وجهات نظر

شاهد على “التقية”

ربما لم يخطر ببال محمد حسين يعقوب حينما مثَّل كشاهد أمام المحكمة في القضية المعروفة إعلاميا بـ”خلية داعش إمبابة”، سوف تُحدِث هذا الدويّ الهائل، المتمثل في صدمة عشرات الآلاف من أتباعه، أو في سيل السخرية الذي انفجرت به مواقع التواصل الاجتماعي، لتهدم في ليلة واحدة ما بناه الرجل من مكانة وحظوة في أنفس المعجبين به عبر سنوات طوال.

لكن شهادة يعقوب، ورد الفعل المدوي عليها، تسلط الضوء على جانب مهم عند الجماعات الدينية، سلفية كانت أم إخوانية، وهو استباحة الكذب والمراوغة متى كان هذا الكذب في صالح الجماعة أو قياداتها، وهو ما يمكن أن نعتبره نموذجا لـ”التقية السنية” التي تمارسها الجماعات عمليا، وتنتقدها نظريا في معرض سردها لمثالب الشيعة الإمامية.

“لا أدري”، “لا أعلم”، “لا أفتي”.. هكذا جاءت أكثر إجابات يعقوب أمام المحكمة، وهي إجابة تنزع عن الرجل كل أشكال المشروعية في ممارسة “الدعوة” لعقود طويلة، فدروس يعقوب ومواعظه وخطبه ومحاضراته التي وجهها دائما لجمهور محدود الثقافة، استمدت مشروعيتها من كونه “يدري” و”يعلم” ما لا يعلمه جمهوره.. ولم تخل تلك اللقاءات اليعقوبية من الفتوى كما يدعي الرجل أمام المحكمة بعد أن حلف يمين الشهادة.

وإذا كانت الفتوى هي إظهار وتبيين الحكم الشرعي، فجمهور متابعي الرجل من أنصاره وخصومه يذكرون له وصفه الشهير لمشاعر حب من طرف واحد، يحملها شاب تجاه تجاه زميلته في الجامعة، دون أن يلمسها أو يكلمها أو ينظر إليها بأنه “زنى”، وبالطبع فإن الجمهور ليس بحاجة لعرف موقف الشريعة من هذه الكبيرة.

يقر يعقوب بأنه حاصل على “دبلوم معلمين” وأنه قرأ كتبا كثيرة كتفسير القرطبي وابن كثير، ثم يقول دون أن يشعر بالتناقض أو تأنيب الضمير: “كل ما قلته هو اجتهادات شخصية”.. هنا ينطبق على يعقوب المثل العامي: “جا يكحلها عماها”.. لأن هذا العلم الشرعي المحدود، والذي يعني أن صاحبه لا يعرف شيئا عن اللغة العربية أو أصول الفقه، أو قواعد الاستنباط، أو الصناعة الحديثية، يستبيح أن “يجتهد”.. لست عالما، لكني أجتهد.. يسوق يعقوب هذه التناقضات وليس له هم إلا الإفلات من المسؤولية عن تضليل آلاف الشباب، وجرهم إلى بئر التطرف والغلو، ووضعهم على أول طريق التكفير والعنف.

وإذا كانت “التقية” عند السلفيين تقضيها بعض المواقف الطارئة، التي قد تسبب حرجا لشيوخ التيار مثلما حدث مع يعقوب أمام المحكمة، فإنَّها عند جماعة الإخوان فكرة بنيوية أصيلة، لا ترتبط بظرف معين.

فـ”التقية السنية”، والكذب على الجماهير، ومراوغة جهات التقاضي والتحقيق، بدأها مبكرا حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، حين قرر أن يكون تنظيما عسكريا سريا سماه “النظام الخاص” لم يكن أكثر قيادات الجماعة يعرفون عنه شيئا، وأيضا حين قرر أن يضم لجماعته أشخاصا في مراكز حسَّاسة دون أن يعلنوا عن عضويتهم التنظيمية، وكان حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة أحد أهم هؤلاء الأعضاء السريين.

ولأن الملاحقة الأمنية كانت ذريعة العمل السري للإخوان في العهد الناصري، فقد كان من المنتظر أن تخرج الجماعة إلى النور في عهد الرئيس السادات، الذي أفرج عن أعضاء التنظيم من القيادات والقواعد، وسمح لهم بالعمل العام في المساجد والجامعات والنقابات، في مواجهة اليسار بشقيه القومي والاشتراكي، إلا أن القيادات المسيطرة على التنظيم تمسكت بالسرية، وبدأت البناء الإخواني من جديد على أساس من الخفاء والعمل بعيدا عن الأعين.

ووضعت الجماعة مناهج يتربى عليها أفراد التنظيم تؤصل لأهمية السرية، ومخاطبة المجتمع والمؤسسات ووسائل الإعلام بخطاب يخالف حقيقة الجماعة، واعتبرت تلك المناهج أن السرية هي اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، الذي عرفت دعوته في مكة مرحلتين: الأولى هي سرية الدعوة وسرية التنظيم، والثانية هي علنية الدعوة مع استمرار سرية التنظيم.

وفي “الأسر” و”الكتائب” و”المعسكرات” درس أفراد الإخوان كلمات فتحي يكن في كتابه “ماذا يعني انتمائي للإسلام”: “لا يجوز أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات, فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق, بل إن ذلك يعد جهلا بالإسلام، وتعريضا للحركة وأفرادها لمكر الأعداء”.

كما درس أعضاء الجماعة كتابات القيادي الإخواني السوري منير الغضبان، الذي يقرر في كتابه “المنهج الحركي للسيرة النبوية” أن “على الحركة ألا تظهر كل أوراقها، اعتمادا على وجود مناخ ديمقراطي، وعليها أن تبقي رصيدا من أشخاصها، وتنظيمها، وحركاتها، ومراكزها سرا، حتى لا تباد لو فكرت الجاهلية بالانقضاض عليها”. ويضيف: “لا شيء أقوى للحركة الإسلامية من أن تتعامل مع حلفائها وأعدائها ببلاهة ظاهرية، بحيث تعرف مخططاتهم وتتظاهر بجهلها لهذه المخططات، كما لابد أن يكون للحركة رجالها في صفوف العدو المحالف”.

وكتب الإخوان تعرف ما يسمى بـ”خطاب الاستضعاف” و”خطاب التمكين”، فالأول يتسم بمودة مصطنعة، وقبول للآخر، لا تظهر فيه الجماعة نواياها، والثاني تكشف فيه الجماعة عن أهدافها ووسائلها دون خوف أو تردد.

ويوصي منير الغضبان شباب الجماعة بأن يتعاملوا مع الحديث الإعلامي لقيادات التنظيم عن “عاطفة الوطن” و”عاطفة الأمة” باعتباره اضطرارا فرضته المرحلة، وليس تبنيا حقيقيا لهذه الأفكار، ويقول في كتابه المقرر على أعضاء الجماعة: “ونود لشباب الدعوة الإسلامية أن يدركوا هذا المعنى ويفقهوه، حين يرون قيادة الدعوة في مرحلة من المراحل تبحث عن قاسم مشترك بينها وبين بعض أعدائها لتجعلهم يقفون في صفها ضد عدو أخطر وأكبر، وحين يرون قيادتهم تقبل الحديث عن عاطفة الوطن أو عاطفة الأمة، أو يتحدثون عن الضعفاء من الفئات المظلومة، بحيث يمثل القاسم المشترك نقاط لقاء مرحلي مع هذا العدو ضد عدو آخر”.

ومما لا شك فيه أن هذا النص من كتاب “المنهج الحركي يكشف بجلاء ازدواجية خطاب الإخوان، واعتمادهم لكلام ومواقف علنية للاستهلاك المرحلي، فبينما تتحدث بعض القيادات في وسائل الإعلام عن عاطفة الوطن ومعاني الوطنية، يدرس أعضاء الإخوان في الأسر أن “الوطنية” فكرة جاهلية، وانتماء أرضي ترفضه أممية الإسلام، كما تطلب المناهج من أعضاء الجماعة أن يتعاملوا مع هذه المواقف العلنية باعتبارها “تمثيلية” تفرضها ظروف المرحلة، وإن امتدت هذه الظروف المزعومة لسنوات وعقود.

إذن، يمكننا أن نفرق بين “التقية” عند السلفيين باعتبارها ممارسة طارئة، وبين “التقية” عند الإخوان باعتبارها فكرة أساسية بنيوية، تعتبر من ركائز التربية الإخوانية.

لذلك، أحدثت تصريحات يعقوب صدمة بين أتباعه، الذين رأوا في كلماته تراجعا أو تنصلا مما كان يقوله في دروسه ومحاضراته، في المقابل، لا يُصاب أفراد الإخوان بهذه الصدمات، ولا حتى بأي قدر من الدهشة، إذا رأوا موقفا مستغربا من أحد قيادات الجماعة.

ومن الأمثلة الدالة على الحالة الإخوانية، ما حدث عندما صرح محمد بديع بعيد انتخابه مرشدا للإخوان، من أن الرئيس مبارك يعتبر والدا لكل المصريين، وأنه لا مانع لدى الإخوان من ترشح جمال مبارك للرئاسة، لأن الترشح حق دستوري لكل مصري.

وبينما شن معظم رموز المعارضة هجوما على بديع، بوصفه يحاول التقرب من السلطة، ويتخلى عن الأنشطة المعارضة للتمديد والتوريث، لم يلق بديع أي اعتراض من داخل الجماعة، ولا أي استنكار من شبابها لأن كل فرد من أفراد التنظيم، فهم تصريحات المرشد باعتبارها خدعة و”تقية” سياسية، يحاول بها المرشد أن يكسب مساحة أكبر لعمل الجماعة السياسي والنقابي.

إقرأ أيضا: لقاء خاص| حسن البنا.. حكاية الأب الروحي لــ”السلفية” في مصر

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى