وفي أعقاب الاجتماع الذي عقده المجلس برئاسة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، أمس الاثنين، تقرر تشكيل لجنة من مجموعة خبراء في القانون الدولي لدراسة جوانب إقامة الدعوى، وفي معظم الأحوال، فإن أي دعوى قضائية يمكن أن تتحرك ضد الصحيفة الفرنسية ستكون أمام المحاكم الوطنية الفرنسية، باعتباره القضاء الوطني صاحب الاختصاص للفصل في مثل هذه “الانتهاكات” وفق ما ذكر أستاذ القانون الدولي، أيمن سلامة، لـ”ذات مصر”، وبالطبع “في حال التأسيس على أن الصحيفة الفرنسية انتهكت التشريعات الوطنية الفرنسية الخاصة بحرية الضمير أو حرية التعبير”.

ووفقا لسلامة- “يجب على المُدعين أن يقدموا لهيئة المحكمة الدفوع القانونية اليقينية بأن الجريدة الفرنسية قد انتهكت التشريعات الفرنسية الوطنية وازدرت الدين الإسلامي، خصوصًا وأن الرئيس الفرنسي لا يتحدث عن حرية الرأي إلا وفقًا لاستشارة مؤكدة من مستشاريه القانونيين عن العواقب القانونية لما يتلفظ به”.

أيمن سلامة


إثارة التحيز!

حتى الآن لا توجد سيناريوهات متوقعة لسير هذه الدعوى، ولكن قبل عامين وفي نفس السياق، كان للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرار بشأن إهانة الدين الإسلامي والنبي محمد، إذ قضت لجنة مكونة من 7 قضاة بأن إهانة رسول الإسلام لا تقع ضمن حرية التعبير، وأن التشهير بالنبي “يتجاوز الحدود المسموح بها للنقاش الموضوعي ويمكن أن يثير التحيز ويعرض السلم الديني للخطر”.

وجاءت قرارت المحكمة على خلفية إساءات وجّهتها مواطنة نمساوية للنبي محمد خلال ندوات عقدتها في عام 2009، ووجدت المحكمة أن “تصريحات السيدة من المرجح أن تثير استياءً مبرَّرًا لدى المسلمين وتصل إلى حد التعميم دون أساس واقعي”، فأدانتها محكمة نمساوية بتهمة الاستخفاف بالعقائد الدينية في عام 2011 وغرمتها 480 يورو (548 دولارًا) وهو حكم تأيد في استئنافين.

وبعد موجة استئنافات متتالية من السيدة أمام المحاكم المحلية، لجأت الأخيرة إلى المحكمة الأوروبية بحجة أن المحاكم المحلية فشلت في معالجة جوهر التصريحات المطعون فيها، بزعم أنها جاءت في إطار حقها في حرية التعبير. لكن جاء قرار المحكمة الأوروبية بأن “المحاكم المحلية أجرت تقييمًا شاملاً للسياق الأوسع لتصريحات المدعية، ووازنت بعناية حقها في حرية التعبير مع حق الآخرين في حماية مشاعرهم الدينية، والحفاظ على السلام الديني في النمسا”.

قرار المحكمة الأوروبية

احترام ديني مزعوم؟

وتُعرِّف وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية على موقعها الرسمي فرنسا بأنها جمهورية غير قابلة للتجزئة وعلمانية وديمقراطية واجتماعية، تضمن معاملة جميع المواطنين بصرف النظر عن أصلهم أو عرقهم أو دينهم على قدم المساواة أمام القانون واحترام جميع المعتقدات الدينية، وفق نصوص دستور عام 1958.

ومنذ أن دخل قانون الفصل بين الكنيسة والدولة حيز التطبيق في 1905، أرسى القانون علمانية الدولة التي باتت فرنسا في حاجة إليها الآن، بسبب وجود تنوع ثقافي أكبر مما كان عليه في الماضي، لأنها تمكن جميع المواطنين، بصرف النظر عن معتقداتهم الفلسفية أو الدينية، من العيش معًا والتمتع بحرية الضمير وحرية ممارسة الدين.

ويمكن أن يصبح قرار المحكمة الأوروبية حقوق الإنسان، السابق ذكره، هو الأساس الذي يبني عليه فريق الدفاع الدعوى، إلى جانب حشد الدفوع القانونية لرفع هذه الدعوى، خصوصًا وأن هناك “نية وتعمد من هذه الصحيفة لنشر رسوم مسيئة، وهو ما يعد قصدًا جنائيًّا ويركز المسؤولية القانونية عليها”، وفق ما ذكره أستاذ القانون الدولي، مساعد عبد العاطي لـ”ذات مصر”.

مساعد عبد العاطي

حظر قانوني

حتى عام 2016 ظل قانون التجديف أو الكفر، الذي يجرم إهانة الأديان، معمولاً به في منطقة الألزاس- موزيل الفرنسية، وكان ينص على أن “كل من تسبب في فضيحة بالتجديف العلني على الله بملاحظات فاحشة، أو أهان علانية إحدى الطوائف يعاقب بالسجن لمدة 3 سنوات”، ولكن في أعقاب الهجمات على صحيفة شارلي إيبدو في عام 2015، حاول بعض الجماعات الإسلامية استخدام هذا القانون لمقاضاة الصحيفة، فألغى مجلس الشيوخ الفرنسي هذه الثغرة القانونية في أكتوبر/تشرين الأول 2016.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى