وجهات نظر

شباب الإخوان أبطال لمسرحية جان بول سارتر

هشام النجار

في خمسينات القرن الماضي رسم أحمد عادل كمال أحد ناشطي التنظيم السري لجماعة الإخوان في كتابه “النقط فوق الحروف” صورةً عن حال شباب الجماعة قبل الصدام مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر، فوصف ثقتهم بالنصر بأنها لا حدود لها وأنه لا ينتابهم أدنى شك في إلحاق الهزيمة بجميع أعدائهم وخصومهم، وكل من تحدثه نفسه أن يقف في سبيلهم المقدس.

وحكى قصةً عكست تأثير التربية الإخوانية القائمة على نزع العضو من واقعه وارتهانه لأوامر القادة بحجة السعي لإخضاع العالم بأكمله للإسلام،  قائلًا: “عندما قرأ بعض الإخوان في جريدة يومية أن طائرات الألمان شنت غارة على لندن، وأنها أصابت البرج الشهير لساعة بيج بن، وكان الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي جالسًا، وهو رجل ضرير من الإخوان فظهر عليه الحزن والأسى، فعجبنا وسأله سائل عما يهمه من أمر بج بن، فقال بلهجة جادة: كنت أريد أن أؤذن من فوق ذلك البرج يوم فتح لندن، قلنا بدعابة فأذن من فوق غيره، فقال في إصرار “كنت أريد أن أؤذن من فوق هذا”، فضحكنا غير أن أعماقنا كانت تقول ربما فمن يدري لعلنا في يوم نفتح لندن”.

سارتر واصفًا الملهاة

يُقابل هذا المشهد مشهد آخر مناقض مستوحى من مسرحية الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر “الأيدي القذرة”، والتي نجد قصتها خير معبر عما يجري اليوم خاصة بين شباب جماعة الإخوان، الذين دفعت بهم القيادة سواء الإخوانية أو التركية لمنطقة توحي بأنهم بالفعل يُضحون خلف قيادة متجردة سيحققون معها المجد المنتظر عمّا قليل، وبعد التضحيات يكتشفون ألا مجد هناك ولا غيره، وأن من دفعوهم لتلك المنطقة الموبوءة بالوهم والخيبات ليسوا أكثر من انتهازيين سرعان ما يعقدون الصفقات والتفاهمات إذا احتدمت أزمة أو عنت مصلحة.

ننتابع الحديث عن التقارب التركي المصري الذي يحمل في طياته تراجعًا من قبل نظام الرئيس رجب أردوغان، بعد كل ما جرى خلال السنوات الماضية من تصدير دعاية من عينة : عودة الخلافة، وزعامة المسلمين، وإخضاع مصر والعالم العربي للحكم الإسلامي المركزي الذي يُدار من أنقرة.. إلخ، عبر استحضار نص سارتر الكاشف، وفيه يُكلِف الحزب الشيوعي الفرنسي أحد كوادره باغتيال زعيم الحزب الاشتراكي الحليف الرئيس له – في أعقاب الحرب العالمية الثانية-، في إطار خطة للانقلاب والاستيلاء على السلطة ضد الزعيم الذي يصفونه بالطاغية والمستبد.

بعد التكليف المصحوب بالتهويل، والعناوين الضخمة، والتلويح بالأهداف المثالية ينُفِّذ الشاب المتحمس مهمته، ويقتل الزعيم الاشتراكي، ويُقبَض عليه، ويُصدَر حكم ضده بالسجن بالأشغال الشاقة المؤبدة.

ثم يُفاجأ الشاب بعد خروجه من السجن أن حزبه الشيوعي بعد صعوده للسلطة قد قرر انتهاج ذات السياسة التي انتهجها الزعيم الاشتراكي الذي قتلوه بيد هذا الشاب من أجلها بعد أن تطورت الآراء، وتبدلت المصالح.

تتحدث المسرحية عن أن خروج هذا الشاب الثائر الغاضب  من السجن إثر إدانته بالقتل جاء بعد ثلاثين عاماً قضاها في محبسه، بعد أن توالت الأحداث على المسرح السياسي لتتاح الفرصة لهذا التنظيم “الثوري” ولحزبه الشيوعي المعارض ليتولى السلطة، فكان أول قرار هو الإفراج عن “الثائر” “البطل”!

في إحدى الجولات يُفاجأ الشاب الذي صار رجلًا في الخمسينات بتمثال لـ”الطاغية” الذي قتله قبل عقود يتوسط أحد الميادين، فسأل رفاقه في دهشة وهم الذين حرضوه على اغتياله لفساده وظلمه وجبروته كما صوروا له، فأجابوه: بأن السياسة تقتضى ذلك!

ليس هذا فحسب بل لم يجد اختلافًا كبيرًا بين منهجهم في الحكم، وأسلوبهم في إدارة البلاد، وملامح تحالفاتهم وقمع معارضيهم عن أسلوب حكم الطاغية الذي قتله بيديه، ولذلك حينما سألوه عن المنصب الذي يريده في إطار هيمنتهم على السلطة قال الشاب مُحبطًا بلا تردد “أنا لم أعد صالحًا للاستعمال”.

اقرأ أيضًا: وحيد الدين خان.. “غاندي” المسلمين الذي فقدناه

سارتر إذ يجسد واقع الإخوان

وعلى الناحية الأخرى يمكن إسقاط نص “سارتر” على الواقع الحالي لشباب جماعة الإخوان الذين مروا بمراحل من خيالات وأوهام وخدع فتح لندن والأذان من فوق برج بيج بن وفق ما يُدرس لهم بكتب التربية الإخوانية، إلى مناشدات شباب الإخوان المسجونين وبحثهم عمن يفتح لهم أبواب السجون المصرية لإنقاذ مستقبلهم، إلى انعدام ثقة قطاع كبير من شباب الإخوان في قادة جماعتهم المتصارعين على مناصب وامتيازات داخل جماعة منهارة وتنظيم مفكك، إلى مواصلة التضليل عبر منتفعين يفتقرون للمهنية والحد الأدنى من المسؤولية والحرفية الإعلامية، إلى صدمة تراجع رأس المشروع وزعيمه الذي كان قادة الإخوان يمدون حبال الصبر الدائبة عبر التهويل من قدراته في انتظار معجزاته التي سيصنعها لإنقاذ المشروع والجماعة.

إنها سنوات طويلة من التضليل المكثف والممنهج الذي مُورِس على عقول شباب الإخوان الذين وصلوا أخيرًا لاكتشاف خط اليأس والإحباط القاتل، وهو أبعد بمراحل من شعور الشاب الشيوعي الثائر في مسرحية سارتر الذي لم يعد صالحًا للاستعمال بعد أن اكتشف مدى هوانه ورخصه في لعبة المصالح وسوق السياسة.

شباب مُبادر وقيادات عمياء

من الضروري التوقف أمام محطات سبقت هذه التطورات الأخيرة أهمها ما جرى بتاريخ أغسطس عام 2019 على سبيل المثال بما يحمله من إشارات، فقطاع من شباب جماعة الإخوان بالسجون أطلقوا مبادرة لإطلاقهم والعفو عنهم مقابل التوبة  واعتزال السياسة، ودفع مبلغ تبرع لصندوق تحيا مصر.

اللافت أنها كانت تنم عن شعور لدى هؤلاء الشباب بأنهم وقعوا ضحية جماعات خدعتهم، وقد فقدوا الأمل في قادتها فبادروا بمعزل عنهم، وعرضوا ما يشبه الصفقة بينهم وبين الحكومة المصرية ما يعني أنهم بحثوا عن حل لأزمتهم بأنفسهم.

أربان لافيلو مراسلة مجلة لوبوان الفرنسية وصفت الالتماس المقدم من 1350 سجينًا مصريًا شابًا محكوم عليهم بمدد تتراوح بين 5 و15 سنة لانتمائهم لجماعة الإخوان ويتفاوضون بأنفسهم مع الحكومة المصرية بأنه اتهام ضمني منهم لزعمائهم بالخارج بالفشل واضمحلال منسوب الثقة بهم.

قد يهمك: فلسفة بنجامين.. وفقه التغيير عن الإسلاميين

لقد جرى هذا قبل عامين ما يعني أن قطاعًا كبيرًا في أوساط شباب جماعة الإخوان فقدوا الثقة في جماعتهم وقادتها منذ فترة ليست بالقصيرة، وهم لم يحجموا فقط عن مطالبة قادة جماعتهم بالتراجع خطوات للوراء لحفظ ما تبقى من التنظيم وليحفظوا لهم أعمارهم ومستقبلهم وحاضرهم وما تبقى من كرامتهم وإنسانيتهم، بل توجهوا برسائلهم مباشرة للدولة كنوع من التوسل للسلطات المصرية لإيجاد مخرج لشباب منهك ومحطم ومحبط.

انشقاقات متتالية

إذن نحن أمام إستنتاجين؛ الأول: شيوع فقدان الثقة المبكر المُفضي للتمرد والانشقاق في أوساط شباب الجماعة، وهي حالة رصدتها دراسات مهمة نشير لاثنين منها تحديدًا، الأولى منشورة في نوفمبر 2019 بالمعهد المصري للدراسات بإسطنبول- وهو يُدار من قبل عناصر مقربة من جماعة الإخوان- بعنوان “شباب الإخوان المسلمين الجيل الثاني من المنشقين“، والثانية دراسة ميدانية ناقشت العديد من شباب وفتيات الجماعة المنشقين بعنوان “لماذا انشققت عن الإخوان المسلمين.. لقاءات حصرية مع شباب المنشقين عن التنظيم” المنشورة بمركز الإنذار المبكر، وتبرهن الدراستين على حقيقة رئيسية مفادها تنامي ظاهرة الانشقاق بين شباب الإخوان نتيجة فقدانهم للأمل والشغف تجاه الجماعة وغياب القيادة الكاريزمية وفشل القيادات في احتواء غضب القواعد وخاصة الشباب منهم.

الاستنتاج الثاني: أننا حتى قبل خطوة تركيا الأخيرة التي تبدي فيها الاستعداد للتخلي عن دعم الإخوان نظير قبول القاهرة الدخول في مسارات تفاوضية لتسوية الملفات الإقليمية العالقة ذات الصلة، كان هناك زحف داخل أوساط جزء شباب الإخوان باتجاه التودد للدولة المصرية لتغفر لهم تهورهم، واندفاعهم خلف قيادات عمياء ورطتهم فيما لا طاقة لهم به.

وتكشف الاستنتاجات السابقة حجم البراجماتية الموجود لدى قادة الإخوان والنظام التركي، فبعد سنوات من شحن شباب جماعة الإخوان ودفعهم باتجاه ساحات المواجهة الخشنة مع المؤسسات والأجهزة المصرية تحت عنوان عدم التنازل عن استعادة السلطة كاملة، توارت مطالب الإخوان وأعلن قيادتها القبول بمطالب أقل مثل الإفراج عن القيادات والقبول بعودة تدريجية للجماعة، وبعد الفشل الكامل وتحول التنظيم وقادته إلى عبء صار التخفف من أثقالهم ضرورة لإنقاذ أنظمة توشك على السقوط ولتحقيق مصالح دول لا ترقى تنظيمات مغلقة رجعية وشخصيات محدودو المواهب والإمكانات لتحقيقها أو الإسهام في تحقيقها.

ففيمَ كان الدم والأرواح التي زُهقت وفيمَ كان تشريد الأسر وضياع مستقبل آلاف الشباب، وما يضاعف من اليأس والإحباط والنفور لدى الشباب أنها ضاعت في مشاريع وهمية لا تتصل بالواقع إلا من جهة النفوذ والقداسة غير المستحقة لأرباع موهوبين مهووسين بالزعامة، وأيضًا من جهة المال الذي يربحه قادة وأمراء ومرشدي الجماعات.

أزمة القيادة الإخوانية

قبل التطور الأخير من قبل النظام التركي حِيال قنوات الجماعة، تعامل قادتها مع حالة تتكرر مع كل دورة أزمة من أزماتها عبر التنصل من الشباب الشاكي والمحبط بحجة قلة تحملهم، وضعف همتهم، وعدم استحقاقهم السير في طريق نصرة الإسلام المليء بالأشواك والصعاب، وفق ما صرح به إبراهيم منير أثناء مداخلة شهيرة له مع قناة الجزيرة القطرية العام الماضي؛ وهو ما اختلف عندما قبل منير المرتبك مؤخرًا في حواره مع الجزيرة مباشر ما كان يرفضه من قبل بشأن التفاوض مع النظام المصري.

هم على دراية بأن الحال وقت المغانم والتنظير والنشاط المفتوح والمسموح به للجماعة في الفضاء العام يختلف عن الحال وقت التنفيذ العملي للفكرة الإخوانية، وما يترتب عليه من صدام ومواجهة مع المجتمع والدولة، لكنهم عمليًا لا يملكون الأدوات وقبلها الرؤى والأفكار التي يديرون بها تلك المراحل محافظين على تماسك التنظيم دون انهيارات وانشقاقات، وفي العادة يدفع الثمن الأكبر الجزء الأضعف في جسد الجماعة ممثلًا في شبابها.

مقابل ما تحرص عليه جماعة الإخوان من تربية للشباب على الطاعة العمياء لقرارات الآخرين، وهي التي تؤدي إلى تنفيذ الأوامر القاسية واللا إنسانية وغير الواقعية والمفضية للفشل والهزائم، هناك ما يلزم عمله داخل المؤسسة التعليمية ومؤسسة الأسرة والمنافذ الثقافية ومراكز الشباب التابعة للدولة، لتربية الشباب على العقلانية والاعتماد على الأدلة والبراهين العقلية للتوصل إلى القناعة في قضية ما دون إملاء من أحد.

ختامًا: ظهر تنظيم الإخوان ومن وراءه بحقيقته مستغلًا للشباب ومضحيًا بهم لتحقيق مصالح والتي لو اقتضى تحقيقها في مرحلة ما التخلي عنهم وعن جملة الشعارات والعناوين المثالية التي رُفعت لفعلوا، في حين تبقى الدولة ملتزمة بمعايير ومحددات ومبادئ عامة تضعها في النهاية كبوابة رجوع وملاذ لا غنى عنه لشباب عصفت بعقولهم الغضة رياح عاتية من التضليل الإخواني والخداع العثماني.

هشام النجار

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى